عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Nov-2017

..يمر بها طريق الحج من دمشق عبر السهل إلى سال والرمثا الحصن.. ديون القديمة إحدى مدن الديكابوليس الضائعة!
د. محمد عبده حتاملة
الراي - يلفظ اسمها بكسر الحاء المهملة، "والحصن: كل موضع حصين لا يوصل إلى ما في جوفه، والجمع: حصون". وتعني كلمة (الحصن) في اللغات السامية: المنيع أو القوي أو الشديد. فجذرها بالآرامية (حَسَن)، وبالعبرية عن الكنعانية (حسِن)، وبالعربية (حصَنَ) بمعنى واحد تقريباً هو: اكتسب مناعة أو قوّى، أو جعل الشيء متيناً ذا منعة. وربما سميت مدينة الحصن بهذا الاسم لأن حصناً أقيم على تلها الصناعي، ويدل على أن الحصن كان موجوداً لكثرة الحجارة الكبيرة المتراكمة على التل، وهو الأمر الذي يوحي بأن حجارة حصن أو قلعة كبيرة كانت هناك، تعود إلى أوائل العصر البرونزي (حوالي سنة 3000 ق.م). كما عثر على كتابات ونقوش رومانية وبيزنطية.
تقع مدينة الحصن إلى الجنوب الشرقي من مدينة إربد، وتبعد عنها نحو سبعة كيلومترات. وتحتل موقعاً متوسطاً في شمالي الأردن، وتبعد عن العاصمة عمان نحو سبعين كيلومتراً، وعن الحدود السورية نحو عشرين كيلومتراً. ويمكن الوصول إليها من عمان عبر طريق عمان- جرش- الرمثا- الحدود السورية، حيث تتفرع إليها طريق يساراً قبيل الوصول إلى جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، ثم تعبرها هذه الطريق الفرعية إلى مدينة إربد.
ويمر بالحصن طريق الحج من دمشق عبر السهل إلى سال والرمثا. ومن أهم معالم الحصن (تـل الحصن)، ويقع شمالي القرية، ويبلغ طوله عند القاعدة 275 متراً، وعلى السطح 180 متراً، ويبلغ ارتفاعه ثلاثة عشر متراً. وتقدر مساحته بنحو تسعين دونماً. وتوجد قرب التل قبور وصخور منحوتة كانت موجودة ومستعملة في العصرين الروماني والبيزنطي.
أما الحصن نفسها فترتفع 550 متراً عن سطح البحر، ويعتبر القسمان الغربي والجنوبي منها هضاباً تتخللها مناطق سهلية، بينما القسم الشرقي سهول زراعية خصبة، تجود فيها الزراعة البعلية.
وتعتبر الحصن من المدن الأردنية الموغلة في القدم، وقد دل ضريح تم اكتشافه قرب تل الحصن الصناعي على أن هذا التل يعود – كما ذكرت- إلى العصر البرونزي، كما كشف المسح الأثري في الحصن عن بقايا معمارية ترجع إلى العصر الحديدي الثاني (1000 -900 ق.م).
وهناك دلائل عديدة عثر عليها منها نقوش وكتابات تدل على أن تل الحصن كان قائماً في أيام الرومان والبيزنطيين. ويعتقد أن في الحصن مدينة ديون القديمة التي كانت إحدى مدن الديكابوليس أو (اتحاد المدن العشر) الذي كان قائماً في أيام الرومان والبيزنطيين «وهي المدينة الوحيدة من مدن الديكابوليس التي لم يحدد مكانها تحديداً قاطعاً». والمرجح أن تلك المدينة كانت قائمة على تل الحصن الصناعي. ولعل بعض ما يؤيد ذلك وجود ثلاثة أعمدة كورونثية شبيهة بأعمدة جرش الرومانية على التل، وكذلك وجود حجارة ضخمة مربعة الشكل تبدو وكأنها أساسات لسور أو بناء على الطرف الجنوبي من التل. وربما لو أجريت حفريات في هذا التل لانكشف ما يخبئه من آثار قد تؤكد، وربما تنفي، أن هذا الموقع إنما هو موقع مدينة ديون؛ إحدى مدن الديكابوليس، التي لم يحدد مكانها بعد.
وقد ظلت الحصن قائمة ومزدهرة عبر العصور، ونبغ فيها خلال العصر المملوكي عدد من العلماء، منهم الشيخ تقي الدين الحصني المولود سنة 751هـ/1351م الذي تفقه على يد علماء دمشق، وله عدة مؤلفات منها: كفاية الأخبار، وشرح صحيح مسلم، والمولد النبوي.
ومنهم محمد بن جمعة الحصني الفقيه والنحوي والخطيب والشاعر.
وتراجعت الحصن في العهد العثماني، وخاصة في بداية ذلك العهد، وظلت كذلك ضحية الإهمال والنسيان حتى حكمها الزيادنة خلال الفترة 1759-1775م، وخلال هذه الفترة كانت عشيرة الخصاونة تسكن الحصن، وقد اتفقت مع عشائر أخرى على طرد الزيادنة الذين عُرفوا بالبطش والظلم، غير أن الزيادنة بطشوا بهم، وقبضوا على شيوخ الخصاونة، وأخذوهم إلى قرية تبنة، ثم لم يلبث الوالي العثماني أحمد باشا الجزار، والي عكا، أن هاجم الزيادنة، وأخرجهم من البلاد، فانتهز الخصاونة الفرصة وفتكوا بالزيادنة، ونهبوا متاعهم ومواشيهم.
وكانت الحصن في أوائل العهد العثماني تنتج كميات وافرة من الحبوب، وخاصة القمح والشعير، فقد ورد في دفتر الطابو رقم (275( المؤرخ سنة 958هـ/1551م أن إنتاج الحصن من القمح كان ثمانين غرارة قيمتها عشرة آلاف وأربعمائة آقجة، ومن الشعير أربعاً وخمسين غرارة قيمتها أربعة آلاف ومائتان واثنتا عشرة آقجة. والجدير بالذكر أن الحصن خلال العهد العثماني كانت تكثر فيها آبار المياه، فقد أشارت بعض الدراسات إلى أنها كانت تضم إحدى وخمسين بئراً، كما كانت توجد فيها بركة تسمى (بركة المراح). وذكرت دراسة أخرى موثقة أن آبار الحصن تصل إلى 135 بئراً توجد لدى دائرة الأراضي قائمة بـ 120 بئراً منها وذلك لأن الآبار الموجودة في أطراف المدينة لم تسجل فيها. ويشير العدد الكبير لآبار الحصن إلى طبيعة الاستقرار وحجمه واستمراريته. وآبار الحصن كان بعضها داخلها، وبعضها خارجها، ومن هذه الآبار: بئر (أيوب أبو نصري)، وبئر الخوري بطرس، وبئر الخوري عيسى، وبئر أولاد فنيش، وبئر إبراهيم الإبراهيم. وتقع بركة المراح غربي البلدة القديمة، وهي بركة رومانية محفورة لجمع مياه الأمطار في فصل الشتاء، وكان مخزونها السنوي يقدر بأربعين ألف متر مكعب.
زار الرحالة بيركهارت الحصن سنة 1812م، ووصفها بقوله: «الحصن هي القرية الرئيسية في المنطقة التي تدعى بني عبيد، وهي تقوم على منحدر الجبل، يسكنها ما يزيد على مائة عائلة، منها حوالي خمس وعشرين عائلة من المسيحيين الشرقيين، أو أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الذين يخضعون لسلطة بطريرك القدس. ولم أشاهد شيئاً يستحق الاهتمام هنا باستثناء عدد من الآبار المنحوتة في الصخر... وجدت عشائر شريرة جداً في الحصن فقد جرت العادة أن يرسل باشا دمشق سنوياً أحد الموظفين الكبار في حكومته للتوجه إلى المقاطعات الجنوبية لجباية متأخرات ضريبة الميري بالقوة وفرض ابتزازات جديدة، وكان قد وصل إلى القرية آغا طبرية الذي عهد إليه بهذه الوظيفة، ومعه حاشيته المؤلفة من مائة وخمسين خيالاً أنزلهم في بيوت الفلاحين، وكانت حصة مضيفي سبعة رجال وخمسة عشر حصاناً، ومع أنه ذبح خروفاً وسلق حوالي عشرين رطلاً من الأرز للعشاء إلا أن الموظفين اللذين نزلا في بيته كانا يطلبان باستمرار أن يقدم أكثر من ذلك، وفي النهاية نهبا جميع أثاث بيته، وعملا في الواقع أكثر مما يعمله العدو. ولكي يتجنب الفلاحون الآثار التي من هذا النوع فإنهم يهجرون القرى المعرضة أكثر من غيرها لمثل هذه الزيارات».
هذا، وقد أصبحت الحصن في القرن التاسع عشر الميلادي عاصمة بني عبيد، واحتضنت زعماء الناحية من عشيرتي الخصاونة والنصيرات، وفي النصف الثاني من القرن ازدادت خلافات كانت قد نشبت بين الخصاونة والعشائر المسيحية في المدينة مما استدعى تدخل السلطات العثمانية، وقد قضت هذه السلطات سنة 1869م بإخراج الخصاونة من الحصن، فاختاروا السكن في: النعيمة وإيدون، بينما ظل النصيرات في الحصن.
وبدأت الحصن تستعيد مكانتها كمدينة حديثة منذ عام 1908م حيث أسست فيها بلدية. وقد تمت إنارة المدينة عام 1958م، وتم تزويدها بشبكة مياه عام 1966م. وقد قامت البلدية بتنفيذ العديد من المشاريع الحيوية، منها تعبيد الشوارع، وإنشاء سوق تجارية كبيرة لرفد موازنة البلدية بالدخل.
ويلاحظ على مدينة الحصن كثرة الكنائس فيها، ذلك أن غالبية سكانها من المسيحيين. وقد بدأ بناء الكنائس الحديثة في المدينة منذ بداية القرن العشرين الميلادي بطابع معماري متميز، ومن هذه الكنائس: كنيسة الروم، وكنيسة البروتستانت، وكنيسة الكاثوليك. ويعود تاريخ أولى هذه الكنائس، أي كنيسة الروم، إلى القرن التاسع عشر الميلادي.
ويميز الطابع المعماري لمدينة الحصن وجود المنازل القديمة فيها إلى جانب المنازل الحديثة، فالقديمة مبنية بالحجارة والطين والتبن، بينما الحديثة مبنية بالحجر المشذب محكم النحت، وبعضها على شكل فلل جميلة يغطي سقوفها القرميد.
وتعد الحصن من المدن الأردنية التي انتشر فيها التعليم في وقت مبكر، فقد أنشئت فيها المدارس الأهلية، وخاصة المسيحية في
العهد العثماني عام 1870م، وفي عهد الإمارة أنشئت فيها مدرسة ابتدائية تولى إدارتها بعض التربويين المعروفين، منهم مصطفى وهبي التل (عرار)، شاعر الأردن. وهناك إشارات في شعره إلى الحصن التي كان معجباً بسهولها وأهلها، ومن ذلك قوله:
 
والــــغـــــــــــور مـــــــا انــفــــكــت غــــــــدائــر نـــبــــــــــــتــــــه
وزهــــــــــوره تــــــحـــــــنـــــو عـــــــلــــــــى غـــــــــــــدرانــــــــــــــــــــه
وســـــــــــــــمـــــــــــــاء إربد مـــــا يزال ســـــــــحــــــــابــــــهـــــــا
يســــــــقـــي ســــهـــــــول الحــــــــــصـــــن مـــن هتانه
يـــــا مي مــــا بــرحــت حـــــمائـــــم ســـــــــــــــــدرنــــــا
تـــشــــــــــدو مـــــصـــــفــــقـــــة عــــــلى أغــــــصــــانـــه
فـــتــــــعـــهـــدي قلبي بحــــبك واســــــــــــــــمــــــــــــــــعي
مـــــــا شئــــت مـــــــن شـــــــــدوي ومـــــن ألحانــــه
 
والحصن مركز لواء بني عبيد، أحد ألوية محافظة إربد، ويبلغ عدد سكان مدينة الحصن (20608 (نسمات. والجدير بالذكر أن عدد سكان الحصن الذي زاد على العشرين ألفاً في أوائل القرن الحادي والعشرين الميلادي، كان في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في سنة 1885م نحو ألفي نسمة، وارتفع هذا العدد في سنة 1905م إلى 2500 نسمة، وفي سنة 1913م أصبح أربعة آلاف نسمة.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات