عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-May-2017

الشخصية في الرواية: رؤية العالم الإشكالية والمنظور

القدس العربي-رامي أبو شهاب
 
ما زالت الشخصية في الرواية العربية المعاصرة تعدّ مصدراً أو مركز المتخيل السردي، إذ لا يكاد يخلو عمل روائي معاصر من هذا النسق في التكوين السردي، وهذا ربما يفسر بالمنظور الذي ما زال يحتفي بالتكوين الواقعي للشخصية، على الرغم من أن العالم لم يعد يحفل كثيرا بواقعيات بادت، ولاسيما في ظل تنامي هذا العالم المتعدد الأبعاد.
فثمة عالم يشيد ضمن مستويات لم تتلفت لها الرواية العربية، التي ما زالت مصرّة على فهم العالم، وتقديم تفسيرات له وإن بدت متخففة من التكوينات الواقعية، كما طرحتها رواية القرن التاسع عشر أو القرن العشرين، غير أنها مازالت مشدودة إلى خيط الشخصية، بوصفها فعلاً من أفعال التشييد السردي، وكأن ثمة خوفا من أن الرواية لا يمكن أن تعد رواية ما لم تنهض على شخصية محورية، دورها الأساسي أن تعاين العالم، وتعيد تفسيره، وربما تكون هذه الشخصية مجالاً لتأويل العالم.
إن الناظر إلى الكم الهائل من الروايات الصادرة تبعاً لمتتالية البحث عن تقدير سحر الجوائز، سيلحظ أن مرجعيات الرواية لم تزل كما هي، أي أنها لم تتقدم في مجال اكتناه عالم روائي، يناظر الواقع بمعناه المعاصر، أي المتحرك أو الديناميكي، لا بمعناه الفني أو التاريخي الكامن في الذهنية العربية، التي لم تتنبه إلى حقيقة مفادها، أن استراتيجيات القص والسرد لم تعد معنية بعالم مطمئن.
وعلى الرغم من أن الرواية فقدت تكويناتها المطمئنة، ممثلة بتيار الرواية الجديدة، وما استجد في ما بعد من نماذج سردية، بيد أن الرواية العربية ما زالت عالقة في وضع ارتجاعي، مفاده أن الإنسان ما زال يعني كل شيء، وأن هذا العالم يتمحور حوله، على الرغم من كل معاول الهدم التي أحدثها التاريخ الذي شوّه الإنسان وجعله تابعاً، بل إن الإنسان أقصى ذاته، ليتحول العالم إلى فعل نافٍ للتقييم الإنساني المجسد بالشخصية، كما صاغها من قرون أرسطو الذي يبدو –ربما- أكثر نضجاً في تحديد المدلول الفني للشخصية، بوصفها نتاجا ثانوياً في العمل السردي، على الرغم من الامتيازات التي نالتها الشخصية على أيدي كتاب الرواية الواقعية.
ولعل نظرية المحاكاة لأرسطو تشكل مدخلا ملائما للحديث عن مفهوم الشخصية، وتكوينها الجدلي، إذ يرى أرسطو أن محاكاة الشخصية ليس نسخا مباشرا لها ، إنما هو عملية تمثل لها يحاكى بها أوجه الحياة، وهذا الرأي ينطلق من خلال وجهتين: الوجهة الأولى النظر إلى الشخصية على أنها عملية تصوير ينبغي أن تنطلق من رؤية قصدية ذات صبغة فنية. والوجهة الثانية التقليل من شأنها، باعتبارها لا تمثل المقام الأول في العمل الأدبي، فأرسطو يضع الشخصية في المرتبة الثانية، مقدما عليها الحدث، كما يجعل منها ذات ارتباط بالفعل أو الحدث الدرامي، وهكذا فإن النظر للشخصية يتم من خلال أفعالها، وعلى ضوئه تكون معرفتها.
ولعل أرسطو من خلال هذا الرأي، يدفع بالشخصية إلى أن تكون تابعة للحدث، أو ظلا له، ما يجعله يتفق مع بعض المدارس الحديثة وبالتحديد الألسنية، ومع كل ذلك تبقى الشخصية تشكل عنصرا ثابتا في العمل السردي، لكونها نموذجاً لمعاينة العالم.
هذا التوصيف لم يكتمل، إذ سرعان ما اعترى الشخصية في الأعمال الروائية، كثير من الرؤى والتحولات، فهي في الأسطورة تختلف عنها في الرواية، ففي الأولى أي الأسطورة، تمتاز بالثبات من حيث إنها ذات مآثر نبيلة، ولكنها في الرواية عرضة دائما للتحول والتبدل، كما يرى ميشال زيرافا، وهذا يقارب الرأي الذي يقيم فرقا بين بطل الرواية وبطل الملحمة، فبطل الملحمة في حالة اكتمال؛ لأن العالم من حوله أيضاً في حالة اكتمال، ما يسمح له بالقدرة على إبراز بطولته، كما تذكر نبيلة إبراهيم في إحدى دراساتها، وهنا نقع على إشكالية تموضع الشخصية بوصفها تجسيداً لنموذج متكامل.
لقد أضحت الشخصية في أعمال القرن الثامن عشر والتاسع عشر تشكل الثقل الأكبر في مجمل العمل الروائي، فالكاتب صار يعطي شخصيته كل شيء، فهي لم تعد فاعلا بسيطا لفعل ما، إنما يجب أن تتمتع بامتيازات الاسم والمهنة والوظيفة والأملاك، وأن تكون وجها يعكس طابعا نفسيا واجتماعيا، كل ذلك بغية خلق نمط إنساني، كما يذكر آلان روب غرييه – أحد أهم كتاب الرواية الجديدة في فرنسا- ولعل هذا النمط من الشخصية المتميز من حيث البناء، أوجد عملية التداخل بين مفهوم الشخصية والبطل، حيث مازالت نماذج الثاني تطغى على إمكانية تشييد شخصية ذات نزعات أقل من حيث امتلاكها لقدرات كبيرة للتأويل والتفسير، وأن تكون مركز العالم.
لا شك أن مفهوم الشخصية ارتبط بمفهوم البطل في الرواية التقليدية قديما وحديثا، فهو حاضر عند الحديث عن الشخصيات، كما ينظر له على أنه أحد أكثر تصنيفاتها أهمية، وإذا كان غرييه قد سلم بسقوط الرواية التقليدية، التي تخلى عنها سندها الكبير البطل، فإن ذلك لا ينفي ما كان له من أهمية وحضور، بدءا من الملحمة التاريخية وانتهاء بالرواية التقليدية، وقد اتخذ هذا الحضور تصنيفات كثيرة، منها ما عرف بالبطل المضاد، أي البطل المتصف بأخلاق البرجوازية، كالطمع والمكر، والمقيد ضمن طبقته الاجتماعية، مقابل البطل الأرستقراطي والرؤية الرومانسية المصاحبة، من خلال قدرته على التغيير، كما تذكر بعض الدراسات.
وتتحدد قيمة البطل بناء على ما يشتمل شخصيته من القيم الإيجابية والسلبية، والخير والشر، ويكاد يكون دوما ضمن مواجهة حتمية تلتزم طرفا مقابلا، كأن يكون فردا أو مجتمعا، كما هو حال البطل الإشكالي الذي عرفه لوكاتش، وقصد به الباحث عن قيم نبيلة، ضمن عالم منحط، ما يعني وجود إشكالية وقطيعة بينه وبين العالم المحيط به حسب توصيف لوسيان غولدمان، وخير من تمثل هذا النمط روايتا «دون كيشوت» لسرفانتس، و»مدام بوفاري» لفلوبير.
ومن الإشكاليات التي صاحبت مفهوم البطل، وبوجه خاص تلك طغت على تعميق حضور الشخصية في الرواية، ما نشأ من اعتبار» البطل» مرادفا للشخصية الرئيسة، إذا إن الشخصية الرئيسة تكتسب أهميتها من دورها داخل العمل، بينما يكتسب البطل أهميته من خلال الخصال التي تميزه، كما يذكر لطيف زيتوني في معجمه السردي. فالبطل شخصية استثنائية بما تحمله من مميزات، تجعلها متفردة بين باقي الشخصيات، بينما الشخصية الرئيسة تنبع أهميتها من وظيفتها ضمن العمل الروائي، ودورها فيه بما يحدد قيمتها من حيث كونها شخصية رئيسة أو هامشية.
لا شك أن مفهوم البطل بدا فعلاً فاقدا لشرعيته، في عالم لم يعد تقوده نماذج جاهزة، فالعالم بوصفه مرجعية تحيل إليه الرواية، قد غدا أمشاجا من تمثيلات لا مكتملة أو مبتورة، فانطلاق هذا الكم الهائل من الانسياب المعلوماتي، وفقدان قيم اليقين يعني أن الرواية العربية ما زالت تكمن في اليقين لا الشك، كما عكستها الرواية الجديدة التي استطاعت أن تمثل فرنسا في فترة تاريخية، ولا سيما بعد انقضاء ويلات الحرب العالمية الثانية، في حين أن الرواية العربية إلى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ما زالت تحفل بطمأنينة ما، إذ لا يمكن تكهن مصدرها، على الرغم من واقعنا الذي يبدو أكثر من سريالي، بل إنه يبدو فاقدا لكل الإمكانيات التي تجعله نظاما، بل هو أقرب إلى منظومة من التداعي، إن كان على صعيد الجغرافية التي باتت قطاعات تمزقها الحروب، أو حتى الإنسان، وأعني العربي بوجه خاص، الذي بات يمتلك قدرا من الرغبة في التخلي عن تكويناته، من أجل اللحاق بأوطان يهاجر إليها ليجد شيئا من الكرامة والأمن، أو أن يقوض العالم عبر اللحاق بمتتاليات الإرهاب، أو أن يقف شاهدا على حريق روما، في حين أن الرواية العربية ما زالت على قناعة بأن العالم ما زال كما كان، وأن المتخيل السردي ما زال حافلاً باستدعاء نماذج الماضي، أو تكوين الواقع المطمئن عبر شخصيات لا تتصل بإيقاع هذا الزمن.
وفي الختام، لا شك أن العقل السردي العربي لم يتمكن بعد من الخروج من أفق اللغة، والتاريخ، والحدث والمكان والزمان… فهو ما زال رهين تكوينه الماضوي، في حين أن العالم بدأ يتخفف من البعد الواحد، بل بدأ يتجاوز البعد الثالث، كما يتضح من صناعة السينما الجديدة، التي تجاوزت حدود العالم المألوف، ومضت إلى عوالم جديدة متخيلة، أو مجاورة، بل إن الشخصيات فقدت حضورها لتتقدمها نماذج جديدة لا يشكل الإنسان سوى جزء يسير منها.
 
٭ كاتب فلسطيني أردني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات