عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2018

التجريب وسؤال الجسد في «احتراق جسدين» للمغربي عماد الورداني

 القدس العربي-محمد الفهري

لعل الفاصل الزماني بين المجموعة الأولى «عطر الخيانة» (2013) والمجموعة الثانية «احتراق جسدين» (2018) كان كافيا بالنسبة للقاص المغربي عماد الورداني ليعيد النظر في كثير من الأشياء المتعلقة بالكتابة، وكفيلا لتطوير الرؤية القصصية عنده، إذ نلاحظ نزوعه إلى التجريب بكيفية أعمق من التجربة الأولى التي اشتغل فيها على موضوع الروائح، فنصوص هذه النصوص تتبدى للقارئ متمردة أشد ما يكون التمرد على القواعد الكلاسيكية في كتابة القصة القصيرة، وتبني أفقا جماليا جديدا يعتمد على تعدد المرجعيات، والانفتاح على الثقافة العالمية بتياراتها المختلفة ومتخيلها السردي المتنوع، كما يسعى إلى صوغ نصوص مقلقة وماكرة، وإن ارتكز موضوعها على نواة دلالية موحدة. أضف إلى ذلك أنه استطاع أن يشتغل على موضوع الجسد بوعي جديد وبأسلوب متفرد ومختلف. ففي الأقصوصة الأولى «احتراق جسدين»، التي اختار القاص عماد الورداني اسمها عنوانا للمجموعة كلها، نجده يوظف ضمير المثنى، وهو أمر نادر، إذ قلما يعثر القارئ على نصوص سردية يختار فيها أصحابها هذا الضمير الذي من وظائفه أنه يحقق إيقاعا خاصا داخل النص، ويدل على فاعلين مخفيين يتقاسمان الفعل، وهما البوذي ذو الرأس الأصلع والهندوسية ذات الجسد المشوّه. وقد نشأت بينهما وشائج حميمة، غير أنهما سيعانيان من الإقصاء والمحاصرة والرفض من لدن (أوف) الذي ينتصب داخل المحكي، باعتباره علامة على الضجر والحنق والغضب، وبصفته رمزا للرقابة والهيمنة وكل ما هو مطلق. 
وتنتهي الأقصوصة بمشهد مريب، بحيث سيلجأ البوذي والهندوسية إلى معانقة بعضهما بعضا وإضرام النار في جسديهما وسط المدينة وأمام أعين أوف، الذي ظل يراقب احتراق جسديهما الملتحمين وتآكلهما وتلاشيهما، ليعقب ذلك غرق المدينة من جراء الأمطار، كأن النص يطرح بشكل درامي جسد الأقليات والتهامه من قبل الثقافة المكرسة التي تسعى إلى كسر المقاومة وإخضاعها لهيمنة الجسد المكرس. 
ويبدو أن عماد الورداني قبل أن يكتب قصصه يقوم باستجماع المادة التي سيشتغل عليها من الموسوعات العلمية والبرامج المتخصصة، مثلما هو الشأن في أقصوصة «كأنها لسان مشقوق» التي قام فيها ببحث حول حيوات الأفاعي ليتعرف على الأمور المتعلقة بطريقة عيشها وأكلها واستراحتها وتوالدها وغير ذلك. وقد أسند الكاتب للأفاعي مهمة فعل السرد، فهي التي ستقوم بحكاية الوقائع، بحيث سيوزعه بشكل متناوب بين الأفعى الذكر والأفعى الأنثى والبيضة التي فقست، وإن كان سيحصل بعض التداخل بالنسبة للقارئ في النهاية، بحيث سيختلط عليه في النهاية أمر من يسرد الحكاية؛ هل هي البيضة أم الأفعى؟
استطاع عماد الورداني من خلال هذه الأقصوصة أن يوظف استعارة كبرى متمثلة في صورة الأفعى، التي يمكننا أن نقول إنها تختزل الصراع البشري برمته، كما تبين القصة كيف يتم تدمير الكائن الحي وتحوله إلى شيء أو بضاعة، وبالتالي تلمح من خلال مجموعة من العلامات الترميزية إلى التناسب الموجود بين الولادة والموت. 
وفي أقصوصة «جسد يتلاشى» يعالج الكاتب مسألة الذاكرة الرقمية، مقابل الذاكرة الخاصة، وهو يراهن في حكيه على الذاكرة الخاصة لكونها تحافظ على المعنى، بينما تتعرض الذاكرة الرقمية إلى التلاشي، ولا يتبقى لها أثر. أما في أقصوصة «جسد برأسين» فيثير قضايا الصراع الداخلي من قبيل الجسد والروح، أو الخير والشر أو الحقيقة والوهم أو الله والشيطان أو الرغبة وقمع الرغبة، وغير ذلك من الثنائيات المتقابلة… ومن المفارقات الطريفة في هذه الأقصوصة فقدان سعيد للسعادة، رغم أن اسمه يرتبط بهذه الصفة، ومطاردة لعنة عبارته التي كان يرددها السارد «أنا السعيد برأسين»، ليصبح هو الآخر عند خاتمة الأقصوصة يردد العبارة نفسها، وبذلك يخلق القاص تشاكلا بين المرايا وتقابلا بين من هو سعيد بالجسد ومن هو سعيد بالروح. 
ونجده في قصص أخرى يثير بعض القيم ذات المنحى الوجودي مثل صنيعه في أقصوصة «لذة القبر» التي تطفح بمثل هذه القيم كقيمة الموت والحياة، فالموت يستحيل تجريبه، بل إنه يعاش وهو في هذا يشتغل على فكرة هيدجر القائلة بأن الموت هو آخر لحظة يعيشها الإنسان ولا أحد يعيشها بدلا عنه.
والسرد الموظف في هذه المجموعة ليس بسيطا، بل ينحت في الموروث الثقافي، ويسعى إلى ابتداع شكل شديد غير مفكر فيه، ففي أقصوصة «مسودة الحلاج» سيحاول الكاتب بناء معارضة سردية على غرار المعارضات الشعرية من خلال محاكاة بعض الملفوظات التي نعثر عليها في مدونة الحلاج، بحيث سيرجع القاص عماد الورداني إلى مكتبة هذا المتصوف الكبير ليقتطف منها بعض الشذرات التي تتناول الجسد بمفهومه الروحاني، ثم ليقوم – بعد ذلك- بإعادة تركيبها من جديد في إطار سرد يحاور نصوصا قديمة ويحاكي لغة التصوف، وينبني على التناص. كما نلمس عشق الكاتب النبش في تفاصيل الأشياء، التي قلما يُفكر فيها لأن تكون موضوعا للحكي، مثل أقصوصة «وكرهت المظلة» التي اختار لها المظلة كفاعل دينامي يدور عليه موضوع القصة برمتها، لما تتميز به من انفتاح وانغلاق كانفتاح الشكل وانغلاقه أو انفتاح الدلالة وانغلاقها، وقد تتحول المظلة من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة الرمزية، ما يستدعي من القارئ أن يساهم فعل الكتابة للقبض على الرؤية القصصية التي يرومها الكاتب في تجربته.
وفي أقصوصة «سأكون ما أريد» سيوظف القاص أسلوبا يعتمد على الفانتازيا، ويتمثل ذلك في خروج البطل من قبره وعودته إلى الحياة مجددا، حاملا رؤية جديدة، متمردا على كل نظام عهده في حياته الأولى. وهذا التحول يقابله على مستوى الشكل تمرد الكاتب على طريقة الكتابة القصصية وتكسيره لذاك المنطق المتحكم في بنائها، بحيث نراه يصنع زمنه الخاص الذي يتحرر من تلك العلاقة الخطية بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما أنه سيجعل لحظة التنوير في النهاية لا تحقق التوازن الذي كان مفتقدا في وسط الحكاية، بل سيعكس هذا المبنى الحكائي، بحيث سنلفي الحكاية تستعيد توازنها في وسطها وتفتقده من جديد في نهايتها. 
بعد هذا لا بد من الإشارة إلى ما تنماز به هذه المجموعة القصصية من دقة لغتها وعمق دوالها، فالكاتب يوظف لغة انزياحية، غير أن ذلك لا يخل بالبناء السردي، ولا بالحكاية بفعل اللغة الشعرية، بل يجعل النص منفتحا على تعدد القراءات والتأويلات، ولعل هذه الاستراتيجيات هي ما تضمن تميز المجموعة وانفرادها بخطاب جمالي يهدف إلى بناء رؤية قصصية تتخذ من التجريب الواعي والممتلك لأدواته أساسا لها، فالترحيب الذي تمارسه المجموعة يزاوج بين ما هو شكلي وما هو دلالي، ولعل ذلك ما ضمن للمجموعة القصصية تميزها ضمن المشهد القصصي.
«احتراق جسدين»: عماد الورداني، منشورات فاصلة، طنجة، 2018
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات