عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jan-2018

شاكر عبدالحميد يفكك رمزية محمد عفيفي مطر

 الحياة-محمود قرني 

لم تكن رمزية الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر تنتمي إلى عالم المثال، الذي يستند إلى التصورات الأفلاطونية في إنكار عالم الموجودات الحسية، بل كانت تقف في بؤرة التعيين والتجسيد؛ غير أنها لم تكن تعبر فقط عن كونها تاجاً مِن الالتباسات وميراثاً لغموض الأشياء ذاتها، بل تبدو أكثر صموداً وحضوراً كلما وجدت نفسها في معترك الرؤية وجوهر زمنها الخاص، حيث يكتشف الشاعر نفسه في علاقة الكلمات بالأشياء، والأشياء بالكلمات ضمن تعريفات قاسية ومركبة لواقعه المرئي واللامرئي على السواء. ظل عفيفي مطر، المشغول بتسمية أشيائه، أكثر تلمساً لمستويات مِن اللغة التأويلية الأكثر نهوضاً بعمليات الاستبطان، والتي تبدو أحياناً وكأنها خروق تقتفي أثر نفسها فحسب.
 
وهو أمر على تأثيره الواسع في الشعريات المجاورة، لم يصادف القراءة النقدية اللائقة، لأن اندفاعات مطر في حمى ابتكار عالمه وتسمية أشيائه وابتكار أجنحة لمعانيه؛ لا يعبر فقط عن الخروج المطلق على السائد والمستقر، بل يعبر أيضاً عن الرغبة المقيمة في تأكيد قناعته بمفهوم وظيفي للشعر، عبر تصورات منحدرة من أشد مفاهيم الالتزام وطأة، لاسيما إذا كان مطر يصبو في كل نص إلى استقطار كل الالتباسات الممكنة من «حجر الفلاسفة»؛ الذي كلّل غباره مجمل مشروعه الشعري. وكان الغوص خلف أسرار هذا الحجر اللعين واحداً من تصورات شاكر عبد الحمديد في تفكيك شعرية مطر، عبر كتابه المهم «الحلم والكيمياء والكتابة في عالم محمد عفيفي مطر» (منشورات بتانة).
 
 
 
فكرة التخييل
 
تتأتى أهمية الكتاب من حشده أدوات متعددة الوظائف لقراءة النص الشعري، متجاوزاً في ذلك معظم القراءات التي تناولت نص مطر كنص لغوي فحسب. فشاكر عبد الحميد هو مِن أبرز أساتذة علم نفس الإبداع في مصر والعالم العربي، وأصدر عدداً من المؤلفات المهمة التي قدّمت تصورات متماسكة حول النقد الثقافي وما بعد الحداثة مستخدماً في ذلك أدوات التحليل النفسي والفلسفي مثل «الفن والغرابة»، «الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب»، «عصر الصورة»، «الأدب والجنون»، «الحلم والرمز والأسطورة»، إضافة إلى الكثير مِن الترجمات التي تبدو استكمالاً لمشروعه النقدي مثل «الأسطورة والمعنى» لكلود ليفي شتراوس، و «الدراسات النفسية للأدب» لمارتن لنداور.
 
يدعونا عبد الحميد في البداية للتوقف أمام فكرة التخييل التي عزّزت مفهوم التركيب في نص مطر، وذلك من واقع قناعته بأن «الشعر هو الوسيلة الأكثر فاعلية في التعبير عن الأحلام والانفعالات والهواجس في وعي الإنسان ولا وعيه». لكن التخييل الذي يقصده هنا ليس مرتبطاً بالمعنى الأرسطي الذي يعني درجة من درجات مفارقة الواقع، بل هو يمثل نوعاً مِن الجمالية المتشظية التي وصفها كانط بأنها تمثيل لذلك النموذج الذي يحلو لنا على غير تصور؛ أي على غير مثال. وسيكون تقسيم شاكر لكتابه شديد الدلالة على طبيعة قراءته. فعبر سبعة فصول ومقدمة وخاتمة قدّم لنا شعرية مطر؛ «باب الكدح النبيل، باب الصمت، باب الرعب، باب الأشباح، الأحلام، الكيمياء، الكتابة».
 
ويبرر اختياره لتلك المداخل/ الأبواب باعتبار الباب يمثل حالة من حالات التحول والانتقال. فهو رمزياً قد يحمل معاني شتى للانتقال من حال إلى حال. حيث يمثل انتقالاً من النور إلى الظلمة، من الجهل إلى المعرفة، من الصمت إلى الكلام، ومن التخفي إلى الجهر والعلانية، ويتناول، في سبيل تعزيز فكرته، دلالات الباب في الميثولوجيا الإنسانية؛ لاسيما لدى يانوس؛ إله الأبواب في الميثولوجيا الرومانية. واختار شاكر تفكيك المجاز لدى مطر باعتباره باباً لتفكيك كل عناصر الطبيعة التي تتناسل في شعريته؛ مثل: «الظلال، الطفولة، الظمأ، الشهوة، الطمي، الماء، الموت، النار، والتراب».
 
وعبر باب «الكدح النبيل»؛ يعرض عبد الحميد لحياة مطر (1935 ـ 2010) ويتوقف أمام المحطات الرئيسة فيها؛ لاسيما تحولات مشروعه الشعري وموقفه السياسي المناهض لمعظم الأنظمة السياسية منذ ثورة 1952، وانتماءاته البعثية ودراسته للفلسفة وتأثيراتها في شعره، وكذلك اعتقاله عام 1991 بتهمة مضحكة هي «محاولة قلب نظام الحكم»، وكذلك هروبه من نظام السادات إلى السودان ثم إلى العراق، ورحلته مع مجلة «سنابل» التي صادرتها السلطات بعد نشره قصيدة «الكعكة الحجرية» لأمل دنقل. في «باب الصمت»؛ يقرن شاكر نص عفيفي بنماذج الصمت التي وصفت بها أعمال تشكيلية عالمية مثل أعمال سيزان، كما يراه أيضاً من «بوابة الموت»؛ الذي يتكاثر في نصوصه.
 
 
 
هواجس الموت والسلطة
 
وفي «باب الرعب»؛ يتناول هواجس مطر تجاه الموت أيضاً ومن السلطة باعتبارها أعلى تمثيلات القوة الغشوم. ويدخل شاكر من «باب الأشباح»؛ عبر بوابة دريدا في كتابه «أطياف ماركس»؛ ويتعامل مع الشبح باعتباره نوعاً من الطيف، وينطلق من فكرة مركزية تتلخص في أن الصدمات التي تعرّض لها الشاعر خلّفت نوعاً من الاضطراب، ويبدو الشبح تمثيلاً لحالة حضور الماضي، كما يتناول المفهوم نفسه عبر فكرة السرداب لدى إبراهام وتوروك؛ وهو هنا السرداب النفسي.
 
كما يشير شاكر عبد الحميد إلى أن مطر لديه أشباح بالمفهومين الكلاسيكي وما بعد الحداثي التفكيكي والتحليلي. يتبدى ذلك في استدعاءاته التراثية لوجوه مثل أمبيدوقليس، هيراقليطس، طاليس، ابن عربي، والحلاج وغيرهم. ويقدم عبد الحميد هنا قراءات تحليلية ضافية وفريدة لنصوص من دواوين عدة مثل «والنهر يلبس الأقنعة»، «يتحدث الطمي، «كتاب الأرض والدم»، «رسوم على قشرة الليل»، و «احتفاليات المومياء المتوحشة»، الذي يمثل أعلى حالات الشبحية لدى مطر، الذي كتب هذا الديوان عقب تجربة السجن. ويربط شاكر عبد الحميد بين باب الحلم وباب الكيمياء باعتبار أن الحلم رمزياً يبدو واحداً من أسرار النفس الإنسانية ويرتبط بأوقيانوس اللاشعور لدى فرويد. أما الكيمياء، التي هي تعبيرٌ عن تحويل المعادن الخسيسة إلى نفيسة، فإنها في القراءة النقدية تعني تحولات العناصر في النص الشعري. ينقل عبد الحميد عن مالارميه قوله: «ثمة قرابة خفية بين الطقوس القديمة والسحر الكامن في الشعر»، ويضرب مثالاً بكثير مِن قصائد مطر التي تتحول فيها العناصر، مثل قصيدته «موتٌ ما لوقتٍ ما». أما في باب الكتابة، فيبدو كشف لآليات الوعي الإبداعي لدى مطر، حيث يتتبع شاكر عبد الحميد عدداً من الهواجس المسيطرة لديه على عملية الإبداع؛ مثل هاجس الصراع؛ «فبه يكون التطهير وبه يكون نفي التخلف وتحقيق الذات». ويشير شاكر عبد الحميد هنا إلى أن القصيدة لدى مطر هي فعلٌ مِن أفعال الحياة في خصوبتها وعمقها، ويرى أن تلك القناعات جعلت نصه يمثل اختراقاً للواقع، يبدأ مِن اللغة.
 
إن هذا الكتاب المهم والمؤسس لقيمٍ جديدة في نقد الشعرية المعاصرة ينتشل نص عفيفي مطر مِن تلك القراءات اللغوية التي انتهت إلى تصنيفه سياسياً وأيديولوجياً؛ بما ينتهي إلى إقصائه من التأسيس الجمالي للنص الريادي في شعريتنا الحديثة، وهذا ما فعله عدد من مدرسي الشعر الذين يعتقدون أن مهمتهم في هذا العالم جعل الشعر مفهوماً. وقد أشار شاكر عبد الحميد في مقدمته إلى نماذج من تلك القراءات. وهي نماذج يمكننا أن نضيف إليها قراءات إدوار الخراط التي اعتبرت موقف مطر من المركزية الغربية؛ «رجعياً لا يتسق مع الموقف الواجب للشاعر في ضرورة انفتاحه على الوعي الإنساني على شموله»! باعتبار أن مطر يزكي فكرة الصراع غير المتكافئ بين مركزية متقدمة وفاعلة في مواجهة هوامش تابعة وعديمة التأثير. بينما كان مطر في الحقيقة يحلم بأن تصدق تلك المركزية الساحقة نفسها، وتنتصر لإليوت عندما قال: «إن القوة الحقيقية تكمن في خلق ثقافة مشتركة بين شعوب مختلفة».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات