عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2018

«جيش الطباشير» استعارة بلا غبار

 القدس العربي-توفيق قريرة

مازال يذهب في الظن أن الاستعارة شيء لا يقدر عليه إلا المُميزون الراسخون في الإبداع، فهي شيء في حكم المعجزة أو الأسطورة لا يُتاح إلا لمن أحكم نسج الكلام. كتبنا أكثر من مرة في هذه النافذة نقول، إن الاستعارة في العُلوم الدلالية العرفانية لم تعد منذ ثمانينيات القرن الماضي مُحسنا أسلوبيا ولا حِلْية للكلام الراقي، بل هي شيء يومي يرتبط بإدراكنا للأشياء وبكيفية بناء الذهن للكون؛ فأذهاننا كما يقول لايكوف وجُنسن استعارية. 
سوف أنتهز في هذا المقال فرصة انبثاق استعارة جديدة اشتغلت عندنا في تونس في المدة الفارطة، في ما عُرف بأزمة التعليم الثانوي التي بدأت بحجب الأساتذة، الأعدادَ عن الإدارة، لتصل إلى تعليق الدروس لمدة أسبوع قبل أن تعرف الأزمة حلحلة بتدخل المركزية النقابية والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وما يعنيني هنا باعتباري لسانيا تابَعَ الأزمة (وباعتبارات مختلفة أخرى متداخلة) أن الحدث كان لسانيا بامتياز، لأنه أنتج خطابا (للنقابة والأساتذة ومن حالفهم) وخطابا نقيضا (للوزارة والحكومة ومن حالفها) وأن الاستعارة كانت في هذا الخطاب قطبَ الرحى.
الاستعارات التي استخدمتها نقابة الأساتذة هي استعارة [النضَال- حرب]. وتبنت الوزارة الاستعارة نفسها تقريبا عند الرد. وفي سياق الاستعارة الأم تحدث نقيب الأساتذة عن حجب الأعداد (وهو ضرب من الأسْر) وعن تعليق الدروس واصفا هذا بـ«أم المعارك»، وتحدث عن أن «النصر قريب»؛ ورد وزير التربية بقوله إن «وزارة التربية ليست إسرائيلية للحديث عن أم المعارك». وقال بعض الصحافيين لنقيب الأساتذة «لا تلعب دور البطل». واضح أن الأطراف جميعا تتحرك في فلك دائرة الاستعارة (النضال – حرب) و«المواجهة – حرب ضدية). النضال النقابي ومواجهة المطلبية (هي مجحفة عند الوزارة) مفهومان مجردان استُعير لهما، لإدراكهما بوضوح، تجربة مادية معروفة هي تجربة الحرب. في الاستعارة العرفانية تسمى هذه استعارة بنيوية، لأننا ندرك عناصر النضال بعناصر الحرب ونُبَنْيِنُها بها؛ فنحن إزاء علاقات بنيوية بين عناصر التجربة الأصلية والتجرية المستعارة لها. الأساتذة «المناضلون» هم «جيش» لأنهم يدركون أنفسهم كذلك، فهم قوة عددية وخبرة في التصدي للجهل وهم حماة البلاد بالعلم، ولذلك هم يحتاجون لأن ينالوا بعضا من مزايا الجيش: مهنتهم شاقة وهم يموتون على الميدان (في الفصل) ولذلك ينتظرون أن يتقاعدوا قبل سن التقاعد كالجيش تماما. تلقبوا بـ«جيش الطباشير» ولنا عود إلى هذه التسمية، فلهذا الجيش قائد هو نقيب الأساتذة يلقبونه بالجنرال، له قائد أعلى منه هو أمين الاتحاد العام التونسي للشغل ويقابلهما في المعسكر الآخر، معسكر الدولة، الوزير ورئيس الحكومة. في هذه الحرب يتحدث كل معسكر عن «رهائن» هم التلاميذ فالدولة تتهم جيش الطباشير باعتماده التلاميذ رهائن تحجب إعدادهم وليس لهم في هذه الحرب ناقة ولا جمل؛ واتهم عضو من المركزية النقابية الوزارة والحكومة بأنها اتخذت من التلامذة رهائن، ولربما عنى أنها ستستخدمهم حاجزا بشريا. في هذه المعركة النضالية أيضا ربح وخسارة واستراتيجيات واضحة وخفية وحكماء ومحمسون من خلف الستار، وفيها شعارات كثيرة وحتى احتفالات وأبواق دعاية تصنع حربا إعلامية موازية، وفيها ضحايا ومبشرون وكهنة وجواسيس.. 
لقد كانت حربا فعلية عاش على وقعها كل المجتمع التونسي الذي له شأن مباشر أو رأي في ما يحدث. وتمترس الناس في هذا الخندق أو ذاك . لم تكن الحرب فقط شأنا لفظيا في الكلام بل عاش الناس عناصرها لأنهم أدركوا الوضع على أنه حرب. لم تتغير وسائل الصراع إلا قليلا وأبانت الحرب عن تقليدية في بنى الصراع وخوضها، وكان الوعي نفسه تقريبا إذ غابت الحقائق وتفاعل الناس مع الظواهر: وهذا أخطر ما في الحرب.
خاض الأساتذة تحركهم تحت تسمية منحوتة من الدائرة الاستعارية الحربية نفسها فأسندوا إلى أنفسهم اسم «جيش الطباشير». لا أدري من فعل ذلك أولا، لكنه كان دقيقا في تشخيص القوة وفي تدقيق صورتها، لا شك أن من صنع هذه الاستعارة كان يخلق استعارة حربية من نوع آخر، قوتها في السلاح الذي نسبت إليه: الطباشير.
ليس المركزي في تسمية «جيش الطباشير» المضاف، بل المضاف إليه. سأتنكر براغماتيا لقول النحاة بأن المضاف هو العمدة في علاقة الإضافة، وسأنتصر لأصحاب النسبة، إذ يعتقدون أن مركز العلاقة النسبية هو المنسوب إليه أي الطباشير هنا لا الجيش. الطباشير وهو حجر جيري ناعم، أداة كتابة الأستاذ على السبورة؛ هو يقابل القلم أداة كتابة التلميذ على الكراس. الطباشير كلما استخدمته الأصابع تآكلت بالجير وهذا ما أصابني شخصيا لسنوات قبل مداواته. الطباشير، لا شيء يوقف الكتابة به حتى الحساسية منه؛ الأستاذ الذي لا يكتب بالطباشير مُغَن لا يُغني وحامل سيجارة لا يدخنها وصياد بلا صنارة وجندي محروم من حمل السلاح، أم ألوان الطباشير الأبيضُ، أبيض يكتب على أسود، وفي ذلك تقابل مع أسود قلم التلميذ الذي يكتب به على أبيض. يوحي الطباشير ببدائية أداة الكتابة في عصر المدرسة الرقمية؛ الطباشير عبارة تستفز بلا شك الخطاب الرسمي، الذي يتحدث عن السبورة التفاعلية ورقمنة، المدرسة ويرفع شعار لوحة رقمية لكل تلميذ، تلميذ ما زال في الريف يخشى الذئاب والسحاب، ويشك وهو يغادر كوخه في سلامة الإياب.
الأبيض ليس لون الطباشير فقط، بل لون منديل الأستاذ. قال لنا المفتش ونحن طلبة في دار المعلمين العليا نتمرن على هذه المهنة بفخر وبفرح: إن المنديل الأبيض هو «حاجب البؤس». الأستاذ أول فقير بائس يسعى إلى إخفاء فقره عن أولاده التلاميذǃ قد لا يصدقون كيف هو بذلك الشموخ الذي في أذهانهم، وبذلك الغنى الذي في ذهنه وهو فقير. لكن المدرس كان أفقر من ذلك ويعرف هو أكثر من غيره كيف استطاع بالتعليم أن يكسر قدرية فقره وانتمائه إلى طبقة مدقعة. كسر التعليم التراتبية القديمة والشرف المتوارث. ولأول مرة نزل الأثرياء إلى حلبة التنافس على العلم لا حبا فيه، بل في الوظيفة والوجاهة. لكن يشعر جيش الطباشير والمناديل، أن التعليم الحكومي المجاني والراقي صار مهددا، وأن الخصومة قد يكسبها الأثرياء، وأن الجودة في التعليم الذي ما يزال في يد التعليم العمومي على الأقل في الثانوي وفي العالي، مهددة. هي إذن حرب طبقية ولذلك اقترنت باتهام النقابة الحكومة بالهرولة إلى التفويت في القطاع العام.
الاستعارة لا تُخلق في عصر الترف للزينة؛ هي توجد في الأزمات لتعبر عن طريقة إدراكنا لها؛ هي صوت الحقيقة العميقة قبل أن تكون كلاما مجازيا منمقا، حيث توجد استعارة فهناك وراءها حقائق؛ وحيث توجد استعارة توجد في جهة ما رؤية للكون: لستَ مطالبا بأن تكون معها أو ضدها فقط، إفهمها جيدا لأنك ستفهم نفسك وتفهم الكون؛ وإن قصرت ظلمت نفسك لا الاستعارة، لأنه في اللحظة التي تظن أنك تعلو فيها، ستكون أميا وتحتاج لرفعها، أميتك، إلى طباشيرَ.
 
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات