عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Dec-2017

كازاخستان.. دولة فتية في عالم بلا يقين

 الغد-نرجس كاسينوفا

ألما آتا- استضافت كازاخستان، في منتصف شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، الاجتماع السنوي الثالث لنادي الأستانة، وهو منبر مستقل وغير منحاز للحوار بين قادة قطاع الأعمال والسياسيين وممثلي وسائل الإعلام وغيرهم من الخبراء، والذي يبحث القضايا الحيوية التي تؤثر على بلدان أوراسيا. وقد جسدت هذه المناسبة السياسة الخارجية التي انتهجتها كازخستان خلال العقدين الماضيين، في وقت تواجه فيه هذه السياسة مجموعة من الاختبارات والتجارب غير المسبوقة.
كان المشاركون في نادي الاستانة لهذا العام على مستوى رفيع. وبالإضافة إلى تنوعهم، كان من بين المشاركين ممثلون عن كبريات مراكز الأبحاث من أوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأميركية والشرق الأوسط. كما كان منهم رؤساء سابقون، مثل عبد الله غول من تركيا، ودانيلو تورك من سلوفانيا، والمفوضة الأوروبية السابقة بينيتا فيرارو-والدنر، وعضو البرلمان الهندي شاشي ثارور، والرئيس التنفيذي للقناة الروسية الأولى، كونستانتين إيرنست.
عقدت المناقشات في مركز نزارباييف الواقع في مبنى ذي تصميم مهيب ومستقبلي، علماً بأن المصمم البريطاني المعروف، نورمان فوستر، هو الذي قام بتصميم المبنى. وفي مشهد يذكرنا بمجلس المجرات في فيلم حرب النجوم، جلس المشاركون حول طاولة كبيرة تحيط بخارطة منطقة أوراسيا لمناقشة النظام العالمي الناشئ والخصومة بين القوى العظمى، وحروب العقوبات، والانتشار النووي ومشاريع التكامل الإقليمي.
كان هذا المزيج من العلاقات العامة التي تسعى إلى تحقيق الهيبة والمكانة، وتوفير السلع العام، والذي يميز مناقشات نادي الأستانة. كان منذ زمن بعيد من خصائص السياسة الخارجية لكازاخستان. وعلى سبيل المثال، تستضيف كازاخستان مؤتمر قادة العالم والديانات التقليدية. ومن أجل ذلك قامت بتفويض فوستر ببناء مبنى مهيب ومستقبلي آخر، هو قصر السلام والمصالحة.
عملت القيادة الكازاخية دائماً على وضع نفسها في طليعة الحركة الدولية لعدم الانتشار النووي. وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تم إجراء محادثات في عاصمة كازاخستان، أستانة، حول الأزمة السورية بحضور ممثلين عن الحكومة السورية وبعض مجموعات المعارضة المسلحة، على الرغم من بعد كازاخستان الجغرافي عن التطورات المأساوية الجارية في ذلك البلد.
ظهر هذا النهج للسياسة الخارجية بعد وقت قصير من استقلال كازاخستان سنة 1991، عندما أطلقت كازاخستان مؤتمر التواصل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، الذي تمت صياغته على أساس نموذج مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الآن). ويعكس ذلك تقدير كازاخستان للنظام العالمي الليبرالي الذي ولدت من خلاله سنة 1991، وهو نظام تلقى في تلك الفترة دفعة قوية بانهيار الاتحاد السوفياتي.
لم تكن كازاخستان على الإطلاق بلداً يكتفي بأن يتم قبوله كعضو في العالم الليبرالي فحسب، وإنما كان بلداً يريد أن يتصرف بشكل مثالي -ليس فقط من خلال الانضمام الى الأنظمة والمنظمات متعددة الجنسيات، ولكن بالمساهمة فيها أيضاً.
لهذا السبب، سعت كازاخستان إلى تولي رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وقد تحقق ذلك سنة 2010، كما سعت على الرغم من الصعوبات -ونجحت في نهاية المطاف في حملتها- إلى أن تصبح عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي سنة 2017-2018. وتطمح كازاخستان في نهاية المطاف للانضمام إلى الاقتصادات المتقدمة في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
لكن المجتمع الدولي الذي تحاول كازاخستان بكل ما أوتيت من قوة إثارة إعجابه يمر بفترة تغيير أساسية. فقد عملت روسيا -القوة العظمى في جوار كازاخستان- على زعزعة استقرار المنطقة بغزوها أوكرانيا، حيث قامت هناك بضم شبه جزيرة القرم وشنت حرباً في منطقة دونباس الشرقية.
وما يجعل الأمور أكثر سوءاً هو أنه لا يمكن التعويل على الولايات المتحدة الأميركية، تحت حكم الرئيس دونالد ترامب للاستمرار في تقييد الدور الروسي أو دعم النظام العالمي الليبرالي التي انشأته بعد سنة 1945. وبعد أن وصل ترامب إلى السلطة على موجة من الغضب الشعبي، لا يمكن حتى التعويل عليه للتقيد بأحكام ذلك النظام.
يواجه الاتحاد الأوروبي بدوره تحديات سياسية داخلية -بما في ذلك المفاوضات مع المملكة المتحدة حول انسحابها من الاتحاد- وهذه التحديات ناشئة عن زيادة في المشاعر المضادة للسلطة والمشاعر القومية. وقد سعت الصين إلى احتلال هذا الدور القيادي على المستوى العالمي، وحظيت -بما يدعو إلى الدهشة- بقبول قوي من بقية العالم.
تبقى هذه التحولات الكبيرة مزعجة للقوى الكبرى التي تتسبب بها. ولكنها شكلت مصدر إزعاج أكبر للدول الأصغر. وحتى عندما يرحب البعض بأفول الهيمنة الغربية، فإن عدم القدرة على التنبؤ بما سيحصل بعد ذلك يوحي بالخطر بالنسبة لبلد مثل كازاخستان. ويزيد الأمر سوءاً أن القوى الصاعدة تبدو أقل التزاماً بمبادئ ومواثيق حقوق الإنسان، بحيث تكون هناك احتمالات أقل لأن تحاول تطبيقها.
لقد تمكنت كازاخستان من تحقيق الاستقلال في وقت كان يتم فيه تشجيع التعاون الدولي والتجاره الحرة والأمن الجماعي. وعملت طويلاً على دعم تلك المبادئ. وعلى الرغم من أن حكومة كازاخستان، مثل الدول الشابة الجديدة في المنطقة، قد تخلفت عن الركب فيما يتعلق بإحراز تقدم في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد تجنبت -على أقل تقدير- تجاهلهما بشكل كامل.
حتى الآن، تحاول كازاخستان أن تكون ثابتة في مسارها. لكنها قد تحيد عن ذلك المسار إذا استمرت التوجهات السائدة فيها هذه الأيام.
 
*مديرة مركز دراسات آسيا الوسطى في جامعة كيمب في كازاخستان.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات