عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2018

الخطاب الدلالي في أعمال التشكيلية التونسية ثرياء العميري

 «القدس العربي» من محمد البندوري: تصنف أعمال الفنانة التونسية ثرياء العميري في إطار تجارب الميكسد والنحت، اقترانا بما تسوغه من مواد مختلطة الوسائط لتجعل منها موضوعا بنائيا، يرتكز على الخفة والتدرج.

فهي تركز بأسلوبها هذا على رصد مناح كثيرة من التصورات والمخالجات، وهي تفضل أيضا الاشتغال في المنحى الكولاجي التعبيري على مساحات متوسطة وصغيرة وبأشكال مثيرة، وتسعى إلى العناية الدقيقة بالقيم الجمالية، ما يمنحها مجالا واسعا لمقاربة موضوعاتها البنائية المركزية بالمنحى الجمالي. 
فتسخر لذلك مجموعة من الوسائل المتنوعة والمفردات الفنية المختلفة بحركات تبسط أشكالها بكميات مخففة في الفضاء، وبذلك فإن القاعدة الفنية لديها هي صورة متعددة الدلالات مختلطة الوسائل تتحقق فيها أشكال وعلامات بتقنيات جديدة، لكنها في المنظور النقدي، تشكل لبسا ولغزا حين تتداخل مجموعة من الأشياء المنفصلة، وتتركب مع ألوان متنوعة ومع أشياء ليست من جنسها، ما يضع اللون والأشكال والعلامات في مفارقة، ويحيل إلى إشارات غامضة. علما أن فن الكولاج والمكسيد والتجسيم يحتاج أساسا للترابط، فكلما قوي الترابط بين العناصر المكونة للعمل اتضحت الصورة الكولاجية التشكيلية، لكن الفنانة ثرياء العميري بتجربتها المميزة وتقنياتها العالية تقارب بين مكونات أعمالها ومختلف العناصر الفنية والمفردات التشكيلية بنوع من التدقيق والانتقاء، خصوصا أن كل السياقات المشكلة للفضاء تتسم بوجود وشائج قائمة بين المادة الفنية والعناصر والموضوع، وهو ما ينم عن إفرازات دلالية قوية، بل يجعل العمل ككل أيقونا مرتبطا باستدراجات يتحكم فيها خطاب المكسيد والكولاج والنحت في نطاق تجسيمي يوجه المضامين، وتعضده التقنية الجديدة التي تبني الصورة وفق صور متباينة، وعلى طبقات تزرع الحركة في أعمالها الإبداعية، ما يمنح منجزها الفني خصوبته مع بداية التشكل، ويحقق الوصل تدريجيا بين مختلف المفردات، ويروم كل التأويلات والقراءات الممكنة التي يحفها المنطق. 
إن الطرق التوظيفية تلائم ماهية العمل على مستوى الشكل والمضمون، كما أن هناك وشائج بين العلامات وجمالياتها وجماليات الصور، ثم إن جماليات العمل ككل تطبعها علاقات ونسب مرهفة، لأن كل حركيات هذا العمل، وأشكاله وكتله، وتركيباته وصوره، وكل أساليبه التنغيمية، تنتج جماليات في نسق حسي بصري، وتثير حركة نوعية، الشيء الذي يكشف عن نوع من التوازن الإبداعي الشامل، فهي تستطيع بمهارتها العالية، أن تصنع نوعا من الانسجام وتقلص من حدة بعض المفارقات بين كل العناصر المكونة لأعمالها عن طريق تداخل الأشكال والصور والعلامات في الفضاء التجسيمي بطبقات متنوعة، ثم تعمد لتشكيل ذلك وفق تصوراتها التي تطوع كل عناصر العمل المصففة والمنظمة بشكل محكم للانصهار في كتلة كولاجية نسقية مكسيدية معاصرة، بتموقعاتها الدقيقة، وتناسقها البديع. وهي عوالم تشكيلية تكشف عن جمالية أعمالها، وعن بلاغة الفنانة المبدعة ثرياء العميري، وقدرتها الإبداعية المتحررة والمرنة، والمتفاعلة مع مختلف الأشكال والصور والألوان، وتشييئها وفق رؤيتها الطليقة، ما يجعل أعمالها تتسم بالقيم التعبيرية والجمالية. إنها حمولة مكثفة الخصائص التشكيلية الفريدة، خاصة أن معظم الاستعمالات الشكلية والصورية؛ جلها مستقى من الثقافة التونسية التي تزخر بالعديد من الأشكال والصور، وأن الموروث الحضاري التونسي العربي يمد الفنانة المتميزة ثرياء باستلهامات غالبا ما تعيد صياغتها بتقنياتها العالية وبرؤيتها الفنية المتألقة الجديدة، مما يحفظ لفنها هويته وثقافته وجماليته.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات