عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-May-2018

اللبنانيون يريدون دولة مدنية، وليس حربا أهلية

 الغد-أمير-حسين راجي – (لوموند ديبلوماتيك) 16/5/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
يشكو ناشطو المعارضة في لبنان من أن النظام الطائفي في البرلمان يعزز سلطة من يُدعون "الزعما"، الذين يدور نظامهم للمحسوبية حول الولاء الطائفي. ويزود العديد من الزعماء ناخبيهم بالخدمات التي ينبغي أن تُسند في العادة إلى القطاع العام، بما في ذلك إيجاد الوظائف للشباب ودعم العيادات الطبية المحلية (المستوصفات). وسوف يساعد كسر طائفية البرلمان على محاربة الفساد وتأسيس آليات للمحاسبة السياسية، بما في ذلك تشكيل مجلس أعلى لمحاكمة وزراء الحكومة، انسجاماً مع الدستور اللبناني.
*   *   *
تظهر الانتخابات اللبنانية التي أجريت يوم 6 أيار (مايو) الحالي أنه على الرغم من وجود رغبة لدى الناس في التغيير، فإن القليل ربما يتغير بعد كل شيء. وقد وصفت وسائل الإعلام الغربية النتيجة بأنها انتصار كاسح لحزب الله، لكن الدرس الحقيقي الذي يجب استخلاصه منها هو تخندُق النخبة الطائفية في البلد (في نظام طائفي يتم بموجبه حجز مناصب الحكومة لممثلي الخلفيات الدينية والعرقية المختلفة).
كانت هذه الانتخابات اختباراً حاسماً لحركة "المجتمع المدني" اللبنانية. ومع ترشحهم تحت مظلة تحالف انتخابي يدعى "كلنا وطني"، خاض ممثلو المجتمع المدني حملتهم من أجل الإطاحة بالنظام الطائفي في البلد عن طريق إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، والتي يكون من شأنها تعزيز مجتمع أكثر علمانية. وكان ثلث مرشحي "كلنا وطني" من النساء -أكثر من أي قائمة أخرى. (على نحو يقول الكثير، لم يرشح حزب الله حتى امرأة واحدة).
لقد سئم اللبنانيون من مشاهدة نخبة فاسدة متشاحنة تستأثر بالحكم وتفشل فيه -ومع ذلك تعيد كل انتخابات نفس تلك النخبة إلى سدة السلطة. وهناك مرشح واحد من المجتمع المدني، باولا يعقوبيان، هي التي فازت بمقعد في ضاحية بيروت الشرقية؛ وسوف تكون واحدة من ست نساء فقط في البرلمان، وهو رقم كئيب في بلد تتبجح نخبته بأنه حامل مشعل الليبرالية في العالم العربي.
الآن بعد الانتخابات، يواجه تحالف "كلنا وطني" الأحجية التي يطرحها التناقض بين الدعم الشعبي العريض للعديد من الإصلاحات التي يتبناها، وبين قلة عدد الأصوات التي كسبها. ولا تكفي ذرائع الاحتيال الانتخابي والتزوير وشراء أصوات الناخبين لتفسير هذا الفشل في كسب عدد أكبر من المقاعد في البرلمان.
كان أمل تحالف "كلنا وطني" هو أن تتم ترجمة الدعم المتزايد لقضايا المجتمع المدني إلى ولاية انتخابية للتغيير. وتشمل مجموعات المجتمع المدني الإحدى عشرة في التحالف حركة "طلعت ريحتكم"! التي قاد ناشطوها احتجاجات كبيرة مناهضة للحكومة في العام 2015. وفي العام التالي، كسبت مجموعات المجتمع المدني 40 % من الأصوات في الانتخابات البلدية في بيروت. وأظهرت الاستطلاعات التي أجريت في وقت سابق من هذا العام وجود دعم كبير للمرشحين المستقلين للبرلمان. كما توقع منظمو الحملة، الذين تحدثوا إليّ قبل أيام من إجراء الانتخابات، كسب ما يصل إلى خمسة مقاعد، وهو ما كان سيحول "كلنا وطني" إلى كتلة مهمة داخل البرلمان اللبناني المتصدع. ومع ذلك، كانت نسبة الإقبال على التصويت في يوم الانتخابات منخفضة إلى حد ملفت في بيروت الشرقية (أهم منطقة لقادة المجتمع المدني حتى الآن)، حيث بلغت بالكاد 33 %.
حتى مع ذلك، يقول العديد من المراقبين إن هذه الانتخابات الأخيرة كانت علامة بارزة في مسيرة تطور المجتمع المدني كقوة سياسية. ويقول سامي عطا الله، مدير المركز اللبناني للدراسات السياسية: "حقيقة أن المجتمع المدني تمكن من الاندماج في مجموعة واحدة، ’كلنا وطني‘، هي إنجاز في حد ذاتها. إنهم يستطيعون البناء عليه... بغض النظر عن النتائج، الآن وقد أُعطيتَ مجموعات المجتمع المدني هوية مشتركة".
في انتخابات أيار (مايو) الحالي، تمكن تحالف "كلنا وطني"، إلى جانب مرشحين مستقلين آخرين، من تحويل مشاعر الاستياء الشعبي من المؤسسة إلى قضية مركزية. وقد أعلن العديد من السياسيين من داخل مؤسسة الحكم -من بينهم مدير الأمن اللبناني السابق، أشرف ريفي، وسليل العائلة السياسية الثرية، ميشيل تويني- أعلنوا أنفسهم حلفاء لحركة المجتمع المدني في مساعيها للوصول إلى البرلمان. وفي الأثناء، اشتكى الزعيم المسيحي اليميني، سمير جعجع، عشية التصويت، من أنه "ليس هناك فرق" بين تحالف المجتمع المدني وبين الأحزاب السياسية التقليدية مثل حزب "القوات اللبنانية" الذي يتزعمه. ووقَّع حزب "الكتائب" المجموعة المسيحية المتشددة التي تأسست في الثلاثينيات على غرار الحركة الفاشية في أوروبا، تعهداً انتخابياً لمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، والذي تضمن التزامات بالعمل على عدم تجريم المثلية الجنسية وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين.
وشرح عطا الله: "لقد قرأ الساسة التقليديون الكتابة على الجدار، وشرعوا في استخدام العديد من المصطلحات التي يستخدمها المجتمع المدني، وبعضهم يقولون الآن إنهم متحالفون مع المجتمع المدني".
أحد معايير قوة المجتمع المدني في لبنان هو حقوق المثليين. وقد التزم نحو مائة مرشح للبرلمان بالعمل على إلغاء تجريم المثلية الجنسية. بل إن بعض مرشحي المجتمع المدني أشاروا إلى أنهم يدعمون الزواج بين الذكور -هذا في بلد لا يوجد فيه زواج مدني للأزواج الطبيعيين من جنسين متغايرين من الأساس. وبالنظر إلى أن رفع علم قوس قزح في مصر يمكن أن ينتهي بصاحبه إلى السجن، فإن الإنجاز الذي حققته حركة المثليين العرب في لبنان لافت للنظر. وقد أصبح مصطلح "المجتمع المدني" في حد ذاته نداء تحشيد مهماً لأولئك الذين يعارضون حكام البلد ويدعمون أي عدد من الإصلاحات التقدمية.
يبقى مطلب تحالف "كلنا وطني" الأساسي هو الإطاحة بالنظام الطائفي في البلد، على أمل التخلص من سلطة الساسة التقليديين. وكانت اتفاقيات الطائف التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، كما يشير قادة المجتمع المدني، قد دعت إلى إنشاء مجلس للشيوخ، ويجب أن يُنتخب البرلمان، وفقاً للمادة 22 من الدستور اللبناني، "على أسس وطنية وغير طائفية"، مع تشكيل مجلس شيوخ استشاري، والذي يمثل "العائلات الروحية" المختلفة للبلد. لكن المقاعد البرلمانية تقسم حالياً بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، مع تخصيص أي مقعد إضافي وفقاً للطائفة.
يقول مارك جيارا، العضو في اللجنة السياسية لتحالف "كلنا وطني": "الطائفية تجعل من الصعب إجراء أي إصلاح في البلد، وتقوم بتحويل كل السياسة إلى لعبة محصلتها صفر. تعتقد كل طائفة بأن أي شيء تحصل عليه، إنما تحصل عليه على حساب الطوائف الأخرى".
يشكو ناشطو المعارضة في لبنان من أن النظام الطائفي في البرلمان يعزز سلطة من يُدعون "الزعما"، الذين يدور نظامهم للمحسوبية حول الولاء الطائفي. ويزود العديد من الزعماء ناخبيهم بالخدمات التي ينبغي أن تُسند في العادة إلى القطاع العام، بما في ذلك إيجاد الوظائف للشباب ودعم العيادات الطبية المحلية (المستوصفات). وسوف يساعد كسر طائفية البرلمان على محاربة الفساد وتأسيس آليات للمحاسبة السياسية، بما في ذلك تشكيل مجلس أعلى لمحاكمة وزراء الحكومة، انسجاماً مع الدستور اللبناني.
الهدف النهائي لتحالف "كلنا وطني" هو إقامة دولة مدنية لا يلعب فيها الدين أي دور. ويعتقد وديع أسمر، ناشط حقوق الإنسان وعضو اللجنة السياسية للتحالف، بأن هذه الدولة يجب أن تتأسس وفق نموذج العلمانية الفرنسية. ويقول: "العلمانية هي سلسلة من القوانين التي تفصل الدين عن الدولة، وتصنع دولة مدنية بالمعنى الصحيح". وفي الوقت الحالي، تدير المحاكم الدينية قوانين الزواج، وحقوق الملكية والميراث. ويعمل الافتقار إلى ميثاق مدني مشترك على تقويض الديمقراطية في البلد. وتشرح جمانة حداد، التي كانت مرشحة تحالف "كلنا وطني" عن ضاحية بيروت الشرقية: "سوف يعمل هذا النموذج على أساس الشعور الجمعي للبنانيين. سوف يحكمنا قانون مشترك واحد، ولن تعتمد شؤونك الشخصية فقط على شيخك أو قسيسك".
لقد تعلم المجتمع المدني أن يدفع ضد حكام لبنان المحتضرين في السنوات الأخيرة. ووصف أسمر، وهو مؤسس مشارك لحركة "طلعت ريحتكم"، الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العام 2015، والتي بدأت بسبب أزمة جمع القمامة في البلد، بأنها "حركة سياسية واجتماعية غير طائفية حقاً، والتي غيرت الطريقة التي تمارَس بها السياسة في هذا البلد". ويقول معظم منظمي الحملة إن ثقافة الزعماء في البلد ما تزال قوية، لكنها منذورة للتغيير. فهناك عدد متنام من السكان الأصغر سناً، وهو ما يضعف السلطة الشخصية لبارونات المدرسة السياسية القديمة هؤلاء، الذين يعتمدون على المجتمعات المتماسكة بقوة. كما يتراجع التدين بين أفراد الجيل الجديد الذي لا يتذكر الحرب، وإنما يتذكر فقط إخفاقات النخبة الحاكمة في حل مشكلات البلد الفاصلة. وتقول حداد: "إنها عملية طويلة، لكن المزيد والمزيد من الناس يستيقظون. هناك الكثير من الغضب والإحباط".
الآن، يواجه قادة المجتمع المدني معضلة. ويقول أسمر: "إن موقفنا متناقض بما يكفي. إننا نحاول أن نقلب القواعد، وإنما عن طريق احترام القواعد". ويتحدث بوعي عن الاختيار بين بناء "حركة سياسية أم حركة اجتماعية فضفاضة وأكثر انتشاراً حول مبادئ معينة".
بينما يحاجج الكثير من الناشطين بأن المجتمع المدني يجب أن يعثر على طريقة للوصول إلى الحكومة، فإنهم يقولون إن القواعد التي تحكم الانتخابات تكرس سلطة الأحزاب القديمة. ويجب أن يسجل كل اللبنانيين للتصويت وفقاً لإجماع البلد للعام 1932، الذي يلزم الكثير من البيروتيين بالتصويت في محافظات أصولهم الريفية القديمة. وثمة القانون الانتخابي الجديد الذي رفع نظامه للتمثيل النسبي آمال المرشحين المستقلين، لكنه عزز الانقسامات الطائفية أكثر على خريطة المحافظات معادة الرسم. 
وهكذا، اضطر مرشحو "كلنا وطني" إلى خوض حملاتهم ضمن إطار النظام الطائفي الذي يريدون القضاء عليه. وقد اشتكى أحد منظمي الحملات: "لم يسبق أن اضطررت أبداً إلى الحديث بهذا القدر عمن هو من اليونان الأرثوذكس، ومَن من اليونان الكاثوليك، ومن هو سني".
في بيروت، تسببت هزيمة التحالف في تصاعد التحدي بين أنصار "كلنا وطني" في اليوم التالي للانتخابات. وقد دعت حداد إلى احتجاجات أمام وزارة الداخلية. ففي الليلة السابقة، كانت كل القوائم المتنافسة قد اعترفت بفوز حداد بمقعد الأقلية المسيحية في بيروت الشرقية. وفي الصباح التالي، أعلنت سلطات الانتخابات، بعد طرد كل المراقبين فجأة من غرفة إحصاء الأصوات في الحي، أن عضواً في "الحركة الوطنية الحرة" التي يقودها الرئيس هو الذي فاز بدلاً منها. وأعلنت حداد، النسوية المعروفة والصحفية والناشطة، عن وجود مؤامرة ضد المجتمع المدني. وردد الحشد هتاف "الثورة! الثورة"! بينما هاجم أحد المحتجين أسماء قادة الحكومة غير المرغوب فيهم. وتم رفع علم قوس قزح لحركة حقوق المثليين وسط الهتافات الجامحة.
تحول احتجاج حداد ليصبح مظاهرة مطلبية. وقال العديد من المحتجين الذين تحدثت إليهم إن نموذجهم هو حركات الاحتجاج التي تنشط في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان. ولم يذكروا الثورات العربية الفاشلة في العام 2011. وكان من الصعب معرفة ما إذا كانوا يشكلون طليعة تغيير كاسح، أم أنهم يشكلون مجرد انقسام آخر من مجتمع لبنان المعقد. وعلى بعد بضعة شوارع، انطلقت مسيرة احتفالية لشباب حزب الله على الدراجات النارية التي هدرت عبر شوارع الحمرا. وهتف البعض: "بيروت شيعية". وشقوا طريقهم إلى راس بيروت حيث اشتبكوا مع مؤيدي رئيس الوزراء السنة. وقالت لي شابة تشارك في الاحتجاج: "إننا نريد دولة مدنية، وليس حرباً أهلية!".
 
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: ‘We want a civil state, not a civil war!’
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات