عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Mar-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظلهّ ...! مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الثامنة عشرة
الراي - السفر إلى باريس: لم يقدم تحسين قدري مادة وافية لمرافقته للأمير فيصل إلى باريس لحضور مؤتمر « فرساي « ، ولكن ملحوظاته القليلة كانت مباشرة ، باعتباره كان المرافق الخاص للأمير ،ومن المؤسف  انه توقف عند هذه المرحلة ، ولم يستمرّ في سرد ما علق بذاكرته للمرحلة اللاحقة لخروج الملك فيصل من دمشق بعد معركة ميسلون ، وبالمقابل ، فقد كانت مذكرات الدكتور احمد قدري الذي رافق الأمير باعتباره طبيبه الخاص أولا ، والمقرب من جماعة العربية الفتاة التي تحولت إلى حزب الاستقلال كما هو معروف ، وهو أيضا يعرف الفرنسية بطلاقة وعاش ودرس في باريس ، لذا سنستعين بمذكراته إلى جانب ما ذكره تحسين قدري.
يقول الدكتور احمد ( ص 89 – ص 90 ) :( لم تطلّ إقامة الأمير بحلب ، إذ وصلت إليه برقية من والده الملك حسين ليمثله في مؤتمر فرساي ، ضاحية باريس المشهورة ، فاعتذر فيصل بادئ ذي بدء عن قبول هذه المهمة ، لأنه ليس لديه نصوص العهود المعطاة لوالده من بريطانيا بشأن استقلال البلاد العربية التابعة لتركيا بعد انتهاء الحرب ، فأرسل إليه الملك حسين يقول له بأن نصوص هذه العهود موجودة في وزارة الخارجية البريطانية ، فلا حاجة لإرسال نسخة عنها إليه ، لأن هذه الأمور السياسية تحل بسهولة ، والعهد والمراسلات السياسية لا يمكن مخالفتها أو تحوير مفهومها -وقد وقعت المخالفة فعلا عندما طلب فيصل من رئاسة الوزراء عند وصوله إلى لندن بتنفيذ العهود المقطوعة للعرب–أي أن تحقيق ما تم الاتفاق عليه مع بريطانيا هو في نظر الحسين من الأمور المسلم فيها شأن عهد يعطيه هو ، ولا يدور في خلده أبدا عدم البرّ فيه.. فاضطر فيصل لقبول المهمة ، وأناب عنه أخاه زيد لرئاسة الدولة..) في الطريق إلى باريس :
وضع تحسين قدري ملحوظات صغيرة دون أن يستكملها ، ويبدو أنها كانت حواشي للتذكير فقط ، لكن المؤسف أنه لم يتناولها ، ومنها قوله عن الترحيب الكبير الذي لاقاه الأمير فيصل ببيروت وهو في طريقه إلى باريس ، حيث رفعت عربته على الأكف ، ونزل في بيت سرسق ، وبالمقابل تحدث احمد قدري عن وصول الأمير من حلب إلى طرابلس عن طريق حمص ، وفي طرابلس استضافه عبد الحميد كرامي مفتي طرابلس وزعيمها ، وكانت جميع الخطب التي ألقيت في طرابلس ترمي إلى أن طرابلس جزء لا يتجزأ من سورية ، وأنها ميناء سورية الطبيعية ، وأنها أنابت الأمير عنها في تحقيق ذلك..)
وتابع احمد قدري وصول الأمير إلى بيروت ، والتي اختصرها تحسين قدري بحمل سيارة الأمير على الأكف ، يقول احمد قدري: ( ووصل الأمير إلى بيروت في 19 تشرين الثاني سنة 1918 م ، واستقبله الشعب البيروتي ورجالاته بحفاوة بالغة ، وكان قائد الفيلق الحادي والعشرين البريطاني الجنرال « بولفين « في مقدمة مستقبليه ، وأبلغه انه أعدّ له قصر سرسق الكبير الذي يسكنه لينزل فيه ، وهرعت رجالات دمشق لبيروت لوداعه ، وزودّ حكومة دمشق بتعليماته.).
يقول تحسين قدري: ( تحركنا إلى مرسيليا على ظهر طراد اسمه جلوسستر ، وكان بمعية الأمير نوري السعيد كرئيس مرافقين ، ورستم حيدر رئيس الديوان ، وفايز الغصين سكرتير خاص ، وأخي الدكتور أحمد قدري..) ويوضح الدكتور احمد قدري بأنه ( لما كانت القيادة الحليفة العليا في سورية بريطانية ، فهي التي قامت بتدبير رحلة الأمير وفق تعليمات لندن ، فلم يرق ذلك لفرنسا ، واحتجت لدى الملك حسين على عدم أخذ رأيها في ذلك ).
كان استقبال الأمير في مرسيليا يوم 26 / 11 / 1918 م رسميا ، شاركت فيه السلطات المدنية والعسكرية ، ولاحظ أحمد قدري أن الحكومة الفرنسية وضعت الخطة لاستقبال الأمير فيصل بصفته أميرا حجازيا ونجل ملك الحجاز الذي اشترك في الحرب مع الحلفاء ،وأنه في زيارة لفرنسا... وليس باعتباره جاء إلى مؤتمر السلام ليشترك فيه كقائد عربي حليف دخل سورية دخول الظافرين على رأس جيشه مع الجيش البريطاني ، وأن له اليد الطولى في انتصارات الجنرال اللينبي في جبهة فلسطين...
وكانت الخطة التي اتبعتها الحكومة الفرنسية إحاطة الأمير بجميع مظاهر التكريم والتبجيل بغية التأثير في نفسه.. ثم إقصاؤه عن الاشتراك في مؤتمر الصلح في فرساي ممثلا للعرب في المؤتمر ، فأعد لسموه صالون خاص أقله وحاشيته إلى ليون ليزور الجبهة الغربية ، واستقبل في ليون في 27 تشرين الثاني من عام 1918 م استقبالا عسكريا ، وكانت جنود الخيالة بأبواقها تحييه من المحطة حتى فندق «ترمينوس « الكبير  الذي نزل فيه... وكان سموّ الأمير بارتدائه الملابس العربية ، وعلى رأسه الكوفية والعقال ، بوجهه السموح المستطيل ، يوحي إلى كلّ من يشاهده بنبله وسموّ وجاهته ، ويستميل إليه الأفئدة والقلوب ، بل إن كثيرا من رجال الغرب المرموقين راح يشبهه بالسيد المسيح..!. وسافر من ليون مساء يوم 30 تشرين الثاني ووصل إلى ستراسبورغ ، وهناك قلدته الحكومة الفرنسية وسام « الليجيون دونور « جوقة الشرف الأكبر « باحتفال عسكري مهيب..وكان الغرض من كل هذه الاحتفالات وفقا لتعليمات وزارة الخارجية الفرنسية ، ليكون الأمير بعيدا عن باريس التي سيفتتح فيها مؤتمر السلم..!»
يقول تحسين قدري مرافق الأمير الخاص واصفا هذه المرحلة: (لقد استقبل الأمير فيصل كأمير حجازي ، وفرنسا كانت تعارض كثيرا دخول الأمير مؤتمر فرساي ، وطلبت من لورانس ترك فرنسا ، فغضب لورانس كثيرا وذهب محتجا إلى لندن ، وعندما ذهبنا إلى لندن ونزولنا في فندق « كارلتون» ذكرت للورانس هذا وكنت قلقا للغاية :
أين وعودك يا لورانس..؟ أهذه هي نتيجة كفاح العرب معكم..؟
فأجابني: إن الأمير سيدخل مؤتمر السلام ، هذا إذا كان للحكومة الإنجليزية وجود..!
الأمير فيصل يتنبه لموقف فرنسا منه:
يقول تحسين قدري متابعا موقف الحكومة الفرنسية من حضور الأمير فيصل لمؤتمر فرساي:
( أكثر الفرنسيون من الاحتفال بالأمير الحجازي ، وفكروا أنهم يؤثرون عليه كما كانوا يفعلون مع « باي تونس « ويقيمون الولائم الراقصة « باي « من أجمل حسان باريس ، ويقدمون الشمبانيا وغيرها من الإغراءات ، ولكن خاب أملهم في هذه السياسة مع الأمير فيصل ، فعندما أقاموا له حفلا في بلدية باريس ، وبعد رقصة الباليه ، كانت العادة أن البنات الراقصات يدخلن قاعة الاحتفال ، ويقدمن إلى المحتفى فيه ، وهو يلاطفهن ويشرب مع من يستحسن منهن ، وكان بمعيته مندوب الخارجية « غو « وابن غبريط ، والكابتن بيزاني ( وهو جزائري فرنسي ، وكان آمر بطارية الجبل الصغيرة الفرنسية في القوة النظامية بالحجاز ، وألحق عمدا بالقوة العربية مؤخرا رمزا للقوة الفرنسية ، لكي يقال أن الفرنسيين اشتركوا في الاستيلاء على سورية ولبنان ) وفي الاحتفال ، نهرني الأمير وقال لي بغضب :
- هيا لنخرج ونذهب من هنا..! هل يظن الفرنسيون أنني جئت إلى هنا للتمتع بالراقصات والونسه..؟ لا..! إنهم يخطئون إن كانوا يعتقدون هذا...!
وكان وجه الأمير يرتجف غضبا ، و مشاعر الاشمئزاز تبدو على محياه ، وتركنا الحفل وسط صدمة الحضور..!
الذهاب إلى لندن قبل فرساي:
كان كليمنصو قد اتفق مع لويد جورج تأييدا لاتفاق سايكس – بيكو أن تتنازل فرنسا لبريطانيا عن الموصل التي كانت حسب الاتفاق منطقة نفوذ اقتصادي فرنسي ، لقاء تأييد بريطانيا لمطالب فرنسا في سورية.. وهذه الاتفاقيات كانت سرية ولا يعرفها العرب ، ومع أن الأمير فيصل قابل رئيس الجمهورية المسيو كليمنصو، لكنه بالطبع لم يكن يعلم بهذه الاتفاقات السرية التي وضعت بين الحلفاء لاقتسام المشرق العربي تبعا لاتفاقية سايكس وبيكو سيئة الذكر..!.
يقول تحسين قدري ملخصا موقف الأمير فيصل الصعب في تلك الفترة وهو يرافقه:
( الغريب أن الأمير في باريس لم يرق له زمن إلا واشتغل فيه ، ولم يؤثر عليه ظرافة باريس وحسانها ومعالم المدنية فيها ، فكان كلّ همه كيف يتمكن من إفهام الغرب والأمريكان عن مطالب العرب الحقة في نيل استقلالهم من بعد ثورتهم الكبرى ، وقرر فيصل الذهاب إلى لندن للاتصال بالبريطانيين واخذ الوثائق التي كانت معقودة بينهم وبين والده الملك حسين ، وفي 9 كانون الأول من عام 1918 م ، ذهبنا إلى بولوني ومنها إلى دوفر ، وجاء لورانس ليكون بمعية الأمير ، واستقبل استقبالا رسميا ، ونزلنا ضيوفا في فندق كارلتون ، وقابل الأمير الملك جورج الخامس بلباسه العربي ، وكان لورانس بلباس عربي ، إن لورانس كان يحب الظهور والشهرة ، ولكن بدون أن يظهرها هو نفسه ، ولقد طالب الأمير الحكومة البريطانية بصور عن عهودها للملك حسين ، وكانوا يماطلون ، ولم يجيبوه لطلبه... وفيما بعد اتصل الأمير بالرئيس ولسون وهيوز ، ليساعدوه في مطالبه..) ويحلل تحسين قدري حال الأمير يومها بقوله: ( كان الأمير فيصل بين مشاكل جمة ، أولها فرنسا وطلبها أخذ الانتداب على سورية ، ثم إنجلترا ووجودها في فلسطين ، ثم الدخول لمؤتمر الصلح ، ثم نكوث الإنجليز لوعودهم المقدمة للملك الحسين بن علي ، وفي الحقيقة فإن الإنجليز والأمريكان رغبوا في إرضاء اليهود ، حيث أنهم هم الذين ساعدوهم ماليا في كسب الحرب العالمية الأولى ، وكان الأمير فيصل يعلم بما يضمره اليهود ، ولكنه أراد أن يستفيد من هذه المناورة السياسية ، ويضع أساس لفكرة القومية العربية واستقلال البلاد العربية ، لئلا يخسر العرب ما جنوه من نتائج الحرب العالمية الأولى ).
ومع كلّ هذه المواقف السياسية التي لم يكن أمام الأمير أي فرصة لتجاوزها ، لأن دهاليز السياسة الغربية في تلك الأثناء كانت غائبة عن كلّ العرب ، إلا أن الدكتور احمد قدري يشهد بأن ( من الإنصاف أن نقول بأن بريطانيا ساعدت سموّ الأمير على دخول مؤتمر السلام بتعضيد من أمريكا ، وعلى منح الحجاز والعرب حق الاشتراك فيه بممثلين عوضا عن ممثل واحد ، كما كان يطلب الأمير ، وذلك برغم مقاومة فرنسا الشديدة لذلك ).
مؤتمر فرساي:
عاد الأمير إلى باريس ، في 6 كانون الثاني من عام 1919 م ، وكان عوني عبد الهادي خريج باريس قد التحق بالعمل لدى الأمير وأصبح ممثلا للحجاز في مؤتمر فرساي ، يقول تحسين قدري مستذكرا نزولهم في باريس: ( استأجرنا فيلا 72 في أفينيو دي بولوني وكنت أنا بقربه في الطابق الأول ونوري السعيد في الطابق الثاني ، وكنت المسئول عن تنظيم الإعاشة ، وتم استئجار دار في « روسيبونتيني « سكن فيها رستم حيدر وعوني عبد الهادي وأخي أحمد ، ثم ألحق بمعية الأمير الأستاذ أمين الكسباني وهو لبناني الأصل من قرية كفر شيما في لبنان ، وكان في المهجر بأمريكا ، وهو من الوطنيين العرب الذين آمنوا باستقلال الأمة العربية ، ويجيد اللغة الإنجليزية والفرنسية والعربية ، إن سياسة الأمير فيصل كانت تميل إلى اتحاد جميع العرب بدون أي تفرقة في ديانتهم ، وعلى الأخص لإخراج لبنان من سيطرة واستعمار فرنسا وإدخالهم الحظيرة العربية..)
هذا تحليل طيب لموقف الأمير فيصل القومي ، كان همه تحقيق استقلال العرب ، وإسماع صوتهم وللمرة الأولى للعالم بعد أن حجبته الدولة العثمانية طوال أزيد من أربعة قرون طوال.
عوني عبد الهادي في باريس مع الأمير فيصل:
وحتى نستكمل الصورة وافية ، ولأن عوني عبد الهادي سجلّ في مذكراته ( عام 1966 م ) بعض ما علق في ذاكرته عن هذه الفترة ، فسنعود إلى مذكرات عوني عبد الهادي لأنه كان قريبا من الدكتور احمد قدري ورستم حيدر ، يسجلّ عوني عبد الهادي الذي كان قد تخرج من كلية الحقوق في السوربون عام 1914 م ، وبقي في باريس بسببنشوب الحرب  العالمية الأولى ، كيف تعرف إلى الأمير فيصل في باريس ، وشارك في مؤتمر فرساي بصفته مندوبا عن الحجاز ، ووصف مقابلات الأمير فيصل في باريس ولندن ، لأنه رافقه وترجم له ، باعتبار الأمير فيصل لا يعرف الفرنسية ولا الإنجليزية ، يقول عوني عبد الهادي:
( :: كنت أطبع على الآلة الكاتبة آخر صفحات كتاب « مقدرات تركية التاريخية « وإذا بطرقعلى باب  غرفتي في أحد البنسيونات الواقعة في الحي اللاتيني ، وهو الحي الذي يجمع اكثر جامعات فرنسا كالسوربون والطب والحقوق ، وكان يسمى دماغ فرنسا المفكر ، لأن فيه يتعلم جيل فرنسا الصاعد ، فتحت الباب وإذا بالسيدين رستم حيدر والدكتور أحمد قدري يعانقاني عناقا حارا ، وقد جمعتني بهما أواصر الصداقة القوية التي شبت معنا عندما كنا نتعلم سويا في استامبول ، واللذين حضرا معي إلى باريس لإتمامدراستهما بعد ذلك ،  الأول في دار العلوم السياسية ، والثاني في جامعة الطب ومن مؤسسي جمعية العربية الفتاة ، وقالا لي: ( قم فيصل حضر وهو في فندق كونتيننتال ) واصطحباني إلى فندق الكوننتال الذي استضافت فيه الحكومة الفرنسية سموّ الأمير ليقدماني لسموه ، وحتى هذه اللحظة لم أكن أعرف عن فيصل سوى أنه ابن الشريف حسين ، وانه قام مع والده بالثورة العربية ضد تركيا ، وأنه رجل شجاع ، وأبلى بلاء حسنا في الحرب..).
لقاء عوني عبد الهادي بفيصل في باريس: يقول عوني عبد الهادي واصفا هذه اللحظات التاريخية في حياته: ( وما أن وصلنا فندق الكونتيننتال حتى استأذن أحمد قدري سموّ الأمير لي بالمقابلة ، فمثلت بين يديه ، سمعت الدكتور أحمد قدري يقول لسموه: « أقدم لسموكم السيد عوني عبد الهادي الذي طالما حدثتكم وحدثكم السيد رستم حيدر عن أخلاقه الحسنة ومواقفه الوطنية الطيبة وهو من مؤسسي حزب الفتاة « فتبسمّ سموه ، ومدّ يده ليصافحني ، فتلقفت يد سموهّ بحرارة وسمعتني أقول له: « أحمد االله كثيرا يا سيدي الأمير أن أنعم عليّ بلقاء سموكم الذي كنت أتوق إلى التشرف فيه منذ بدء حركة ثورتكم المباركة ، لأحظى بشرف خدمتكم والجهاد في سبيل خدمة وطننا العزيز «.
وكان سموه جالسا بكامل لباسه الرسمي: السترة الاستامبولية والعباءة العربية والكوفية والعقال ، وفي وسطه الخنجر الذهبي ، وكان يحيط بسموه رجال وفده:
الجنرال نوري السعيد ورستم حيدر ومرافقه تحسين قدري ، أخو الدكتور أحمد قدري ، وهم بكامل لباسهم ببذلاتهم الرسمية والكوفية والعقال على رؤوسهم ، والجميع سكون كأن على رؤوسهم الطير ، وقد تكرم سموه فأجلسني بجانبه وسألني عن حالتي في باريس ، فأخبرته بما أنا فيه ، ثم سألني عن موقف فرنسا من قضية العرب ، فحدثته بإيجاز عما أعرفه عن البلاد وسياستها ، وقلت لسموه: ( إن الفرنسيين لا يقرأون في الغالب إلاّ لصحف الفرنسية ، وهذه الصحف كلها وبدون استثناء ، تضلل الرأي
العام في كل ما تكتبه عن سورية أو الجزائر وتونس والمغرب ، حتى طلاب الجامعات في فرنسا يعتقدون أن العرب مجموعة من البشر يعيشون عيشة أهل القرون الوسطى أو قبل هذه القرون ، وأن فرنسا لم تحتل الجزائر وتونس والمغرب إلا لمصلحة أهل هذه البلاد ، وأنه ليس لها هي أي مغنم سوى رفع مستوى البلاد المتخلفة ، وإدخالها في صفوف البلاد المتحضرة ، واليوم فإن فرنسا تحلم في ضمّ سورية والتحكم في مصيرها على الشكل الذي تتحكم فيه في مصير بلاد المغرب ، الجزائر وتونس والمغرب..). فقاطعني سموه وقال: ( ولكني أظن أن موقف فرنسا هذا من البلاد العربية قد تغير بعد أن خاض العرب الحرب معها في سبيل استقلال بلاده ) فقلت لسموه:
( ولكني أخشى يا سموّ الأمير أن لا يكون في مقدور فرنسا نفسها التخلي عن سياستها الاستعمارية ، هذه السياسة التي اعتنقتها منذ عشرات السنين....)..
يتابع عوني عبد الهادي في مذكراته تفاصيل لقاءات الأمير فيصل بباريس قبل فرساي ، وقد انضم عوني عبد الهادي للوفد ، حيث أخبره صديقه رستم حيدر بأن ( سمو الأمير أنشأ مكتبا ليقوم بالأعمال اللازمة في مؤتمر السلم ، وقد عينك رئيسا لهذا المكتب..!
) أو ( رئيسا لقلم الوفد الحجازي ) وسلمني مفتاح أحد أجنحة الفندق المخصصة لي ، وكان فندق الكونتيننتال الذي استضافت فيه الحكومة الفرنسية سموه والوفد المرافق له من الدرجة الأولى بين فنادق باريس ، وكنا نحن سكان الحي اللاتيني ، حي طلاب الجامعات ، لا نعرف هذا الفندق إلا من خارجه لعدم استطاعة أمثالنا الدخول إليه لنفقاته الباهظة...! )
وهكذا أصبح عوني عبد الهادي أحد مؤسسي جمعية العرب الفتاة ، وخريج كليةالحقوق في باريس ، ممثلا للوفد الحجازي في مؤتمر فرساي ، وهو اختيار ذكي من الأمير فيصل الذي لا يعرف باريس ولا اللغة الفرنسية ، ويحتاج إلى وفد محنك في القضايا الحقوقية ، وكانت هذه المواصفات تتوفر في عوني عبد الهادي ، الذي توسع في مذكراته أكثر من تحسين قدري بتناول التفاصيل التي أجملها تحسين قدري في مذكراته ، فكيف وصف عوني عبد الهادي فيصل بن الحسين في باريس..؟
الأمير فيصل في باريس حسبما وصفه عوني عبد الهادي:
يقول عوني عبد الهادي: ( ما أن وصل سمو الأمير فيصل إلى باريس في أوائل شهر كانون الأول / ديسمبر من عام 1918 م ، حتى رأت عيناه ما لم يكن يتوقع أن يراه ، رأى عالما أكبر.. يعج بالناس ، ورأى فندق الكونتيننتال مليئا برجال السياسة الذين جاءوا لباريس ليمثلوا حكوماتهم في مؤتمر السلم.. ورأى نفسه الرجل الوحيد والغريب وسط هذا العالم الذي يختلف هو عنهم في كلّ شيء.. في لسانهم ولباسهم وطباعهم ، ولم يكن يعرف في ذلك الزمن أية لغة أجنبية غير التركية وقليل من الفرنسية ) ويضيف أيضا: ( كانت تجاربه في المسائل السياسية وخاصة فيما يتعلق بسياسة الغرب محدودة في ذلك الحين ، كما أن زيارته لأوروبا في أواخر عام 1918 م كانت الأولى من نوعها.. كل ما كان يعرفه أن والده خاض الحرب مع الحلفاء لتخليص البلاد من الحكم التركي ، وأن والده أرسله إلى باريس لتمثيله في مؤتمر السلم..
كان « الملك « فيصل ذا ذكاء فائق وقابلية كبيرة لتفهم وإدراك ما يراه ويسمعه ، وله قابلية عظيمة على التطور السريع في كل شيء ، لقد جاء باريس بدويا وعريقا بالبداوة ، يتسم بأخلاق أمراء الصحراء ، الذين يرون الناس دونهم وعلى كل من يجالسهم أن يتأدب في مجالسهم ، فلا يتكلم إلا همسا ، ولا يضحك القهقهة ، ويبالغون في المراسم حتى أنهم لا يسمحون لحاشيتهم أن يدخلوا عليهم حاسري الرؤوس وبغير ألبستهم الرسمية ، وما كان ليشذ أحد عنهم في باريس غيري وذلك لسبب بسيط ، وهو أني لا أملك آنذاك سوى البرنيطة..).
هذه مقدمات تساعدنا في متابعة مذكرات الدكتور أحمد قدري وتحسين قدري.. نتوقف هنا ونترك التفاصيل في مؤتمر فرساي إلى الحلقة القادمة .. فإلى اللقاء .
 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات