عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Apr-2018

اقتصاد اللغة في ديوان «ما لا يُستعاد» لمريم شـريف
الدستور - 
ثمة انحياز سائد في ديوان «ما لا يُستعاد» لمريم شريف الصادر عن دار الآن ناشرون موزوعون، للاستخدام المقتصد للغة، أو «المفردات القليلة التي عادت معها إلى الأرض» بحسب تعبيرها في قصيدة «لم يعد أبي من الحرب». لكننا هنا لا نتحدث عن «الكم» بل عن «الشروط اللغوية للعزلة» التي تبدو موضوعًا جوهريًا للديوان؛ فالاستعمال الإيجازي للغة ليس تقشفًا مستقلا بل انسجامًا مقصودًا وبديهيًا مع الانعزال. إنه وعي هذه اللغة بالكيفية التي يُبطن بها المجاز «مجازه المضاد»، وعلاقة هذه الازدواجية بنصف الروح الذي يختبر الوجود بين الآخرين، ونصف الروح الآخر كـ (مكان مهجور / يمر من حوله الوجود / ويمضي في طريقه).
كذلك يبدو الاستخدام المقتصد للغة كأنه يمنحها أكثر الطبائع قربًا من الصوت الداخلي للذات في عزلتها، يبدو كسبيل للإنصات إلى هذا الصوت، للتفكير في غموضه، لتشريح استفهاماته. تقوم اللغة في هذه الحالة باكتشاف الصوت الداخلي وتكريس حضوره من خلال تركيزها على النبرات الخافتة للصوت الخارجي. العلامات المسموعة «المشوّشة» لأشياء العزلة التي ربما لا يُفصح الأثر الباطني للذات عن الوجود إلا من خلالها. كأن صوت فتح وإغلاق «الباب» مثلا ـ وهو من ضمن التفاصيل أو «المفردات القليلة» التي يهيمن تكرارها في الديوان ـ لا يحدث في الخارج بل في عمق الذات. كلاهما يمكن أن يكون الصدى والظل للآخر, وكذلك يمكن أن يكون أي منهما المرآة التي تراقب فيها العزلة نفسها. هكذا يكون الصوت هو فكرة الذات عن الصمت، ليس كتوقف اللغة أو انقطاعها المؤقت عن الحدوث، بل كغيابها المطلق، كامتناعها التام عن أن تحدث.
«أشاهد آباءً وذاكرة
وأعجب، كيف يمشي جوار جسدي
ظل واحد
دائمًا ظل واحد،
ويتلكّأ».
ربما علينا التفكير في أن الاستعمال الإيجازي للغة هو إدراك مريم شريف لتلكؤ هذا الظل الواحد، لعجبها من كونه واحدًا رغم وفرة العالم التي تشاهدها، أي التي تسكنها. هو انعدام لثقتها فيما يعنيه أو يخصه هذا الظل، في ماهيته، فيما سينتهي إليه. اللغة تُرجئ ـ بكلماتها المحدودة ـ قرارها عن هذا الظل. تثبّت عدم فهمها لطبيعته، انتظارها لمعرفته. المفردات إذن هي ما يكوّن هذا الظل الذي يرى الموت في نهاية خطواته. المفردات هي التي تتلكأ لأنها لم تحسم كينونتها، لأنها لم تتعرّف على حقيقتها الزمنية، ولم تتيقن بعد من مصيرها. هي الصوت الداخلي للذات غير القادر على سماع نفسه.
«ظلت يداي باردتين
ظلت الأشجار تهتز
والأوراق الجافة تتساقط
وكانت كثيرة، وتدور حولي
أو ربما لم تكن الأشجار تهتز
ولم تكن الأوراق تتساقط
لكن يديّ ظلتا باردتين
هذا ما أعرفه
هذا ما يجعلني غير متأكدة
من شيء آخر».
تستدعي برودة اليدين ـ كشيء مؤكد وحيد ـ أن نتأمل بالضرورة في ما تسبقها من أشياء مشكوك في حدوثها. الأشياء التي لا يمكن البدء في الحديث عنها بـ (أنا أعرف). التي لم تكن برودة اليدين تالية لها بل ناجمة عنها. إذا نظرنا لهذه الأشياء غير الموثوق في وجودها كـ (أصوات) خارجية، أي كعلامات مسموعة (مشوّشة) في الداخل؛ فإن البرودة هي أقصى ما يمكن أن تصل إليه الذات في فكرتها عن الصمت الذي أشرت إليه، في إحساسها بغيابه وحضوره المتلازمين، في استجابتها لمراوغته كرجاء متمنّع «الغياب المطلق للغة»، وكواقع مُهلِك «طغيان اللغة كلما أعطت احتمالا لإمكانية امتناعها التام». إنها اللحظة الأكثر ملائمة لاستخدام التعبير القديم «الصمت البارد» بواسطة اليدين.
«بيتي الذي لم يرك
يعرفك
صامت هو هذا اليوم
قديم
وشاحب كالمرضى
بيتي الذي لم يرك
يعرف أنك ذهبت».
لا تتحدث مريم شريف عن البيت بل عن الذات التي تعيش في هذا البيت. الذات والبيت شيء واحد. البيت هو داخل الذات؛ لذا فحينما تصف هذه الذات البيت فكأنها تصف نفسها من خلاله. هذه الكتابة ليست عن الثقة بين الذات والبيت بل عن الريبة في أنهما يمكن أن يُعرّفا على نحو منفصل دون الحاجة إلى الآخر. في أن تشاركهما في تعريف واحد سيضع حدًا للشك الذي يُستخدم التكرار أحيانًا لمحاولة التغلب عليه:
«بيتي فوق تلة مرتفعة
طيلة أعوام
كان بيتي فوق تلة مرتفعة».
لاشيء يمكنه الاكتمال بنفسه، لا شيء دون نقصان، لاشيء سيمحو فقدانه مهما التحم بآخر. هذا ما يجعل مريم شريف تخرج من الوصف الظاهري: (صامت ـ قديم ـ شاحب)، إلى الوصف الكلي، أي المُسمّى العام، المؤكد، النقي من الريبة، مهما كانت الضبابية التي تحكم تفاصيله:
(الآن أعرف أن المكان
يتذكر الألم
أن المكان هو الألم).
لكن المكان ليس الألم لمجرد أنه يتذكر الألم، بل لأنه يسمح للألم أن يكونه. لأنه لا يزيح نفسه بعيدًا عن هذا الألم. لأنه مهيّأ أصلا لأن يكون هذا الألم. هذا ما يفسر الشك بين الذات والبيت، أي بين الذات وداخلها. حيث لا يوجد صيغة تعاهد بينهما نجحت في تفادي الفقدان. بهذا المنطق نستطيع أن نقول ـ مثلما فعلت مريم شريف ـ بأن اللغة هي الفقدان.
«أنا التفاصيل المهدورة
في كل ذلك
أنا الزمن الذي لم تلتقطه عيناي
من الكون
ومن قلبي،
أنا النقصان
السائر في طريقه».
في ظلام هذا الشك يمكن للعزلة أن تجعل جميع الظواهر في حالة تبادل مستمر. فالمساحات يمكنها أن تصبح أوقاتًا ضائعة، كما أن الزمن يستطيع أن يكون فراغًا مكانيًا، وإغماض العينين وفتحهما يمكنهما أن يكونا شهيقًا وزفيرًا لكابوس متواصل.
«أيها البعيد
أنت لا تقرأ القصيدة
أنت تمر بقلبي
هل رأيتني؟
على المقعد الوحيد
والطاولة المحبوسة في الضوء الخافت
في الغرفة المتسعة، فارغة الجدران، كما أرغب».
تعيدني هذه الكلمات إلى ما ذكرته سابقًا عن وجود التفاصيل وحدوث الأشياء في عمق الذات، أي أن المفردات القليلة / العزلة ليست واقعًا خارجيًا بقدر ما هي عناصر داخل الذات، وهو ما يجعلني أربط بينها وبين توظيف «الغبار» عند مريم شريف:
«لا أرى سوى المشاهد ذاتها
لنافذتي النائمة في بيتي البعيد
وهذا يجرحني قليلا
ولا يفاجئني
يفاجئني حين أعود
كم تراكم فوق زجاج نافذتي
غبار».
قد يبدو الغبار هنا ـ بالتأويل العفوي المباشر ـ تأكيدًا على الانفصال بين الذات ونافذتها؛ فالذات رغم ابتعادها ووقوفها خلف نوافذ أخرى لا ترى سوى نفس المشاهد، أما النافذة فبشكل مناقض تعطي النتيجة المنطقية ـ غير المتوقعة في الوقت نفسه ـ الناجمة عن عدم وجود الذات خلفها لفترة طويلة أي (الغبار). لكن ثمة تأويل آخر، وهو لا يستبعد الانفصال السابق بل يتضمنه، يفترض أن الغبار ليس دليلا على توقف الاستخدام بل على العكس دليلا على الاستعمال المستمر، طول الاستخدام بصورة متواصلة . يمكن النظر إلى الغبار هنا كأنه نتيجة منطقية لبقاء النافذة في عيني الذات دون انقطاع مهما اختلفت الأماكن، بالضبط كأن الغبار هو ملامح الشيخوخة لهذه العلاقة بين الذات ونافذتها، ويصبح الشعور بالمفاجأة عند رؤية هذا الغبار بعد العودة هو اكتشاف لهذه الشيخوخة التي لم يتم الانتباه لمدى فداحتها إلا بهذه الطريقة؛ الابتعاد والرجوع.
«حين أموت
أموت مثل تمثال
عاشت فيه مئات السنين
وتهاوى من ثقل أعماقه الفارغة».
تماثل قراءة قصائد مريم شريف بالنسبة لي الاستماع إلى موسيقى فريدريك شوبان .. هذا الخفوت الذي ليس همسًا بقدر ما هو كفاح لإخفاء التناثر وإثباته في نفس الوقت .. محاولة إكساب الرعشة لغة وإيقاع وتناغم لتخطيها .. هي أقرب لمناجاة سرية غير قادرة على التيقن من ذاتها .. خطاب منهك لا يقوى على الارتفاع بنبرته، ولا يريد ذلك امتثالا لوعيه بالعزلة، بلغة هذه العزلة، هو نوع من مطاردة العدم داخل اللغة من خلال «المفردات القليلة» أو «الأشياء المحدودة»: الحجرة ـ الطاولة ـ المقعد ـ المصباح ـ النافذة ـ الباب ـ الفراغ ـ الشجرة ـ الليل .. المطاردة لا بغرض إثبات العدم فحسب، وإنما مجابهته أيضًا. كأن الإيجاز هو عدم التورط في السيولة الوحشية للغة التي تضاعف هذا العدم، كأنه الاستناد إلى أقل ما في هذه اللغة، أي أقل ما تنطوي عليه من عدم بالضبط كمن يستبدل الظلام الذي لا يمكن احتجازه كاملا بقطعة أو حيز من ثقله من أجل استجوابه ومجادلته والتفاوض معه. ما الذي يمكن أن يؤدي إليه هذا؟. إن مريم شريف بذلك تتحوّل من «لغة الانكماش» إلى «انكماش اللغة». الحصيلة المنتقاة من الكلمات التي تخرج بها من عدم الثقة فيما تحمله اللغة وتقود إليه إلى حياة أخرى (منعزلة) تخلق احتمالات انتقالها إلى صيرورة أخرى، مبهمة، مخلّصة بشكل ما. الاحتمالات التي ربما تمنح وجودًا حقيقيًا للتمثال، حين يمتلئ بما يُنحّي ثقل أعماقه الفارغة، أو على الأقل يضيء ظلالا مغايرة لعتمتها قبل أن يتهاوى.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات