عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Mar-2017

قليل من الحب يكفي للانتحار*بروين حبيب

القدس العربي-الصورة الأكثر إدهاشا في حياة داليدا هي تلك التي تنثر فيها نفسها على فراش الحب مع حبيبها «لويجي تينكو» وهما يتحدثان عن فلسفة هيدغر، ويناقشان فكرة الموت والحياة وهما في غفلة من مصيرهما الكارثي الذي ينتظرهما في منعرج قريب جدا.
رحلة الموت الاختياري التي مضى فيها لويجي لم تكن لا الأولى ولا الأخيرة في حياة داليدا، فقد أراد القدر أن يختبرها بمن تحب بهذه الفواجع المتشابهة حتى التبس عليها الأمر، أهي لعنة تلاحقها من بلاد الفراعنة، أم أنها الصدفة المحضة؟ فيما كانت الأصوات التي تملي عليها تعاليم الالتزام في كهنوت الشهرة لا تؤمن لا بالصدفة ولا بالعواطف الجياشة، التي كانت تنهمر في داخلها بحثا عن رجل قوي يحتويها ويفهم أنها كائن موهوب زرع في جسد أنثى كاملة .
وجدت الحب مرات، يا لها من محظوظة قال أهل زمانها، ومن تابع فيلمها الأخير، لكنها وجدته دوما في غير مكانه أو زمانه. تمثل لها في رجال تقاطعوا معها فقط في لحظة الشغف الأولى وتفاصيل الولادات المليئة بالإعجاب وغمرة العطش لنزوات الجسد.
ارتمت في أحضان رجال في عمرها، وآخرين أكبر أو أصغر منها بكثير، وللصدمة فلا الكبير اتسم بالحكمة ولا الصغير كان مناسبا لامرأة تجاوزت سن النضج بعمر كامل.
المطربة المشهورة الأكثر غموضا لتمسكها بحلم الحب وتحقيق الأمومة، عرفت دوما ماذا تريد، أما الذين كانوا يحيطون بها فلم يعرفوا أبدا أن رغبات الأنثى لا يمكن أن تغطيها الأضواء والجماهير وبكاء الموسيقى وضحكها، وأن لمسة الفرو الأغلى في العالم لا يمكنها أن تضاهي لمسة رجل عاشق.
أطلقت داليدا صراخات قلبها المتعب من الرّكض عبر أغانيها، وكانت في أغلبها رسائل لحبيب لم يصدق أنها موجهة إليه، ولم تصدق أنه قد يكون موجودا فعلا، فقد كانت الجماهير المبهورة بجمالها ولكنتها اللذيذة وصدقها الذي لم تتخلّ عنه أبدا، تخلو من فارس أحلامها البسيط، الذي بإمكانه أن يمنحها أولادا من صلبه، ودفء عائلة ويتركها تغني حسب مزاجاتها حين تشتاق لإطلاق أسراب البلابل المغرّدة من حنجرتها الذهبية.
كل شيء كان صعبا بالنسبة لها، تلك الكلابرية القادمة من جنوب أوروبا، التي ولدت في «شبرا مصر» بعينين مريضتين، وظلت أربعين يوما مغطاة العينين، لحكمة جهلها كل من حلل محطات حياتها بدءا بأمها إلى أبعد معجب بها على هذه البسيطة، فقد استقبلت الحياة تلك المولودة في الجانب المظلم منها، ثم حين فتحتهما، لم تر الأشياء كما رآها الأطفال في عمرها، عانت من حولٍ أضحك أترابها وجعلها محلّ سخرية بينهم، أكثر مما عانت من غبش الرؤية وازدواج الصور أمامها، كأنها تعيش في عالم من التوائم أو في غرفة من المرايا.
كل شيء أمامها مضاعف، حتّى حين خلعت نظّارات تصحيح النظر وبدت عيناها الجميلتان كفراشتين فاتنتين شقتا شرانقهما. رأت الموت على شكل أشباح مضاعفة، قضت مضجعها حتى أغمضت عينيها آخر مرة، وظلت تلاحقها حتى حين ظنت أنه أخذ من أراد ومضى.
في لحظة ما شعرت أنها تقمّصت روح الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد حين وصفت وضعها ببيت من الشعر اختصر حياتها «كل وجودي آية معتّمة… يتكرر رحيلك فيها»، وهو بيت التصق بذاكرتي وزين جدران قلبي مع أشعار كثيرة لها، وجدتني فيها رغم أنها ابنة زمن غير زمني، وظروف غير ظروفي، وأمكنة غير أمكنتي.
رست روحي على دواوينها ليس كقارئة ولا كمتأثرة بمنسوب الشعر في مؤلفاتها، بل لأنها حصتي الشرعية من ميراث تركته لتوائمها الروحية في الحياة. وهو الشعور نفسه انتابني وأنا أكتشف داليدا من خلال عيني ليزا أوزويلو، المخرجة والكاتبة والمنتجة التي اشتغلت على الفيلم لمدة أربع سنوات ليخرج في أبهى صورة ممكنة مطابقة للواقع. ويكفي أنها من بين قرابة 300 وجه تمحصته وتفحصته واختبرته حتّى رست على وجه عارضة الأزياء سفيفا آلفيتي لتمثل دور داليدا في الفيلم .. كأنّها هي ورب الأكوان قامت من نومتها الأخيرة وواصلت الحياة.
أما بقية الممثلين فقد استنسختهم أوزويلو بفعلة ساحر عن الشخصيات الحقيقية في خلال السنوات الأربع، وتركت لنا متّسعا من الدهشة لنفتح أفواهنا مرات ونبكي مرات أخرى ونصمت صمت الحائر الذي تخونه اللغة حين يصطدم بجدران أقداره ومآسيه الخاصة، وعقد محنه التي لا يفكها عفريت ولا شيطان.
لم يختلف صوت داليدا عن صوت أي امرأة أخرى بحثت عن الحب ولم تجده، وبحثت عن الأمومة ولم تجدها وبحثت عن الصدق فلم تجد إلا قسطا يسيرا منه. البكاء أمام فيلم حياتها جزء من حقنا للاعتراف بخذلان الحياة لنا، أما التصفيق فهو الاعتراف العلني المهذب بجبروتها الذي لم يكسره سوى الحزن الذي نزل عليها كثلوج سيبيرية مجنونة، فردمها دفعة واحدة، بعد محاولات باكرة للانتحار قبل حلول الشتاء الأخير عليها.
داليدا، أو شبيهاتها القابعات في أغنيات بياف، أو أشعار إيميلي دكنسون، أو قصائد الحرب والحياة لفلاديمير مايكوفسكي، على سبيل المثال لا الحصر، أشخاص نلتقي بهم حيث يستحيل الملتقى، وآثار لا مفرّ من التعثر بها لأنها جزء منا، ومنبهات لمن يعيش قرب حياته سالكا طرقات فرعية للطريق التي يفترض أن يسلكها. داليدا نفسها قالت إنها قطعت حياتها دون أن تنظر إليها، وكل ما عرفته هي أنها حياتها وكفى، زوجها هو جمهورها وأولادها هم أغنياتها. إن عوضت الأغنيات ضحكات الأولاد فيمكننا أن نعيش مع جهاز راديو…
وإن عوض الجمهور رائحة الزوج ودفئه فيمكننا أن نتوسّد ورق الجرائد ونحضن هواتفنا الذكية حين نشعر بالبرد، مقولة قديمة سمعتها من أحد الساخرين لكنها ليست بهول مقولة فرانسوا كفانا «الجمهور هو الآخرون» .
ولعلها أكثر تعرية لذلك الوهم الذي عاشته داليدا وآخرون قبل أن تقضي على رقتهم قسوة الواقع وشراسته. فيختارون سفرا معاكسا لدروب الحياة، لإنهاء معاناة لم يتقاسمها الجمهور أبدا مع نجومه ومُثُلِه العليا. تشارلي شابلن قال: «يحب الجمهور أن يعاني بالوكالة» معاناة تشبه الحبر على الورق.
لا أدري أيضا من قال إن الإعجاب ابن الجهل، لكنه لخّص صميم الأشياء التي غابت عن المعجبين دوما، فنحن في النهاية لسنا بحاجة لسيل من البشر لنعيش سعداء، بل بحاجة لشخص واحد فقط وفقط لا غير، يصفه بوب مارلي في حوار قديم قائلا: «أنا على يقين أن هذا يحدث مرة واحدة في حياة كل منا، أن تعثر على شخص يقلب حياتك رأسا على عقب. تفتح قلبك وتخبره بأشياء لم تذكرها لروح أخرى، يلتهم ما تقوله بنهم، بل يرغب في سماع المزيد. تشاركه آمال الغد، الأحلام التي لن تتحقق، الأهداف التي لم تنجز، الإحباطات العديدة التي ألْقتها الحياة في طريقك. وعندما تمنحك الحياة شيئا رائعا، تفقد الصبر ولا تطيق الانتظار فتعدو إليه لتخبره به، لأنك تدرك روعة أن تشاركه هذه اللحظة. لا يشعر بالحرج أن يبكي معك حال تألمت، أو أن يشاركك الضحك عندما تسخر من نفسك. لا يجرح مشاعرك، أو يجعلك تشعر بعدم الجدارة، لكن بالأحرى يجمع شتاتك، يلفت انتباهك لما فيك من تميز وبهاء. لا يمارس عليك أي ضغوط، لا غيرة، أو منافسة، فقط تنعم بالهدوء في وجوده».
بوب مارلي هو الآخر انتحر بشكل ما حين رفض أن يبتر إصبعه المصاب بالسرطان، حتى التهمه المرض من أخمص قدميه إلى نواة مخه، غادر الحياة باكرا وهو في ريعان ربيعه. ولم يترك لجماهيره المتجددة سوى الحكمة التي بنى عليها موسيقاه وأغانيه. يختلف المنتحرون في الحياة الدنيا، فبعضهم يأخذ القرار سريعا، والبعض الآخر يقتل نفسه ببطء على مدى طويل وأعتقد جازمة أن الأغلبية تتمثل في المجموعة الثانية، وفي الجماهير التي بكت داليدا والآخرين.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات