عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

قضيتا زهران والعموش تعيدان قضايا "التعذيب" للواجهة

 ...إجراءات وقائية رسمية مشددة

الغد-هديل غبّون
 
لا تزال عائلة الشاب إبراهيم زهران تعيش فاجعة فقد ابنها، الذي توفي في حادثة اشتباه بالتعذيب خلال احتجازه في مركز توقيف قسم إدارة البحث الجنائي في العاصمة، ولا يختلف الحال كثيرا عند عائلة الشاب بلال العموش، الذي كان توفي خلال إجراء عملية بالمعدة أثناء فترة توقيفه بمركز إصلاح وتأهيل بيرين، إلا أن الأخير استطاعت عائلته الحصول على موافقة قبل أيام بإعادة تشريح جثمانه للاشتباه بوقوع قضية تعذيب.
الحادثتان اللتان سجلت وفاتهما خلال أقل من أسبوع، وتحديدا 8 حزيران (يونيو) الماضي و12 منه على التوالي، لم تكشف فيهما الجهات الرسمية حتى الآن عن حيثياتهما أو أسباب توقيف كل منهما. وفيما لا يزال التحقيق منظورا في قضية زهران، فقد صدرت موافقة النائب العام الثلاثاء الماضي بإعادة تشريح جثة العموش، ما يرجح تحويل مسار القضية إلى "شبهة تعذيب" والمضي قدما بإجراءاتها القانونية، رغم عدم تنفيذ طلب إعادة التشريح حتى يوم أمس.
وحتى الخميس الماضي، حاولت "الغد" الحصول على معلومات تفصيلية محدثة حول آخر تطورات القضيتين من الجهات الأمنية المختصة دون أن يتسنى لها ذلك، فيما كشف مكتب التنسيق الحكومي لحقوق الإنسان، ردا على استفسار "الغد" حول آخر الإجراءات الحكومية بمتابعة قضايا الادعاء بـ"الإساءة أو التعذيب"، عن المضي قدما مؤخرا بتطبيق سلسلة من الإجراءات بقرار جديد من مديرية الأمن العام والقضاء الشرطي، وفقا للمنسق الحكومي باسل الطراونة.
وقال الطراونة لـ"الغد"، إن مدير الأمن العام أوعز الشهر الماضي بتنفيذ سلسلة إجراءات "مهمة"، تتمثل بتكليف مدير القضاء الشرطي والقضاة الشرطيين والمدعين العامين الملحقين بكافة وحدات الأمن العام وبجميع الأوقات وعلى مدار الساعة، بتفقد النظارات ومراكز التوقيف بالأمن العام والاطلاع على أوامر الاحتفاظ بالمشتكى عليهم وظروف التوقيف والالتقاء بالمشتكى عليهم، وكذلك متابعة أي شكوى ترد من أي شخص محتفظ به داخل النظارة أو مركز التوقيف حول تعرضه للإساءة ومباشرة التحقيق بأي تجاوز مباشرة من قبل المدعي العام في الموقع.
وبين أن من بين سلسلة الإجراءات أيضا، رفع مديرية القضاء الشرطي تقارير لمدير الأمن العام، بحال وجود أي تجاوزات أو ملاحظات بخصوص أي "تجاوزات متعلقة بفترة التحقيق الأولي لدى الشرطة"، قائلا إن التوجيهات استندت إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية يرتب "بطلانا" على إجراءات التحقيق الأولي لدى الشرطة إذا شاب هذه الاجراءات "عيوب جوهرية" أثناء التحقيق والاحتفاظ بالمشتكي عليه، كتجاوز مدة الاحتفاظ أو طريقة أخذ الاعتراف بارتكاب الجريمة عن طريق انتزاع الإقرار أو استعمال الشدة والعنف، وما يترتب على ذلك من إفلات المجرم من العقاب بسبب هذه المخالفات". 
وفي الوقت الذي صدرت فيه هذه التوجيهات والتعليمات في 11 حزيران (يونيو) المنصرم، أي بأعقاب وقوع حادثة "زهران"، بين الطراونة أنه تم العمل مباشرة بهذه الإجراءات، فيما تبعها تنفيذ عمليات تفتيش شملت 82 نظارة ومركز توقيف، تخللها إجراء لقاءات مع عدد من الموقوفين فيها، والاطلاع على أسباب وظروف ومدة توقيفهم، والتحقق فيما إذا كان لديهم أي شكاوى بحق ضباط وأفراد الشرطة، الذين قاموا بالتحقيق معهم، وقد تم رفع تقارير مفصلة لمدير الأمن العام بالملاحظات التي تم مشاهدتها والتي أوعز بتلافيها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.   
وفي السياق ذاته، أكد الطراونة أن الحكومة لن تدخر جهدا بتحسين وتطوير حالة حقوق الإنسان في البلاد، منوها أيضا إلى صدور تعميم حكومي من رئيس الوزراء د. عمر الرزاز في 24 من الشهر الماضي، إلى جميع الدوائر والمؤسسات الرسمية يؤكد على ضرورة تزويد مكتب التنسيق الحكومي بكل "ما يستجد" من إجراءات ومتابعات لوزاراتكم ومؤسساتكم ودوائركم حيال منظومة حقوق الانسان ليتم إدراجها بالتقارير الدولية والاقليمية والمحلية والسنوية الدورية".
وشدد المنسق الحكومي على حرص الحكومة على "المكاشفة والمصارحة" بتدفق المعلومات وضمان حق الحصول على المعلومة، بكل القضايا المتعلقة بحقوق الانسان، ضمن النهج الحكومي، إلى جانب إدراج أي تطورات مهمة على التقرير الوطني للمراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان UPR، المقرر تسليمه لمجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة قبل نهاية الشهر الجاري.
في الأثناء، كشف وكيل قضيتي "زهران" و"العموش" المحامي سالم المفلح لـ"الغد"، عن حصوله على موافقة من النائب العام بإعادة تشريح جثة العموش.
وقال المفلح، الذي وكّل في قضيتي زهران والعموش معا، ممثلا لمركز عدالة للدراسات القانونية، إن طلبا قدمه الأحد الماضي للنائب العام، لإعادة تشريح جثة العموش، بعد أن أشارت وقائع وشهادات سردها أفراد من العائلة، إلى اختلافها مع التقرير الأولي للوفاة الصادر في 13 حزيران (يونيو)، والذي أشار إلى أن أسباب الوفاة هي "ثقب وقرحة في الإثني عشر".
وكان التقرير الأولي صدر عن لجنة طبية من 3 أطباء شرعيين، وبحضور مدعي عام الرصيفة، نفى "تعرض العموش للضرب"، وعلل سبب الوفاة بثقب بالإثني عشر ناتج عن قرحة نازفة مع "خلو الجسد من أي آثار لشدة أو عنف"، وفقا لبيان رسمي للأمن العام.
لكن المفلح، يلفت لـ"إشكاليات" عديدة رصدت بالتقرير، ما دعاه لطلب إعادة التشريح، إلى جانب روايات مختلفة لعائلة العموش، الذي كان نقل لعائلته تعرضه "للضرب" خلال فترة توقيفه بالمركز الأمني بقسم مكافحة المخدرات في الزرقاء في 26/5 قبل تحويله لمركز إصلاح وتأهيل بيرين في 29/5، "حيث لم يكن على اتصال بذويه خلال فترة الاحتجاز إلى حين معرفة عائلته بذلك عندما تقدم والده بالتبليغ عن فقدان بلال رسميا".
كما سجل المحامي في التقرير الأولي لحالة الوفاة "عدم اختصاص" أحد الأطباء الثلاثة في لجنة الطب الشرعي، باعتباره مديرا عاما لمستشفى الأمير فيصل، وهو طبيب باطني.
ويتوقع المفلح أن إعادة التشريح والتي أحيلت الموافقة عليها إلى مدعي عام الزرقاء، من شأنها إعادة إحياء مسار القضية مجددا، وهو يعتزم تقديم شكوى جديدة "أشمل" باسم عائلة المتوفى، وقال إن "الشكوك تدور حول تعرض العموش للتعذيب وانتزاع الاعتراف منه أثناء الاحتجاز في المركز ألامني قبل تحويله لمركز الإصلاح".
ومن الناحية القانونية، انتقد المفلح تكرار سلسلة الإجراءات المتعلقة بقضايا الاشتباه بالإساءة أو التعذيب، والتي تبدأ من لحظة "إسناد" مهمة التحقيق للضباط بمراكز الاحتجاز "بدلا من أن تنحصر وظيفة الضابطة العدلية" بالحصول على الإفادة الأولى، وإسناد مهام التحقيق للمدعين العامين.
وفيما تواصل لجنة التحقيق، التي أوعز بتشكيلها مدير الأمن العام عملها بقضية زهران، يواجه أبناؤه الأربعة من زواجين منفصلين مصيرا مجهولا، بحسب شقيقته هنيدة زهران، قائلة إن إبراهيم (39 عاما)، لطالما حلم بأن يعمل على تطوير عمله لإعالة عائلته وأبنائه ووالدته، إلا أن وفاته المفجعة تركتهم اليوم ليواجهوا ما لم يكن بالحسبان.
وتقول: "لم يكن على إبراهيم أي تعميم أو قرار جلب أو شكوى، ولا نعلم للآن القضية التي اشتبه بتوقيفه فيها، سبق وتعرض إبراهيم لتوقيف بقضايا سابقة، وكان يروي لنا عن اعتداءات عليه ولكننا لم نحرك أي شكوى سابقا، لأن الكل يخشى من تقديم شكاوى من هذا النوع".
أما عائلة العموش، التي لا تزال أجواء الحزن تخيم عليها رغم بصيص الأمل الذي عاد بإعادة توجيه مسار قضيته، فتعيش والدته بحالة "انهيار" رفضا لما حل بابنها بلال (36 عاما)، والذي كان يحلم بحياة كريمة والزواج وتكوين أسرة، كغيره من أبناء جيله كما تقول شقيقته زهور لـ"الغد".
وتشير الى أن عائلتها ستواصل المضي قدما في كل الاجراءات القانونية حتى النهاية.
إلى ذلك، جدد مناهضون لجرائم التعذيب ونشطاء وحقوقيون، مطالباتهم بتغيير اختصاص النظر بقضايا التعذيب من القضاء الشرطي إلى المدني، وتعديل المادة 208 من قانون العقوبات، ورفع جريمة التعذيب من جنحة إلى جناية، تماشيا مع اتفاقية مناهضة التعذيب 2015 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأطلق نشطاء، عقب وقوع حادثتي زهران والعموش، وسم "أوقفوا جريمة التعذيب"، فيما رأى البعض أن إصدار الأمن العام تعميمين، يتضمنان "أوامر صارمة لمراقبة مراكز التوقيف وتفقدها باستمرار من قبل المدراء والقضاة والمدعين العامين الشرطيين"، خطوة رسمية "غير مسبوقة" في التعاطي الرسمي مع قضايا الاشتباه بالتعذيب، إلا أن البعض عدها "تدابير غير كافية".
ودعت المحامية إسراء المحادين الجهات الرسمية إلى "فتح تحقيق شامل بكل قضايا الاشتباه بالتعذيب"، وتعديل إجراءات وتعليمات كتابة تقارير الطب الشرعي القضائية بنوعيها الأولية والقطعية.
ورغم إجراء تعديلات على تعليمات إصدار التقارير الطبية القضائية في 2017، قالت محادين إن كثيرا من التعليمات "غير مطبقة خاصة في حالات القتل وشبهة الاعتداءات على اختلافها والتعذيب، هناك حاجة لتعديل أسس ومعايير كتابة التقارير من قبل لجنة الطب الشرعي، وعدم الاكتفاء بحلفان اليمين للطبيب قبل إصدار التقرير، بل إجراء تقييم دوري للأطباء الشرعيين استنادا إلى تقاريرهم، وكذلك توفير حماية لهم أسوة بالقضاة، من قرارات النقل والإحالات للتقاعد أو الاستيداع وغيرها".
وأوردت تحالفات حقوقية في تقارير أصحاب المصلحة المقدم لمجلس حقوق الإنسان في جنيف لمناقشتها ضمن الاستعراض الدوري الشامل في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، مطالبات بإجراء تعديلات تشريعية على قانون العقوبات، لإعادة تعريف جريمة التعذيب وتشديد عقوبتها، واعتبارها جناية لا جنحة وعدم سقوطها بالتقادم.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات