عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2017

الضرب.. آباء يعتقدون أنهم ‘‘يؤدبون‘‘ أبناءهم متجاهلين الإيذاء النفسي !

 

مجد جابر
عمان -الغد-  الصدمة والذهول من الملامح التي احتلت وجه سهام أثناء مرورها بسيارتها من أحد الشوارع، ما دفعها للوقوف ومتابعة المشهد المؤذي الذي رأته عن قرب.
مشاهدة سهام لأم تحشر طفلها البالغ من العمر 9 سنوات تقريبا، في صندوق السيارة وتنهال عليه بالضرب، لم يكن بالشيء السهل على الإطلاق، وهو ما دفع الكثير من الأشخاص للوقوف ومتابعة ما يجري باستغراب وبدون تدخل.
سهام التي كانت من بين هؤلاء الأشخاص، ما أثار استغرابها أكثر، هو ردود أفعال الناس فمنهم من قال “أكيد جننها”، وآخر “خليها تربيه”، “الصغار ما بيجوا إلا بالضرب”، كل ذلك جعلها أيضا تتردد بالتدخل، إلا أنها توجهت بالنهاية إلى تلك السيدة لثنيها عن فعلها، إلا أن رد الأخيرة كان “لو سمحتي ما تتدخلي ابني وبربيه”، وأخذت ابنها ووضعته بالسيارة مع باقي إخوته وانطلقت بسيارتها.
سهام وقفت في حالة ذهول غير مدركة لما حدث، وكيف يمكن لأم أن تفعل ذلك بابنها وفي الشارع العام وأمام المارة، وكيف يمكن لهذه الشخصية أن تكون أما أصلاً، مبينةً أن صاحب محل الفاكهة كان يقف بجانبها وأخبرها أن الطفل قد أزعج أمه بالداخل وقام بتخريب وإيقاع كل شيء ومضايقة الزبائن حتى ملت منه، وتركت كل أشيائها وخرجت من المحل لما سببه من إحراج لها.
العشرينية سلمى لا تتوقف عن العراك مع زوجها على موضوع ضرب أطفالهما، وهو ما يجعل الأمور أحياناً بينهما تصل إلى حد كبير من النزاع والخلاف، وتقول “زوجي يعتبر الضرب نوعا من التأديب وأنه الطريقة التي رباه عليها والداه، ما جعله شخصا يقدر ويحترم غيره”.
إلا أن سلمى تخالفه الرأي تماماً، ما يجعل الأمور بينهما تتأزم في كل مرة يقدم فيها على ضرب أي من أبنائهما، مبينةً أنها لا تستوعب الفكرة تماماً، خصوصاً عندما يقوم بذلك في منزل أي من أصدقائهم وأمام الجميع، كمعاقبة للطفل على سلوك خاطئ اقترفه، ليظهر بالأب الحريص الذي يحسن تربية أبنائه.
وتقول “أنا أعرف حجم الضرر النفسي الذي يسببه للطفل، خصوصاً إذا حدث ذلك أمام الناس، وهو ما يجعلني أثور وأغضب، وما يزعجني أكثر أنه متعلم، لكنه لا يقتنع بأساليب التربية الحديثة ويعتبر أنه لا بد من أن يطبق سلوك أهله وأجداده”.
وهناك الكثير من العائلات التي ما تزال تستخدم أسلوب الضرب مع الأبناء في التربية، وهو الأمر الذي نشاهده أحيانا كثيرة في الشوارع والأماكن العامة على اعتبار أنه “سلوك تأديبي للأبناء، إلا أن ذلك كله خطأ ويعد من أساليب العنف”.
اختصاصيون اعتبروا أن ذلك يترك أثرا نفسيا كبيرا على الطفل ويؤثر عليه سلباً وعلى شخصيته مدى الحياة، ما يخلق لديه خللا في بناء الشخصية عنده ويهزم ثقته بنفسه، فتصبح شخصية غير متوازنة على الإطلاق.
وكان تقرير سابق نشر في “الغد” حول حالات العنف ضد الطفل، بين أنه في الوقت الذي يتعرض فيه 89 % من أطفال الأردن لأحد أشكال العنف التأديبي، منهم 20 % تعرضوا لعقاب بدني شديد، فإن المادة 62 من “العقوبات” ما تزال تبيح للآباء استخدام العقاب البدني ضد أطفالهم، وهو الأمر الذي يتعارض مع توصيات لجنة حقوق الطفل للأردن. 
وبين ممثل “اليونيسيف” روبرت جينكز، في التقرير نفسه “أن الأرقام تشير إلى أن نسب العنف ضد الأطفال في الأردن مرتفعة بشكل كبير”، لافتا إلى أن المنظمة ستطلق قريبا “حملة معا لمناهضة العنف ضد الأطفال، بحيث تعمل على إرشاد العائلات لاستخدام وسائل تربوية حديثة بعيدة عن العقاب البدني أو العنف النفسي”.
ولفت جنكيز إلى أن دراسة بينت أن 24 % من العائلات تؤمن بالعقاب البدني كوسيلة للتربية.
وأضاف أن التصدي للعنف ضد الأطفال يتطلب “استجابة شاملة ومتعددة الأوجه، إضافة للعمل مع الشركاء”، مؤكدا التزام “اليونيسيف” بالاستمرار بالعمل على تعزيز نظام الحماية الوطني الأردني.
وفي ذلك، يرى الاختصاصي النفسي السلوكي، الدكتور موسى مطارنة، أنه لا يوجد هناك ما يسمى بالعنف التأديبي، فالعنف إساءة يحاسب عليها القانون ومرفوضة إنسانياً ودينياً، ولا يجوز ممارسة الضرب لا في الظاهر ولا في الخفاء.
ويذهب إلى أن الضرب يجرح مشاعر وأحاسيس الطفل وله آثار سلبية كبيرة عليه تخلق عنده تراكمات وإحساسا بالدونية وأنه ضحية للتعذيب، مبيناً أن ذلك قد يخلق منه طفلا عنيفا وتصبح ردات فعله عنيفة ويتعلم أن العلاج لأي شيء يتم الرد عليه بالعنف.
ويشير مطارنة إلى أن الحال في الماضي اختلف عن الحاضر، وما كان سابقاً لا يجوز الآن، ففي السابق لم يكن هناك الانفتاح الموجود الآن، فالواقع الآن مختلف ولا بد من تعديل طرق التنشئة، خصوصاً وأنه بات هناك مختصين في تعديل السلوك.
ويرى مطارنة أن الضرب دائما يرادفه الخوف، وليس الاحترام كما يعتقد الأهل، فالابن قد يمتنع عن القيام بالشيء أمام الشخص فقط، وهو الأمر الذي لا يحقق غرض التربية، مبيناً أن الهدف هو تربية جيل قوي قادر على مواجهة المسؤوليات.
لذلك لابد من خلق حالة من الحوار، كما يقول، وخلق نماذج قيمية صحيحة وأن يكون الأهل قدوة حتى يلتقط الأبناء قيمهم منهم، والتعامل مع الأطفال لا بد أن يكون بحساسية كونه كائنا حساسا وبريئا، فهو يقوم بأي سلوك بناء على احتياجاته النمائية أو متطلباته العمرية.
ويؤكد مطارنة أنه لا بد من مراعاة ذلك، وتأهيل الطفل ليكون ناجحا وخلق شخصية متوازنة وقادرة على التعامل مع المعطيات، لافتاً إلى أن الضرب يولد شخصية غير متوازنة مضطربة نفسياً وسلوكياً، بالإضافة الى أنها أداة همجية لا يجب التعامل بها على الإطلاق ولا بأي حال من الأحوال.
وفي ذلك، يذهب الاختصاصي التربوي الدكتور محمد السلايطة، إلى أن تربية الأبناء ومتابعتهم ليسا بالأمر السهل، خصوصاً في واقع كثرت فيه المعوقات، ولا يمكن حبس الأطفال عن العالم المحيط بهم، مبيناً أنه لا بد من إعطائهم الخبرة الكافية، ما يمكنهم من التعامل مع واقعهم فلا ينجرفون وراء التيارات المشبوهة.
ويشير الى أهمية الحوار بين الأهل والأبناء وليس الضرب وقضاء وقت معهم وتبادل الأحاديث، لافتاً الى أنه قبل التفكير في الضرب الأصل محاورة الابن عند الخطأ، فما يراه الأهل بالأمر الخاطئ ما يزال الطفل لا يدركه.
لذلك الجلوس مع الابن، وفق السلايطة، ومحاورته والإيضاح له أن ما قام به فعل خاطئ وضرورة تغيير تصرفهم هو الأمر الصائب، مبيناً أن الضرب ليس أسلوب تربية، فهو يؤدي إلى الضرر الجسدي كما يؤدي إلى طمس الشخصية.
وأثبتت العديد من الدراسات أن الضرب يؤدي بالطفل إلى مرحلة “البلادة”، وهناك وسائل عقاب كثيرة غير الضرب مثل الحرمان من الحصول على امتيازات كثيرة، تكليفهم بالقيام بأعمال بسيطة ويظل الحوار والاقناع مع الاستماع لوجهة نظر الابن أسمى أسلوب في التربية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات