عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Apr-2018

بنية اللااكتمال في رواية «فرح» للمغربي يوسف فاضل

 القدس العربي-عبد المجيد الحسيب

 تقوم رواية «فرح» الصادرة عن دار الآداب سنة 2016 للكاتب المغربي يوسف فاضل على محكي أساسي، وهو محكي أسرة فقيرة كانت تعيش في حي شعبي مجاور للحي الذي شُيّد فوقه مسجد الحسن الثاني في الدارالبيضاء. وهو المسجد الذي أراد له صاحبه أن يكون معلما تاريخيا يخلد اسمه، لذلك فرض على الجميع المساهمة في بنائه. وتوجد بين حكاية هذه الأسرة وحكاية بناء المسجد الكثير من التواشجات والتقاطعات، التي ظل الكاتب يضيئها وينسج خيوطها بالكثير من الحرص والتأني. ورغم كثرة المحكايات والمسارات السردية في هذا النص إلا أنها ظلت مرتبطة وتابعة للحكاية الأساسية فيه، وهي حكاية «فرح». 
وما يميز في نظري، مختلف هذه المسارات والحيوات والمصائر التي يزخر بها النص هو ثيمة أساسية ومركزية ظلت تظهر وتختفي على طول الرواية؛ وهي ثيمة اللااكتمال. فكل شيء في هذه الرواية منذور للفشل والإخفاق والنقص، فمن خلال محكي فرح، وهو من بين المحكيات الأساسية في هذا النص، نتعرف على الفتاة التي قدمت من أزمور إلى الدار البيضاء لامتهان الغناء، إلا أن نهايتها كانت مأساوية بعد أن أخذ المحامي الذي وعدها بمساعدتها كل نقودها وعاشت مشردة وضائعة إلى أن لفظت أنفاسها في ورشة عثمان الذي وضعها في تابوت ورمى بها في البحر.
لقد أضحى المآل الذي آلت إليه حكاية فرح بمثابة قانون يسري على باقي الحيوات والمصائر، بما فيها مصائر الأمكنة والفضاءات. فالمسجد الذي كان صاحبه يريد منه أن يكون تحفة غير مسبوقة تخلد اسمه إلى الأبد قد ظل سقفه يحمل شقا لم ينتبه إليه الوالد النقاش إلا في الأخير. كما أن الحي الجديد الذي دشنته الدولة لإفراغ الحي المجاور للمسجد لم تدم طويلا، لأن جدرانه أضحت متداعية وآيلة للسقوط، يقول عنها الراوي: «الأبواب تفككت عند أول خبطة والمجاري مسدودة. الجدران المغشوشة تسرح في شقوقها الصراصير. والأقفال والزليج. وخصاص النافذة مال عند أول إطلالة. الصنابير لا تعطي ماء، والضغط على الأزرار لا يولد كهرباء». وأمام هذه الأوضاع الكارثية لم يعد الناس يفكرون إلا في استعادة منازلهم القديمة رغم بؤسها وتواضعها. وقد صاغوا من أجل هذا الهدف رسالة إلى الملك كانوا يريدون تقديمها له يوم تدشين المسجد، غير أن الملك لم يحضر في ذلك اليوم وتقرر تأجيل عملية التدشين، كما أنهم سيكتشفون أن حيهم القديم سوّي مع الأرض وصار أثرا بعد عين.
وهكذا ظلت محكيات هذه الرواية، تقوم في ما بينها على علاقات التصادي والتمرئي من خلال تجربة الإخفاق والفشل، التي ظلت تسم مختلف التجارب والمصائر. فسليمان الذي كانت تعلق عليه الأسرة آمالا عريضة لينتشلها من فقرها وبؤسها، بعد أن سافر إلى السعودية للعمل، عاد في تابوت مقطوع الرأس لأن مشغّله ارتاب في علاقته بزوجته. أما عثمان وهو الشخصية الرئيسية في الرواية، وهو راوي أغلب أحداثها، فقد انتهى هو الآخر مقعدا في كرسي متحرك ينتظر وضع زوجته التي كانت تعاني من آلام المخاض. لقد تعرض عثمان لغدر القدر الذي أخذ منه حبيبته فرح وحكم على حياته بالبؤس والفقر والإعاقة الدائمة. أما كيكا فقد كان كل أمله هو الحصول على «الفيزا» والهجرة خارج المغرب، من أجل التخلص من واقعه والابتعاد عن نظرات الاحتقار بسبب مهنة أمه المذلة. غير أن الأم وعندما توفقت أخيرا، في الحصول على «الفيزا» التي انتظرها لسنوات، قررت في لحظة ضعف، أن تستحوذ عليها لنفسها وتحرم ابنها منها، الشيء الذي زاد من حقده ونقمته على العالم بأسره. أما حبيبة فكانت تشيّع أبناءها الواحد تلو الآخر لأن والدهم كان يخنقهم ويدّعي أنهم ماتوا فداء للمسجد الذي كان في طور البناء. وخديجة المهووسة بالجنس طلقت وأصبحت عرضة لنوبات هستيرية بعد أن اهتزت شخصيتها مما دفع بعبد الله زوج أختها إلى أن يحولها إلى موضوع لنزواته المرضية. وشخصية عبد الله، في هذه الرواية هي من بين الشخصيات التي تتكرر كثيرا في روايات يوسف فاضل. فهو رمز للطابع الحيواني (الكلبي) في الإنسان لما يتميز به من خسة ونذالة وحقارة. فهو الذي وشى بالخال إلى الدرك الملكي، وهو الذي كان يستغل مرض خديجة لتلبية نزواته. كما أنه نصّب نفسه إماما للمسجد في الحي الجديد، من أجل غايات انتهازية صرفة، ثم أنه حوّل موت سليمان إلى فرصة لابتزاز السلطات أولا، ولاستدرار عطف الناس والاستحواذ على عطاياهم في الأخير.
تمكن يوسف فاضل عن طريق تقنية الاستبطان من كشف الجانب القاتم في الإنسان. وليس وحده عبد الله من يتصف بهذه الصفات فهناك شخصيات أخرى لا تخلو من هذه الخصائص، مثل كنزة التي ضحت بابنها ومستقبله واستحوذت على «الفيزا» لنفسها. وكيكا انتقم من فرح بحرق وجهها بالماء القاطع، كما أنه كان يشحذ السكين للانتقام من أمه. والمحامي استغل سذاجة فرح وسلبها نقودها، وغيرها من الأمثلة.
كما عمل الكاتب على نسج نوع من التطابق والتشابه بين هذه الأرواح الفاسدة والأمكنة التي لا تقل عنها فسادا أو خرابا. فالحي القديم تحول إلى أنقاض بسبب الأمطار الطوفانية التي جرفته. والحي الجديد سرعان ما فقد بريقه وأضحى موشكا على التداعي. وبناء المسجد كان يتم على حساب العديد من الأرواح التي كانت تزهق بين الحين والآخر. 
لقد أضحت لعبة التصادي بين الأمكنة والشخوص والثيمات لعبة أثيرة لدى الكاتب، عمل من خلالها على تخصيب سرده وتوليد محكياته. كما أنه كان يخرق جماليات الاحتمال بين الحين والآخر، بجماليات مناقضة ومغايرة كتوظيف الفانتازتيك مثلا من خلال شخصية الكلب، الذي كان يتقفى أثر السارد ويحاوره في بعض الأحيان، وهو تعبير استعاري عن الطبيعة البوليسية والمخابراتية لنظام جعل من الإذعان والخضوع قانونه الرئيسي. وكذا من خلال إسناد الحكي لشخصيات أصبحت في عالم الأموات مثل فرح وسليمان، الذي قدم لنا تجربة سفره إلى السعودية بحثا عن العمل وأوبته إلى أرض الوطن في تابوت مقطوع الرأس، يقول مثلا:«سأقترح على عبد الله اقتراحا يخرجنا من هذه الورطة. بعد قليل سيأخذك إلى مسجد الحي، بالمناسبة إنه أصبح يؤم الصلاة في هذا المسجد. وسيجمع بعض المال من السكان للعشاء وسيارة الموتى. وعندما يرى أنه ربح على حسابك ما يكفي من المال، سيأخذك إلى حفرتك».
أضفت هذه المحكيات الفانتازتيكية بعدا لعبيا على النص حررته نسبيا، من مواثيق الكتابة التقليدية، كما أن أغلب الفصول في الرواية وردت عن طريق الاسترجاع من طرف عثمان بعد أن أصبح مقعدا. وتخللت عملية الاسترجاع للكثير من المحكيات بعض البياضات والفراغات، وكأن بنية اللااكتمال التي سبق أن قلنا إنها مكوّن أساسي من مكونات هذا النص قد اخترقت محكياته ووسمتها بميسمها وأصبحت تفرض على القارئ ملأها وتأويلها حسب هواه. وهذا ما يجعل من هذا المحفل طرفا أساسيا في بناء الحكاية ونسج عوالمها.
وعلى الرغم من القتامة التي تطبع أغلب محكيات هذه الرواية، إلا أنها لا تخلو من ومضات مضيئة تنتصر للأمل وللمستقبل. ويتجلى ذلك مثلا، من خلال ما صرحت به فرح وهي مسجاة في تابوتها تحت الماء قائلة: «أرفع دعواتي حتى تستمر اللذة، حتى وأنا لا أعرف أنها سفينتي للعبور إلى الضفة الأخرى سليمة ـ نظيفة، مطمئنة، معافاة، شبعانة. الحياة تزخر بداخلي.. حياة غنية، مضمخة بعبير حيوات أخرى. هذه ضوضاؤها تملأ الحقل الصغير الفاصل في داخلي».
يبيّن هذا الاستشهاد أن إرادة الحياة تبقى أقوى من جميع المثبطات والإكراهات التي تحول دونها. ويتجلى هذا التشبث بالأمل وبالحياة أيضا، من خلال إنجاب زوجة عثمان لطفلة سيطلق عليها اسم فرح تيمنا باسم صديقته التي كانت تملأ حياته بالكثير من المعنى وبالكثير من الفرح.
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات