عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Dec-2017

اليمين، واليسار، وماكرون

 الغد-زكي العايدي

باريس - في السابق، كان يُنظر إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أنه أفضل مثال للتيار السياسي الوسطي. ويتم الانقسام، بين اليمين واليسار بأنه عميق في فرنسا. فاليمين يركز تقليدياً على الحرية -إزالة الحواجز التي تعيق قدرة الأفراد على العمل والإبداع، بينما يركز اليسار على المساواة وإيجاد سياسات من أجل إيجاد فرص متساوية للجميع، وذلك من خلال إعادة التوزيع. وما يزال هذا الانقسام حاداً على وجه الخصوص في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مع أنه يمتد كذلك إلى مجالات أخرى مثل السياسة التعليمية (على سبيل المثال التعليم الممتد في مقابل التخصص المبكر).
لكن الحقيقة هي أن طبيعة الدولة الفرنسية ذات التوجه القائم على إعادة التوزيع قد جسرت الهوة بين الجانبين بشكل كبير في العقود الأخيرة، بينما زادت في الوقت نفسه الاختلافات ضمن المعسكرين إلى درجة أنه أصبح من الصعوبة بمكان التمييز بوضوح بين رؤيتين متعارضتين.
على سبيل المثال، عادة ما تدين الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة "الإعانات"، وهو توجه يميني معروف. ولكنها تتبنى إعادة التوزيع الذي تقوده الدولة. ولم يتم تخفيف هذا المطلب اليساري من خلال سياسات الهوية المتعلقة بالجبهة، وخاصة معارضتها الشديدة للهجرة. وبعبارة أخرى، فإن إعادة التوزيع هي فقط "لنا" نحن -أي الفرنسيين "الحقيقيين".
أما اليسار، فقد أصابه الانقسام والتشرذم؛ حيث ما يزال هناك فرق واضح بين "اليسار الحاكم" ونظيره الراديكالي. ويؤثر هذا الانقسام كذلك على الحزب الاشتراكي الذي كان مهيمناً في السابق.
هناك انقسامات عميقة في اليسار فيما يتعلق بجميع القضايا -أوروبا والعلمانية والتعليم وقطاع الأعمال وغيرها- مما يعني أن من الصعوبة بمكان تحديد ما هي السياسات اليسارية على وجه التحديد هذه الأيام. وفي واقع الأمر، بدأ الاشتراكيون بالتعريف عن أنفسهم ليس من خلال من يكونون بالفعل، بل من خلال ما هو ليس فيهم؛ حيث بدأوا بتبني شعار "لسنا ماكرون أو ميلانشون" (الإشارة الى جان لوك ميلانشون من أقصى اليسار).
لكن هذا الاختلاف قد لا يكون قوياً كما يعتقد الحزب الاشتراكي. ففي نهاية المطاف، كان ناخبوهم من يسار الوسط هم الذين انتخبوا ماكرون، وكانوا يعلمون ما الذي يصوتون له. وكانت كل سياسة قام بتطبيقها لغاية الآن مذكورة في حملته الانتخابية، مما يعني أن يسار الوسط الفرنسي بشكل عام يقبل هذه المقاربة الحالية.
في واقع الأمر، تبدو السياسات الاقتصادية لماكرون المبنية على الحوافز أقرب إلى اليمين مقارنة بأي شيء عرفته فرنسا لفترة طويلة من الزمن. وعليه قام يمين الوسط حتى الآن بدعم كل تلك السياسات (تبني ماكرون لمعظم البرنامج الاقتصادي ليمين الوسط ضاعف من التحديات التي يواجهها هذا التوجه، وهو ما لم يترك له أي خيار سوى تبني سياسات الهوية حتى يتميز عن الآخرين).
وفي الوقت نفسه، تهدف سياسات ماكرون الاجتماعية إلى إنتاج نفس مستوى إعادة التوزيع الذي كان عليه الوضع سابقاً تقريباً. وفي حين أن مقاربته تعد بمثابة تحدٍ للقالب اليساري، فإنها تضم سياسات تعد بالأساس سياسات يسار الوسط.
بطبيعة الحال، سوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تترجم تأثيرات تلك السياسات على أرض الواقع، ولكن الخسارة لن تقع على الفقراء في نهاية المطاف، وإما على العائلات الغنية نسبياً، والتي لم تكن تخضع في السابق لضريبة الثروة.
من الصعب الدفاع عن فكرة أن إزالة ضريبة الثروة يمكن أن تفيد الاقتصاد بأكمله، ويبقى توقع أن الفوائد ستنساب تدريجياً إلى الطبقات الوسطى ومحدودة الدخل مشكوكاً إلى حد كبير. ولكن في بلد كانت الرأسمالية فيه تاريخياً ضعيفة للغاية، فإن هناك بعض التبرير لمنطق الحوافز الذي يستند إليه هذا التحرك. ففي الاقتصاد المبني على أساس الابتكار والذي يتم تمويله من خلال رأس المال وليس الدين، أصبحت ضريبة الثروة من المعوقات التاريخية وبشكل يحبط الصناعة والمبادرة في فرنسا.
جاء النموذج الفرنسي الذي يركز على معالجة انعدام المساواة الاجتماعية الزائد على الحد من خلال التحويلات في وقت كان عدد الخاسرين فيه قليل نسبياً. ولكن بينما تزداد نسبة الخاسرين مع نشوء اقتصاد المرحلة ما بعد الصناعية، فقد وصل هذا النموذج إلى أقصى مداه بحيث تقوض الزيادة في كمية إعادة التوزيع فعالية الاقتصاد.
إن ما يحاول ماكرون عمله هو تحديث نظام التشغيل الاقتصادي الفرنسي بالتحول من النهج التعويضي السائد في الماضي إلى نموذج تحضيري يمكن أن يتعامل بشكل أفضل مع التحديات التي تشكلها التقنية الرقمية والعولمة والابتكار السريع. ويهدف هذا النهج  إلى منع انعدام المساواة عوضاً عن تجاهلها. وسيتم التخلي عن منطق إعادة التوزيع التقليدي لصالح نهج قائم على المرحلة التي تسبق إعادة التوزيع.
يعني هذا عملياً أنها لن تتم معالجة البطالة من خلال زيادة عدد الموظفين بالقطاع العام، وإنما بتقوية التدريب من خلال برامج تعكس الاحتياجات الحقيقية لقطاع الأعمال. وهذا يعني أن لا يتم التقليل من انعدام المساواة التعليمي عن طريق زيادة الموارد ببساطة، وإنما من خلال مقاربة تعتمد على التنسيق بين التخصصات وتحقق التوازن بين التدخل المبكر لدعم الناس الأكثر ضعفاً مع المزيد من الإدارة المؤسساتية الذاتية. ويعني هذا أيضاً أن جودة نظام الرعاية الصحية لن تتحسن من خلال إنفاق المزيد من الأموال عليها، وإنما من خلال المزيد من التركيز على الطب الوقائي.
خلق قيام ماكرون بعمل مزيج بين اليسار واليمين ما يشبه المعضلة الوجودية للأحزاب السياسية التقليدية الفرنسية، التي تصارع الآن من أجل البقاء. وقد يأتي الحساب في الانتخابات الأوروبية البرلمانية سنة 2019.
ولكن، ليس ذلك هو المقصود. ففي وقت يزيد فيه انعدام المساواة، فإن التحدي الرئيسي الذي تواجهه فرنسا هو نقل تركيزها من إصلاح الأضرار إلى منع حدوثها. ويجب تقييم سياسات ماكرون على أساس ذلك الهدف وليس على أساس التصنيفات الإيدولوجية التي فقدت أهميتها.
 
*أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، كان مستشاراً لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالز. أحدث كتاب له هو "تقلص أوروبا".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات