عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Dec-2018

العالم وترامب وتغيّر المناخ*محمد بدرالدين زايد

 الحياة-في تصرّف لا يليق إلا بترامب، أعلن الرئيس الأميركي أنه لا يصدق التقرير الذي أعدته لجنة حكومية من إدارات متعددة بمشاركة 300 من علماء الحكومة الأميركية، ويتحدث التقرير عن ارتفاع المخاطر في الولايات المتحدة والعالم إذا لم تتم العودة إلى ترتيبات اتفاق باريس. ووفقاً لما نشرت صحيفة الواشنطن بوست في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي فإن ترامب والمتحدثة الصحافية باسم البيت الأبيض سارة ساندرز ذكرا أن سجل الولايات المتحدة في الهواء والمياه النقية هو ما يهم بهذا الصدد، وهو ما شكك فيه كاتب المقال فيليب بامب، وفتح الباب لساسة كال غور وآخرين لانتقاده بشدة، ولكن لا يبدو أن هذا مؤثر حتى الآن، فالرجل يواصل تكرار آرائه بأن بلاده يجب ألا تتحمل وحدها خفض الانبعاثات الحرارية، وأن هذا يجب أن يشمل الصين واليابان وكل آسيا والدول الأخرى. وبالطبع لم يكن هذا مستغرباً مع آراء معروفة ومكررة لترامب تشكك فيها في نظرية التغير المناخي، وفي مسألة وجود علاقة بين النشاط الإنساني وإرتفاع درجات الحرارة في الأرض، وسبق له أن نفذ تهديداته بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ والتي كان قد وصفها بأنها قاتلة للوظائف والدخول.

 
 
المعروف أن ترامب ليس الوحيد في العالم ولا في بلاده الذي يتشكك في نظرية التغير المناخي، وليس الوحيد الذي ينظر للنشطين والعلماء بأن لهم أجندة سياسية في هذا الصدد، فهناك أصحاب رؤية أخرى وهي الدورات المناخية ولدى هؤلاء آراء بأن تاريخ الكرة الأرضية عرف من قبل دورات من التغير المناخي، وأن ارتفاع درجة الحرارة الراهن سيتم تجاوزه بعد فترة زمنية معينة طالت أو قصرت، على أن هذا التصور يتراجع بدرجة كبيرة اليوم في الأوساط العلمية لصالح اتجاه التغير المناخي، وكان حسم الفريق الحكومي الدولي المعنى بتغيير المناخ من قبل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لهذا الأمر في التقييم الخامس وذلك عام 2013 والذي وصل إلى نتيجة حاسمة وقاطعة وهي أن تغير المناخ هو حقيقة مؤكدة وأن الأنشطة البشرية هي السبب الرئيسي في ذلك، ما أسفر عن حسم كثير من الدول لترددها لاعتماد ترتيبات عالمية تخفض من الانبعاثات الحرارية ومحاولة إنقاذ كوكب الأرض من هذه الكارثة الكبرى، وكان ذروة هذا التحول في انضمام الولايات المتحدة ذاتها لاتفاق باريس في نهايات عهد أوباما، ما عارضه ترامب وكان جزءاً من حملته الانتخابية، حيث كرر طرح أرائه سابقة الذكر ونفذ ما أعلنه من الانسحاب من هذه الاتفاقية الدولية المهمة، محدثاً بهذا الكثير من الإشكالات.
 
أحد أبرز هذه الإشكالات أن ترامب يواصل بمبالغة غير مسبوقة الإطاحة بدور مؤسسات الدولة الأميركية، وليس هذا مستغرباً بعد مواقفه وسجالاته مع الخارجية والمخابرات المركزية الأميركية، وكان آخر مظاهر الخلاف العلني مع الأخيرة حول مواضيع عدة، التي تتعمد إحراجه كما الحالة بالنسبة للتقارب مع روسيا كلما سنحت لها الفرصة رداً على تجاهله لها، وفي الحالة الراهنة، من الواضح أنه يتعامل بعدم اكتراث كبير مع تقرير مشترك لمؤسسات حكومية، من المؤكد أنها استعانت بأكبر العلماء والمؤسسات البحثية الأميركية من أجل حسم هذا النقاش، الذي أيضاً من المؤكد أنه ليس الأول من نوعه في الولايات المتحدة فالمؤكد أن إدارة أوباما ما كانت لتنضم للإتفاقية إلا بعد دراسة موسعة شملت المؤسسات العلمية والحكومية واستطلاع لآراء رجال الأعمال، وبالمناسبة وفقاً لما هو معروف فإن نسبة مهمة من الشركات الأميركية الكبرى أعلنت في السابق تحفظها ضد قرار ترامب الانسحاب من اتفاق باريس، في خطوة تعكس الإدراك بعمق التحديات والأخطار من موقف للرئيس رجل الأعمال في مجال العقارات وليس الصناعة، وبمعنى آخر ليس هذا الرأي محل اجماع كامل في نطاق الأعمال الأميركي.
 
ولكن بطبيعة الحال فإن جزءاً مهماً من هؤلاء، أي رجال الأعمال الأكثر وعياً، ربما يواصلون تأييده للحفاظ على سياساته الأخرى خاصة الضريبية، ولكن يظل التحدي الكبير فيما ستحدثه هذه الممارسات الجديدة في الولايات المتحدة على تماسك وقوة مؤسساتها التي كانت تفخر بقدرتها على التوجيه الحقيقي للسياسات الأميركية بصرف النظر عن سياسات وشخوص سادة البيت الأبيض.
 
على أن الأخطر هو أن إشكالية قضية التغير المناخي هي أنها ليست كقضايا أخرى سيتم فيها التعويض لاحقاً بتغير السياسات أو الإدارات الحاكمة، فصحيح أن ترامب كأي رئيس أميركي سيذهب يوماً ما وربما يخلفه من يدرك عمق وخطورة هذه المسألة ويعدل من هذه السياسات ولكن إشكالية التغير المناخي أن كل عام يمر بالمعدلات الحالية للانبعاث الحراري، ومع عدم التزام أكبر اقتصاد في العالم بمعايير تقليل هذه الانبعاثات فإن الكارثة تتعمق، والإصلاح يصعب، وربما يصبح من غير الممكن منع الضرر ومحاولة إصلاح الأمور بعد ذلك، فوفقاً لأحدث تقارير الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي يجب خفض الانبعاثات العالمية الصافية بنحو 45 في المئة عن مستويات عام 2010، وهي النسبة نفسها التي تبناها التقرير الأميركي الذي رفضه ترامب، بحيث يتم الوصول إلى هذه النسبة مع عام 2030 وذلك على أمل يبدو بعيداً الآن وهو الوصول إلى صفر عام 2050، بهدف الحد من الاحترار الحراري بقدر واحد ونصف درجة مئوية. والحقيقة أنه بشكل أو آخر يجد المرء نفسه في هذه القضية مليئاً بالمخاوف، حيث تبدو غالبية سكان العالم من حكومات وشعوب غير مكترثة بشكل كافٍ بهذه القضية الخطيرة، وذلك رغم أن بعض الدول الأوروبية ومعها بعض دول الجنوب تتخذ موقفاً متعقلاً فإن غالبية سكان هذه الكرة الأرضية يسيرون بحماقة شديدة نحو الهاوية من عدم السيطرة على الانبعاثات الحرارية، ومن ظاهرة الانفجار السكاني والازدحام الشديد الذي أصبح يغير من طبيعة العالم والطبيعة، ويضيف الموقف الأميركي بكل وزنها الاقتصادي والسياسي ومسؤوليتها في هذا الصدد الكثير من المخاطر التي قد لا يمكن إصلاحها.
 
* كاتب مصري.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات