عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2018

«شيرين والإبشيهي» *بلال فضل

 القدس العربي-عنصر الخبرة في بلادنا ضروري، لكي تنجو من تبعات إعلان رأيك بدون تجميل أو نفاق للمجتمع، ولذلك وقعت الممثلة شيرين رضا في شر نقص خبرتها، حين تحدثت مؤخراً في برنامج تلفزيوني عن إزعاج بعض المؤذنين المصريين الذين وصَفَت أصواتهم بالجعير، مع أنها كانت ستنال الحفاوة والاستحسان، لو برّرت مثلاً اعتراضها على قبح أصواتهم بأنه غيرة على الإسلام، لكي لا يشمت به أعداؤه، أو قالت إن تحسين أصوات المؤذنين سيضاعف أعداد الداخلين في الإسلام.

في كتابه «المُستطرَف في كل فنٍ مُستظرَف»، الذي اعتمد فيه على كتب لأسلافه الزمخشري وابن عبد ربه وغيرهما، ختم الحافظ شهاب الدين الإبشيهي فصلاً عن نوادر المؤذنين، برواية عن «سكران مرّ بمؤذن رديء الصوت فجَلَد به الأرض، وجعل يدوس بطنه، فاجتمع إليه الناس فقال: والله ما بي رداءة صوته، ولكنه شماتة اليهود والنصارى بالمسلمين». ومع أن الكتاب يحفل بنوادر عن أئمة ومقرئين وقضاة، لو رواها ضيف برنامج لقامت قيامته قبل أن يبرح مقعده في الاستديو، إلا أن الإبشيهي حاول تخفيف وقع الاعتداء بالضرب المبرح على المؤذن قبيح الصوت، بأن جعل من المعتدي سكراناً غيوراً على الدين.
بعكس كلمة (جِعِرّ) التي تعتبر شتيمة صريحة في العامية المصرية، تعتبر كلمة (جعير) مجرد توصيف للصوت العالي المنفر. لا يذكر أحمد تيمور الكلمة ومشتقاتها في معجمه الكبير للألفاظ العامية، لكن البعض يورد (الجاعورة) في قائمة الكلمات حجازية الأصل، وهي تعني البكاء بصوت عالٍ، لذلك نقول إن الطفل فتح الجاعورة، حين يعلو صوت بكائه، ربما سقطت الكلمة سهواً من دفتر ملاحظات موسوعي كتيمور باشا، وربما دخلت العامية بعد زمانه، لكن المؤكد أن (الجعير) و(التجعير) و(يجعّر) صارت الألفاظ الأكثر دلالة على قبح الصوت، ومع ذلك أوصلت (جعير) شيرين رضا إلى النيابة والبرلمان ومحاكم التوك شو، ومن يدري ما الذي كان سيحدث لو أنها استخدمت وصف (نهيق)، مستلهمة التعبير القرآني عن قبح الصوت المرتفع، في قوله تعالى في سورة لقمان: «واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير»، التي ينقل الطبري في تفسيرها عن ابن زيد: «لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير».
منذ أن بدأت دولة السادات منافسة الجماعات الإسلامية على التقوى والإيمان، ظهرت في ساحة الإعلام المصري أزمات متباعدة مرتبطة بالأذان، خاصة بعد انتشار بناء المساجد الصغيرة أسفل العمارات السكنية، أحياناً لوجه الله، وأحياناً للإفلات من ضريبة العوائد المستحقة على العمارات، ومن يرجع إلى أرشيف الصحف سيجد من يستنكر رفع الأذان أصلاً عبر الميكروفون، ومن يطلب منعه في صلاة الفجر فقط، ومن يطالب بتوحيد الأذان بصوت رخيم كصوت الشيخ محمد رفعت، ومن يتحسر على جمال أصوات المؤذنين في تركيا وبلاد الشام، وأيضاً من يتهم المتضايقين من صوت الأذان بكراهيتهم لتعظيم شعائر الله، ومن يستغرب طلبهم الهدوء في مجتمع باتت الضوضاء سِمَة لا يمكن تصوره من غيرها.
في إطار التضامن مع شيرين رضا، نشر لويس جريس تدوينة على الفيسبوك، تحكي عن ضيق زوجته الممثلة الراحلة سناء جميل من رداءة صوت مؤذن المسجد المجاور لمنزلهما، وشكواها لأحد مسؤولي الأوقاف، لأنها حُرِمت الاستمتاع بأذان سابقه جميل الصوت، ليتم تغيير المؤذن قبيح الصوت، وتعود سناء جميل لتأنس لصوت المؤذن الجميل.
تم تداول التدوينة بكثافة، لأنها تحتوي على كافة توابل الخلطة المصرية (سماحة ـ أصالة ـ وحدة وطنية ـ زمن الفن الجميل)، وهو ما لم يكن سيحدث قطعاً، لو أن بطل التدوينة كان مواطناً مسيحياً، اعترض على إذاعة الأذان بالميكروفون، كما يعترض مسلمون غيورون كل شهر تقريباً على رفع جرس فوق كنيسة.
قرأت مؤخراً اتهاماً من مسؤول في وزارة الأوقاف لثورة يناير/كانون الثاني، بأنها تسببت في سرقة أجهزة استقبال الأذان الموحد التي وزعت عقب تطبيق قرار توحيد الأذان، في عهد حمدي زقزوق وزير أوقاف مبارك، مع أن من يَعمُر مساجد وزوايا العمارات التي لا يتبع أغلبها للأوقاف، يعلم استحالة التطبيق الشامل للقرار، لأن مهمة الأذان ترتبط بصراعات داخلية شرسة، تسعى لاحتكار الثواب المنتظَر للمؤذنين «أطول الناس أعناقاً»، لا تنس أن انتشار الفكر المتشدد غيّب الاحتفاء بجمال صوت المؤذن، ستجد كثيرين يستشهدون برواية يوردها الشيخ سيد سابق في «فقه السنة»، يقول فيها ابن عمر لشخص «إنه يبغضه في الله، «لأنه يتغنى في أذانه»، وأظن أن شيوع الاستشهاد ليس احتفاء برأي ابن عمر، بل لأن رأيه يساعد على دعم ارتباط موقع المؤذن بالأقدمية أو «بفرد الذراع»، ولذلك سيظل موضوع قبح أصوات المؤذنين وتوحيد الأذان، مادة للهري المجتمعي، خصوصاً كلما أثير بشكل يفتقر إلى خبرة لويس جريس وسناء جميل والإبشيهي.
في موضع آخر من كتابه يحكي الإبشيهي عن تاجر عَبَر بمدينة حِمص، فسمع مؤذناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن أهل حمص يشهدون أن محمداً رسول الله، فذهب ليشكوه إلى الإمام، ففوجئ به يقيم الصلاة على رجل واحدة، رافعاً الأخرى لأنها ملوثة بالغائط، فذهب يشكو للمحتسب، فوجده يجلس في جامع آخر، يبيع الخمر وهو يحلف على مصحف في حِجره للمزدحمين عليه بأن خمره ليست مغشوشة بماء، فذهب الرجل وقد فاض به الغضب إلى القاضي، وحين دفع عليه الباب، وجده نائما وعلى ظهره غلام يفعل الفاحشة، فلعن التاجر المدينة، وحين استنكر القاضي قوله، أخبره بجميع ما رأى، فاتهمه القاضي بالجهل، وشرح له أن مؤذن المسجد الأول مرِض، فاستأجر الناس يهودياً حسن الصيت ليؤذن مكانه، وأن الإمام خرج متعجلاً ليصلي بالناس فداس على غائط، فقرر لضيق الوقت أن يصلي على الرجل غير الملوثة، أما المحتسب فقد كان مكلفاً برعاية جامع ليس له وقف إلا كرم عنب، ولم يكن عنبه مما يؤكل، فعصر العنب خمراً وباعه ليصرف ثمنه في مصالح الجامع، «وأما الغلام الذي رأيته فإن أباه مات وخلف مالاً كثيراً، وهو تحت الحَجر، وقد كبر وجاءه جماعة شهدوا عندي أنه بلغ فأنا أمتحنه»، فخرج التاجر من البلد وحلف أنه لا يعود إليها أبداً.
يدرك الأبشيهي أن لدى قراء كتابه القدرات العقلية اللازمة للحكم الرشيد على ما يقرأونه، ولذلك يروي قصته بدون مقدمات ولا معقّبات، وهو ما يحسده عليه أحفاده من الكُتّاب العرب، الذين يعيشون في زمن لم يعد مسموحاً بإعلان الغضب، إلا في ما يزعم الناس أنه يمس بالدين، ليس لأنهم حقاً غيورون على مقاصد الشرع ومبادئه، فلو كانوا كذلك لاعترضوا بالحدة والحماس نفسيهما على قتل الأبرياء وشيوع الظلم وتفشي الفساد، غاية ما هنالك أنه لم يعد هناك سوى مساحة آمنة وحيدة للغضب، ترضى عنها السلطة، طالما جاءت ممن لا يغضبون في مساحات أخرى تزعجها، وطالما تمكنت من توظيف الغضب لتأكيد دفاعها عن الدين والأخلاق، واستمرار بقائها على قيد القمع والنهب.
ـ «المُستطرف في كل فن مُستظرَف» ـ شهاب الدين الإبشيهي المتوفي سنة 850 هجرية ـ طبعات متعددة.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات