عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jul-2017

الجانب الحقيقي للأخبار الزائفة

الغد-ستيفن روزنباوم
 
نيويورك- تسلم الأجهزة الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي اليوم، قدراً كبيراً جداً من المعلومات التي يعجز حتى المستهلك الأكثر حذقاً ووعياً عن تقييمها جميعاً. ويبدو الأمر وكأننا نعيش في نسخة من رواية ألدوس هكسلي "عالَم جديد شجاع"؛ حيث تم إغراق الحقيقة في بحر من العبث. لكن المستقبل لن يكون بالضرورة "مدينة فاسدة" كما قد يقترح الحاضر.
في واقع الأمر، سجلت نسبة الأميركيين الذين يحصلون على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، فبلغت 62 % اعتباراً من العام 2016. ومع ذلك، وفقاً لدراسة حديثة أجراها مركز بيو للبحوث، أصبح المهنيون في وسائل الإعلام، والدوائر الأكاديمية والتكنولوجية، ومؤسسات النشر، ينظرون على نحو متزايد إلى الإنترنت باعتباره بؤرة تجميع لخطاب الكراهية، والغضب، والمتصيدين.
لعل أفضل وصف للكثير مما يصل إلى عتباتنا الرقمية هو "أخبار زائفة": والتي تتكون من القصص الخادعة، والدعاية، وغير ذلك من أشكال التضليل. ولكن، وفي حين يشكل وصف "الأخبار الزائفة" عنواناً مفيداً لكل مشكلة حقيقية، فإنه لا ينبئنا بما إذا كنا نعيش في حقيقة الأمر في عالَم "ما بعد الحقيقة"؛ وإذا كان الأمر كذلك، فمن هو الذي ينبغي أن يتحمل المسؤولية عن ذلك. للإجابة عن مثل هذه التساؤلات، يترتب علينا أن ندرس البنية الأساسية للأخبار الزائفة.
يستخدم العديد من الهواة السياسيين مجهولي الهوية ومخترقي مواقع التواصل الاجتماعي الذين ينشئون وينشرون الأخبار الزائفة موقع ريديت (Reddit) للقيام بذلك. فمع استقبال 300 مليون زائر شهرياً، يصبح موقع "ريديت" رابع أكثر المواقع استقبالاً للزائرين في الولايات المتحدة، والثامن على مستوى العالَم، اعتباراً من هذا الشهر.
سوف يجد الزائر العارض لموقع "ريديت" ما يشبه لوحة الرسائل من زمن تطبيقات الإنترنت 1.0، والعامرة بمصطلحات ومختصرات غير مفهومة تقريبا مثل "HH، "و"cucks"، و"centipedes"، و"God Emperor of the Internet"، وكلها رموز يعرفها الأشخاص الداخليون، والتي لم تنشأ بالمصادفة. وهي ترمز على التوالي إلى "يحيا هتلر"، و"منتقدي ما يسمى اليمين البديل"، و"أنصار ترامب"، وبطبيعة الحال، ترامب ذاته.
على الرغم من شعبيته الكبيرة، لا يأتي ذكر موقع ريديت في التغطية الإعلامية الرئيسية إلا عندما تحتدم أكثر محادثاته إثارة للجدال، كما حدث في العام 2008، عندما أطلقت صفحة فرعية على ريديت (أو subreddit تحمل اسم "Jailbait" طُعم السجن) منصة للمستخدمين لتبادل المواد الإباحية الخاصة بالأطفال. وفي أعقاب موجة من الاحتجاجات العامة، حَظَر موقع ريديت تلك الصفحة الفرعية في العام 2011، كما فعل ذلك مرة أخرى عندما انتبه عامة الناس إلى صفحة فرعية أخرى عن مطاردة النساء تحمل اسم "CreepShots".
ومع ذلك، استمر خطاب ازدراء النساء والكراهية في التدفق على الموقع. وفي زي تنكري قبيح يحمل مظهر حرية التعبير، استضاف موقع ريديت صفحات فرعية بعنوان "ضرب النساء"، و"كراهية البدينين"، و"الشمبر" (التي تحرض على العنصرية). وفي الفترة الأخيرة، استضافت صفحة فرعية بعنوان "بوابة البيتزا" أصحاب نظريات المؤامرة الذين يزعمون أن هيلاري كلينتون كانت تدير حلقة إباحية تستخدم الأطفال من مطعم للبيتزا في واشنطن العاصمة. وعندما وصل إدجار ماديسون ويلش، مسلحاً ببندقية ايه آر 15، إلى المؤسسة وبدأ يطلق أعيرة نارية، تحدثت وسائل الإعلام أخيراً، ولكن بشكل عابر، عن الدور الذي يلعبه موقع "ريديت" في تشجيع ظاهرة الأخبار الزائفة.
من جانبه، لا يبدو مؤسس موقع ريديت المشارك، ألكسيس أوهانيان، منشغل البال كثيراً بالمخاطر المحتملة التي يفرضها موقعه على شبكة الإنترنت. فعندما ألقى أوهانيان خطاباً رئيسياً في مهرجان SXSW التفاعلي الشعبي في أوستن بولاية تكساس هذا العام، لم يتحدث عن الخط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. ولم يذكر شيئاً عن الصفحة الفرعية سيئة السمعة على موقع ريديت بعنوان "ذا دونالد"، والتي يؤمها أكثر من 300 ألف مستخدم مسجل، والتي ربما لعبت دوراً بالغ الأهمية في انتخاب دونالد ترامب. وتحدث بدلاً من ذلك عن أحد مستخدمي "ريديت" والذي يسمى نفسه "ألوان مائية قذرة"، وأعلن أن استخدام "أسماء مستعارة" هو السمة المميزة للحرية والخطاب غير الخاضع للرقابة. وخلال جلسة "اسألني عن أي شيء" التي أدارها بعد خطابه، لم يقبل أوهانيان أي أسئلة حول الصفحات الفرعية في موقعه "بوابة البيتزا" أو "ذا دونالد"، أو عن خطاب الكراهية.
من المؤكد أن موقع "ريديت"، ليس الداعم الوحيد لذلك النوع من مجهولية الهوية على الإنترنت، والذي يسمح للمستخدمين بتوزيع خطاب الكراهية والأخبار الزائفة، من دون التعرض لأي عواقب. وهناك أولئك الذين يخشون أن مهمة تنظيف "ريديت" ستفضي فقط إلى دفع المتصيدين إلى العمل سراً تحت الأرض مع مواقع أقل شعبية مثل Voat. ولكن، في حين تتخذ منصات أخرى كبيرة على الأنترنت مثل موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" خطوات لمعالجة هذه المشكلة، يظل موقع "ريديت" مصراً على التحدي.
وقد تساعد حصانة موقع "ريديت" النسبية من الانتقاد في تفسير عدم اكتراثه. فباعتباره واحداً من أكبر عشرة مواقع من حيث عدد الزائرين على شبكة الإنترنت في الولايات المتحدة، يعمل الموقع بمثابة قناة رئيسية للمنافذ الإعلامية، التي تستخدمه لزيادة معدلات مشاهدة صفحاتها، وبالتالي إيراداتها الإعلانية.
كما أن موقع "ريديت" نفسه مملوك لبعض الأسماء المألوفة. فأكبر مساهم منفرد فيه هو شركة أدفانس للنشر، الشركة الأم لشركة Condé Nast؛ ومن بين مستثمرين آخرين في الموقع سنجد مارك أندرسن، وبيتر ثايل، وسام ألتمان، ورون كونواي، وسنوب دوج، وجاريد ليتو، وجوش كوشنر، شقيق كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنر. ومن المحزن أن لا أحد من هؤلاء المستثمرين من ذوي المستوى الرفيع يبدي أي اعتراض على استضافة موقع "ريديت" لصفحات فرعية بعناوين مثل "القومية البيضاء"، و"الاغتصاب مرح"، و"حرق الأطفال"، و"جثث الإناث الظريفات"، وما إلى ذلك.
في واقع الأمر، تشكل الأخبار الزائفة مجرد عرَض فقط من مشكلة أكبر. فمع انخفاض عائدات الإعلانات، تبحث المؤسسات الإعلامية في يأس متزايد عن فرقعات. ولا يتردد أغلب القراء في مشاركة أو إعادة نشر التغريدات الرئيسية التي تدعم تحيزاتهم ومعتقداتهم الخاصة. ولا تبالي شركات التكنولوجيا بكل هذا بزعم أنها "مجرد منصات"، في حين تجني الأرباح من حركة المرور التي تجلبها الأخبار الزائفة.
وإذن، ماذا يفعل مستهلكو الأخبار لمقاومة الأخبار الزائفة؟ بادئ ذي بدء، ينبغي لنا أن نطالب المنافذ الإعلامية الجديرة بالثقة بتجنب السماح لمواقع مجهولة الأسماء مثل "ريديت" باستضافة محتواها. وينبغي لنا أن نفرض المزيد من الضغوط على شركات مثل "أدفانس للنشر" لدفعها إلى تحمل المسؤولية عن المواقع التي تملكها وعما يحدث فيها.
في المقام الأول من الأهمية، يعني كل هذا ضرورة التراجع عن ثقافة مجهولية الأسماء الرقمية التي تسهل خطاب الكراهية والتضليل. وينبغي أن تلزم المنصات الرقمية أولئك الذين يعتنقون الأفكار ويتبادلون المعلومات بالتوقيع بأسمائهم الصريحة على مخرجاتهم. فالأسماء المستعارة تصلح فقط لكتاب الخيال.
 
*يدرس ظاهرة الأخبار المزيفة كعضو في "تيد ريزيدنسي" في مدينة نيويورك. وهو مؤلف "أمة التعافي"، ومخرج "7 أيام في سبتمبر"، وهو فيلم وثائقي عن العالم بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات