عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Dec-2017

مهاجر شرويدنغر

 الغد-روبرت روثورن؛ وديفيد رييكا

براغ- عندما يحاول قادة وسط وشرق أوروبا شرح سبب عدم رغبتهم في قبول اللاجئين، فإنهم يميلون إلى التناقض مع بعضهم بعضا، ويصر البعض على أن اللاجئين يأخذون الوظائف من المواطنين، مما يعني أن اللاجئين مجدون في العمل، بينما يشكو آخرون من أن اللاجئين يعتمدون على استحقاقات الرعاية الاجتماعية، مما يوحي بأنهم بالكاد يعملون.
على سبيل المثال، يعتقد رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، أن اللاجئين يأخذون الوظائف من المواطنين؛ حيث أنفقت حكومته بين العامين 2015 و2016 أكثر من 50 مليون يورو (59 مليون دولار) على الإعلانات المضادة للمهاجرين، بما في ذلك لوحات إعلانية تحذر المهاجرين من مغبة الاستيلاء على وظائف المواطنين.
وعلى النقيض من ذلك، فإن السياسيين التشيك، مثل نائب رئيس الوزراء السابق أندريه بابيس ووزير الداخلية ميلان تشوفانيك والرئيس السابق فاسلاف كلاوس، يصورون اللاجئين والمهاجرين على أنهم أناس مستغلون يستهدفون مزايا الرعاية الاجتماعية السخية. ووفقاً للرئيس التشيكي الحالي ميلوس زيمان، فإنه يمكن تصنيف جميع الباحثين عن مزايا الرعاية الاجتماعية ضمن فئة واحدة: "المسلمون".
على ضوء هذه الصور المتناقضة للاجئين، انتشرت طرفة حظيت بشعبية في أوروبا الوسطى والشرقية، والتي يطلق عليها اسم "مهاجر شرودنغر"، وهي مسرحية عن قطة شرويدنغر التي تصف المفارقة في الفيزياء الكمية، والتي يمكن أن يوجد فيها الجسيم في حالتين متعاكستين في وقت واحد -مثل القطة المغلق عليها داخل صندوق، والتي تعد ميتة وحية حتى تتم مشاهدتها.
وفقاً لدراسة إحصائية أوروبية، فإنه لا يوجد اتفاق يذكر في أوروبا حول ما إذا كان اللاجئون والمهاجرون يأخذون وظائف موجودة أو يخلقون فرص عمل جديدة. وقد قمنا في أودليسنوست (التميز)، وهي مجموعة من الأكاديميين والصحفيين،  بمراجعة 20 دراسة تجريبية لتحديد تأثير المهاجرين على العمال المحليين في أوروبا والشرق الأوسط في الفترة بين العامين 1990 و2015، ووجدنا أنه لا توجد أدلة تذكر تدعم الادعاء بأن قبول عدد معقول من اللاجئين والمهاجرين من البلدان النامية يحرم العمال المواطنين من العمل.
بطبيعة الحال، ما يزال العديد من أولئك الذين لا يعتقدون أن المهاجرين يأخذون وظائف المواطنين يشعرون بالقلق من أن الوافدين الجدد لا يسهمون بما فيه الكفاية في دفع الضرائب. وهناك بعض الحقيقة في ذلك، حيث تشمل الحصة المتزايدة من المهاجرين الوافدين من البلدان النامية العديد من العمال الأقل تعليماً، ولا سيما من النساء، حيث يمكن أن يقلل ذلك من الدخل ومعدل العمالة الإجمالي للمهاجرين.
لكن كلاً من المهاجرين من ذوي المهارات العالية والمهاجرين من ذوي المهارات المنخفضة يسهمون في التقسيم الفعال للعمل في البلدان المضيفة، لأن الاختلافات الثقافية تجعل من الصعب عليهم التنافس مع السكان المحليين. وقد أظهرت الدراسات التي قمنا بها أن المهاجرين من البلدان المجاورة بالكاد يضغطون من حيث انخفاض أجور المواطنين من ذوي المهارات المنخفضة إلا بمقدار ضئيل، بينما يختفي هذا التأثير السلبي بالنسبة للمهاجرين من دول بعيدة.
يجلب الناس بشكل عام من مختلف الثقافات معهم مهارات مختلفة وأفكاراً جديدة إلى الاقتصاد المضيف. وتوجد أدلة جوهرية تشير إلى أن التنوع في مكان الميلاد داخل القوى العاملة المتعلمة في الجامعات في بلد ما يرتبط ارتباطاً إيجابياً بالإنتاجية والنمو الإقتصادي. وقد أسس المهاجرون من الجيل الأول أو الجيل الثاني في الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 40 % من شركات فورتشن 500، بما في ذلك غوغل وأبل وأمازون.
وليس هذا مفاجئاً، حيث يميل المهاجرون بعد كل شيء إلى أن يكونوا أكثر تعليماً من مواطنيهم في الوطن. وفي النمسا في العام 2015، كانت نسبة طالبي اللجوء السوريين والعراقيين الذين حصلوا على تعليم جامعي هي النسبة لدى السكان الأصليين. وبالنظر إلى ذلك، فإن المهاجرين من دول بعيدة يمكن أن يسهموا في الاقتصاد بشكل أكبر من المهاجرين من البلدان المجاورة.
يقوم باحث الاقتصاد في جامعة لوفان، فريديريك دوكيه وزملاؤه، ببحث الأثر الاقتصادي الذي يتركه المهاجرون من البلدان النامية على ميزانيات البلد المضيف والأجور والأسواق الاستهلاكية. وقد وجدوا في دراسة قادمة عن المهاجرين الذين وصلوا إلى 20 بلداً من بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بين العامين 1991 و2015 أن المواطنين قد استفادوا كثيراً من مساهمات المهاجرين.
وحتى من الوهلة الأولى، يبدو أن الحجة التي كثيراً ما يستخدمها السياسيون المناهضون للمهاجرين، والقائلة إن اللاجئين والمهاجرين يأتون إلى البلدان الأوروبية لاستغلال برامج الرعاية الاجتماعية الخاصة بها تبدو غريبة. وينظر إلى ألمانيا والسويد عموماً على أنهما تتمتعان بأكبر قدر من المزايا السخية للمهاجرين. ولكن لا يوجد تدفق موحد للناس في اتجاه هذين البلدين. وقد فر السوريون في العام 2016 إلى ألمانيا والدول الاسكندنافية، ولكن كثيراً ما كان الأريتيريون يتوجهون إلى سويسرا. كما قدم الكثير من الأفغان طلبات لجوء في هنغاريا.
يقول الاقتصاديون الذين يحللون هذه المسألة من خلال "نظرية الأفضليات المكشوفة" إن طالبي اللجوء هم صناع قرار تحليليون، يبحثون عن بلدان مثل ألمانيا بسبب انخفاض معدل البطالة فيها. ولكن لدى الباحثين الذين درسوا البيانات غير الاقتصادية -بما في ذلك ردود المهاجرين على الاستقصاءات- أسباب وجيهة للشك في هذه الفرضية.
لقد تبين أن طالبي اللجوء عادة ما يكون لديهم القليل من المعرفة بأوضاع سوق العمل في البلد أو استحقاقات الرعاية الاجتماعية فيه قبل وصولهم -بل إنهم عادة ما يسترشدون بظروف رحلتهم ويميلون عندما يختارون بوعي بلداً ما إلى البحث عن أماكن يعيش فيها مواطنوهم أو أقاربهم، أو حيث يعرفون اللغة بسبب العلاقات الاستعمارية السابقة.
قد يكون من البديهي أن يميل اللاجئون إلى بلدان ذات إجراءات أسرع وأكثر سخاء بالنسبة للجوء. ولكن الدراسات فشلت مراراً وتكراراً في إقامة أي علاقة ذات معنى بين توفير الرعاية الاجتماعية وبين اختيار اللاجئين لبلد المقصد الذي يتوجهون إليه، علماً بأن المعلومات القليلة التي يمتلكها اللاجئون في كثير من الأحيان عن سياسات اللجوء المختلفة تقوم على إشاعات عادة ما يحصلون عليها من المهربين الذين لا يهتمون كثيراً بمصالحهم.
لا شك في أن السياسيين المؤيدين لتوطين الوظائف بالولايات المتحدة الأميركية سوف يرفضون فكرة "مهاجر شرودنغر" باعتبارها مسألة ليبرالية. لكن هذه الطرفة ستظل تحظى بالشعبية طالما ظل المؤيدون لتوطين الوظائف يختبئون وراء لغة الاقتصاد الشعبي، حيث ينبغي مناقشة الهجرة على أساس المعطيات وليس من خلال سياسات الخوف.
 
*روبرت روثورن هو أستاذ فخري في الاقتصاد في جامعة كامبريدج. ديفيد رييكا: هو محرر ومؤسس مشارك في "أودليسنوست
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات