عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2018

المهدي المنجرة ونهاية الفكر المستقبلي المغربي

 القدس العربي-ميلود العضراوي

مثّل المهدي المنجرة نبوغا استثنائيا في الثقافة العربية والفكر العربي والعالمي وأسس اختلافا فكريا عميقا كان من نتائجه بث الوعي السياسي النقدي الذي خلق فهما جديدا لثقافة الاستشراف وسوسيولوجيا المستقبل. هيأ فكر المنجرة مسارات ثقافية مختلفة خاضت طيلة نصف قرن من الزمن، معركة تاريخية لتغيير المفاهيم ونشر ثقافة المواطنة والمدنية في مختلف شرائح المجتمع وطوائفه وإثنياته وأعراقه.
خاض المنجرة في العالم العربي معركة عقلية عميقة الغور، انتهت بتأسيس أهم منعطف للفكر الإنساني الكوني، الذي بث الوعي الحضاري والتنوير، وأسس لثقافة استشراف المستقبل ومقارنة الحضارات الكونية ببعضها، وبقي يبحث طيلة حياته عن سبل ثقافية ميسرة لتحقيق اندماج أكثر فعالية بين المجتمعات البشرية في كل مكان. فكر المهدي المنجرة ومدرسته يعتبران منعطفا من أهم منعطفات الوعي العالمي، الذي أسس لمسارات ثقافية إنسانية رفدت الفكر العالمي بمضامين معرفية شتى، صارت نموذجا لثقافة المجتمع البشري الكوني وتنويعا منسجما للحضارة الإنسانية الضائعة.
من عبقرية المفكر المغربي المهدي المنجرة ، تنبؤه سنة 2006 بانتفاضة اجتماعية عربية تعم في غضون سنوات،الوطن العربي من المشرق إلى المغرب. «انتفاضة شعبية تنعش الفكر الثوري العربي وتحيي حلم الحرية الموؤود وتعيد وهج ستينيات القرن الماضي». المرجع يمكن العثور عليه في كتاباته وفي بعض حواراته، خصوصا كتابه الجريء «زمن الذلقراطية» وكتابه المتميز «الحرب الحضارية الأولى» التي تصب في اتجاه التنويري الكوني الذي يحاول تحرير الإنسان من عبودية القرن الواحد والعشرين، وهيمنة نظم الاقتصاد العالمي الجشعة التي سيطرت على المجتمعات، بفضل منظومة إنتاج متطورة تنشر ثقافة الاستهلاك من منظور سوسيو اقتصادي طبقي.
الملاحظون والنقاد الذين تمعنوا هذه الاستشرافات العلمية في كتب المهدي، كانت لهم آراء في الموضوع، وقدموا تحذيرا لبعض الدول العربية منها دول المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب، وطالبوا باتخاذ بعض المقدمات الاحترازية للحيلولة دون استفحال الأوضاع الاجتماعية للأسوأ، واتخاذ كافة الإجراءات لمعالجة الوضعية الاجتماعية، خصوصا شرائح المجتمع الأكثر تضررا، وعدم الاعتماد على المقاربة الأمنية كحل للإشكالية الاجتماعية، فإن تعزيز القدرات الأمنية لمكافحة الشغب والاحتجاجات لن يفيد الاستقرار في شيء. 
السؤال المطروح هو كيف استفاد المغرب من هذا التحذير في حينه، علما أن المفكر العالمي المهدي المنجرة، لم تكن علاقته بالسلطة السياسية في البلاد العربية وفي بلاده بالخصوص على ما يرام. لقد شكّل المفكر حلقة فكرية مترابطة بين المجتمع الثقافي في المغرب العربي والعالم، فكان صلة وصل بين ما ينتج الفكر المستقبلي العالمي من معلومات ونظريات وأفكار، والمجتمع الثقافي والعلمي في العالم العربي. أكيد أن ما عاناه المفكر من مضايقات وتهميش من قبل الأجهزة الحكومية، خصوصا العلمية والثقافية والسياسية في البلاد، تسبب في خسارة كبيرة للثروة الفكرية والعلمية التي تدعوها أدبيات الدولة الآن بالثروة اللامادية. المعرفة الاقتصادية التي تحشر نفسها في الأثر الثقافي والعلمي بطريقة ما، تحدد حجم هذه الخسارة أولا، في النشوز عن المعرفة التنويرية ذات البعد المستقبلي والتبلد بسبب الأيديولوجية والخانات والمواقع السياسية، ما أنتج عدم القدرة على مسايرة مستوى هذه المعرفة، لكن عودة إلى استثمار النظرية الاستشرافية المجالية التي قدمها المهدي المنجرة حول مصير المجتمع العربي قبل «انتفاضة الرغيف العربي» في تونس سنة 2011، وكان المنجرة قد أوجس مخاوفه قبل ذلك بحوالي عقد ونصف العقد من الزمن أي قبل طبعه كتاب «الحرب الحضارية الأولى» سنة 1993 وكتابه «الانتفاضة في زمن الذلقراطية» بحوالي خمس سنوات. أكيد أن للمغرب عينا لاقطة لمثل هذه الأفكار فما بين 1999 و2006 انطلق ما تمت تسميته بـ«المشروع المجتمعي الوطني» الذي كان بإرادة ملكية وجهود متضافرة من جميع القوى المساهمة في البناء المجتمعي، على الرغم من إشكالات عدة متفاوتة الحجم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، دخل المغرب مع مرحلة الخصخصة معركة التنمية، وقدم جهودا مشكورة في مجالي الإسكان وفك العزلة عن العالم القروي ودشن مشاريع اجتماعية وصحية ومنشآت رياضية وتعليمية كبرى وعرفت الخدمة الصحية والإدارية بعض التحسن، وتم تنفيذ مبادرة المصالحة الوطنية التي طوت صفحة الانتهاكات الجسيمة، وخرجت مبادرة التنمية البشرية مواكبة للخيارات الإصلاحية الأخرى، وكانت مرحلة الانتقال السياسي مفيدة بكل ما في الكلمة من معنى، تركت ارتياحا كبيرا في داخل البلاد وخارجها. بعد حلول الأزمة الاقتصادية ودخول المغرب في مرحلة الانكماش الاقتصادي بين 2006 و2010 وبروز ملفات الاعتداء على المال العام والفساد الانتخابي، وتغول الإدارة بسبب الرشوة والفساد، بدأت حركية المجتمع المدني تنفث وعيا سياسيا يطالب بالعدالة الانتقالية والمحاسبة والتعديل الدستورية والملكية البرلمانية التي شكلت الورقة السياسية لمؤتمر الاتحاد الاشتراكي الثامن وكثير من الإصلاحات.
كان للتراكم الإصلاحي في بناء المشروع المجتمعي المغربي دور كبير في تحريك دينامية المطالبة بالتغيير في انتفاضة الربيع العربي. يعود الفضل في ذلك إلى الفكر ووعي الثقافة ووعي الجماهير. النموذج المغربي التنموي كان حاضرا بكل الخيبات التي حصدها طيلة 30 سن، وعلى الرغم من هشاشته وضعف إمكانياته المادية وقصور نظرته المستقبلية للمشاريع ومحدودية القدرات المالية لتنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى، فقد شكل ذلك كله مادة التغيير وحاجزا واقيا في انتفاضة الربيع العربي، لأن النظرة الاستباقية للتهيئة وبرمجة الإصلاح في كافة المجالات، وإن توقفت لأسباب يطول شرحها، في منتصف الطريق وضعت حدا لكل جنوح نحو العنف والانفلات والتنكر للمؤسسات والقوانين التي بنيت على مدى عشر سنوات من قبل، بل كانت المؤسسة جدارا حاميا لاندلاع ثورة مشابهة لثورة الربيع العربي في بلدان عربية أخرى أقربها إلينا تونس. السؤال هل استفاد الفكر السياسي المغربي من أطروحة المنجرة المستقبلية واستبق الحدث؟ الجواب.. نعم. 
مشروع المنجرة الإصلاحي بكل بساطة، كان فكرة مطابقة للمشروع التنموي الذي يجب تطبيقه بالكامل للخروج من متاهة التخلف، فكرة تسبق الحدث وخطة تشق الطريق السهل نحو الهدف المنشود، بدون تعب أو التواء أو مجازفة. 
كان المنجرة سلميا في نقده السياسي وموجها ومربيا ومعلما كبيرا، ولم يكن يفرض فكرة بالحتمية أو الضرورة، إنما كان يشبه نبيا يعالج أخطاء قومه بالتي هي أحسن. لم يكن المنجرة سوى ناصح وموجه ولم يكن سياسيا أو زعيما يناضل لإنشاء حزب سياسي أو تجمع وطني للرفض والمجابهة. لم يكن يحبذ أبدا فكرة التحطيم من أجل البناء، بل فكر المنجرة الإصلاحي السياسي يستند دائما إلى المحافظة على المواد الأولية المتوفرة، ويطلب تحسين الوضعية بالترميم والإصلاح. إنما هابته القوى المعادية للفكر والعقل في البلاد، بسبب صراحته الفائضة عن اللزوم. واستغل ذلك أعداؤه من أصحاب الأفكار السطحية البسيطة وأمعنوا في أذيته بضرب حصار جعله يلملم خيبته في هذا الوطن الذي رفع رايته عاليا في كل المنابر العلمية العالمية الكبرى، وينكمش على نفسه بدون أن يخطر بباله مغادرته أو استبداله بغيره من الأوطان، التي كانت تحلم في أن يصير رجل فكر مثل المنجرة أحد أفرادها المأثورين. كل البلدان التي زارها أو حاضر فيها المهدي المنجرة تدين له بالجميل. لقد احتفت اليابان بفكر وثقافة وعلوم المهدي المنجرة، بمستوى تعدى حدود الوصف، ولكن الجحود الذي قوبل به في المغرب سبب له جرحا غائرا أخفاه في داخله، ولم يبده بل بقي شامخا متعاليا عن الجميع، حتى لقي ربه راضيا مرضيا. 
لربما تصح هنا النظرية القائلة، «إذا تجاوز حجم الذكاء حجم الاستيعاب المسموح به، صار ذلك خطرا على الجميع». ولعل كلمة «جميع» تعني ميكافيليا «الجماعة» ذات النفع البراغماتي اللامحدود». تلك التي تقنن مقاييس المعرفة وحدودها وتضع شروط الاستفادة منها وكيفية الاستفادة، ولعل السياسة التعليمية الحالية التي شجبها المهدي المنجرة وأدانها مرارا قبل سنوات، وتوقع لها هذا النزول المريع، تشهد على كيفية ترويض العقل وإدخاله قوقعة الفكر والعلم الذي بات محصورا في تقنية التكيف مع الوضع لضمان أكل العيش خارج الرغبة في توسيع المدارك والفهم. وهي في نظري نتاج فكر مريض ودوني، لأن «الأمة التي لا تستفيد من عباقرتها، أمة تعيسة» كما يقول بريخت.
مجمل القول إن المنجرة بقي وفيا لـ«فكرة الكل» التي تحتم التلاحم والتضامن والتلاقح في الأفكار والمبادئ والأهداف وتحافظ على نظرية المهدي المنجرة الاستشرافية حول «الانتفاضة في زمن الذلقراطية»، لم تخرج عن السياق التاريخي والزمني الذي افترضته رؤية أخرى موازية وحصيفة للسوسيولوجي إمانويل تود، لقد توقع هذا الأخير بفارق زمني بسيط تاريخ قيام انتفاضة شعبية في المجتمع العربي. وهو تحدث عن حركية تاريخية منتدبة تستجيب لظرفيات ومتغيرات مرحلية محتومة، وقدر «أن العالم العربي لن يبقى حتى نهاية القرن الواحد والعشرين، صامتا يستمع لطاحونة العولمة وهي تدق مجتمعات العالم الثالث في مرجلها الاقتصادي، بعض المجتمعات، يقول تقرير «تود» سنة 2006، لن تقبل بالعيش «تحت نير الاستبداد السياسي واللاقانون»، فالمقدر حتما أن تخلق المجتمعات دينامية تاريخية مفروضة لتخرج من النفق المسدود وبأي ثمن». تحدث المهدي المنجرة مرارا عن تنبوءات أخرى في قضايا شتى ولم تخب نظرته الفاحصة للواقع وقراءته الصائبة لمجريات الأحداث ومؤثراتها في المستقبل القريب أو البعيد.
 
٭ أكاديمي مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات