عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2018

صداقة ضرورية للمساعدة على تحمّل اليأس

 القدس العربي-حسن داوود

فقط في قصة واحدة من القصص الستّ تبدو المطاردة الأمنية حاضرة في حياة الأشخاص. وهي، رغم ذلك، تمر بمحاذاتهم أو يعبرون بجانبها، كأن تلك المطاردات تستهدف آخرين سواهم. مرّة واحدة أيضا، في إحدى القصص، يقلقون من أن يعتقل الأمن أصدقاء لهم، فيتصلون عبر الهاتف ليبلّغوا آخرين بذلك أو ليتأكدوا من صحّة الخبر. 
في عيشهم اليومي، أو الليليّ على الأغلب، يبدون سائرين من غير ترقّب ولا حذر في شوارع القاهرة، إما رجلان معا أو رجل وامرأة. طبعا هناك المواجهات المفاجئة مع آخرين، سائقي التاكسي مثلا، أو مع صبيان شوارع أو نواطير، تلك التي تحدث عادة في الشجار المرتفع الصوت، أو في الشجار الذي يمكن إيقافه بالحيلة كأن تقول المرأة، لتجنيب الرجل مرافقها احتمال أن يتعرّض لـ«علقة» من شابين مراهقين، إن الرائد أرسل اثنين ممن هم تحت إمرته ليساعداهما في حمل الأغراض، أو ربما يحدث الاشتباك بالأيدي، فَيضرب الرجل أو يُضرب. وهذا يحدث مرّات، كما يظل تهديد حدوثه ماثلا. ذاك، على أي حال، يبدو غريبا لكون شخصيات القصص قطعت أشواطا في ابتعادها، بالتعلّم واتباع أشكال حياة حديثة، عن صخب الحياة الشارعية وفوضاها. 
وهناك مظاهر أخرى لذلك الابتعاد تتمثّل في اتهامهم الدائم للمدينة، وفي القصص جميعها، بأنها مكان لا يصلح للعيش. في آخر الرواية يُجري الرفيقان، المرأة والرجل، في القصة الأخيرة من القصص الست، مقارنة بين نيويورك والقاهرة، وهما في مرحلة متقدمة من شعورهما باليأس، فينتهيان إلى تذكّر أسماء مثل، سنترال بارك والمتروبوليتان لمجرد الاستمتاع بما يُرجعه الاسم من انتقال عن العيش هنا في القاهرة. ذاك أن هؤلاء الأشخاص، رغم ميلهم الدائم إلى التمشي في الخارج، لا يروق لهم أكثر ما يصادفونه. فهنا دورية من الأمن تسدّ الطريق، وهنا زعران قد تحدث مواجهة معهم، وهناك قطّة دهستها شاحنة، فلفّها أحدهم بمعطفه ظنا منه أنها لم تزل حيّة. وإذ اكتشف أن رأسها تهشّم من جراء الصدمة جعل يبكي وينشج. بدا ظاهرا في القصّة أن البكاء كان متجمّعا في رأس الرجل وها إنه وجد سبيلا لأن يخرج، أو يخرج بعضه، بحادثة القطة.
شخصيات محمد الحاج القصصية ميالة غالبا إلى البكاء، نساء ورجالا. ربما هم مثل تلك القطة الأخرى التي كانت تهمّ بأكل شيء لقيته على الطريق، لكنها، حين رأت أحدا يقترب منها، تركت ما كانت تمسك به ولاذت بالفرار. ربما قصد الكاتب إلى تلك المشابهة بين بطلات قصصه والقطط فجَمَعهم في عنوان واحد أطلقه على مجموعته*، على الرغم من أن القطط لا يجري الكلام عنها إلا مرّتين اثنتين في الكتاب. إنهن، أقصد، النساء، مطرودات من حيث كنّ مع أزواجهنّ. ولن يُعَدن إلى حيث طُردن إذ لم يسفر بعدهن عن إثارة شوق من أبعدهن. إحدى القصص تجري وقائعها الخرساء في الشقة التي كانت قد طُردت منها ساكنتها بالطلاق، وها هي عادت إليها لكن كي «تلمّ» ما كان لها من أغراض المطبخ خصوصا. كل ما تقع عليه عيناها، هي الزائرة هذه المرة، يكاد يحكي قصّته: الملاعق، الصحون، عصّارة الفاكهة، المقلى، الطنجرة الكبيرة والأخرى الصغيرة، إلخ. وفي الوقت نفسه، أي فيما تتذكّر تلك المرأة التواريخَ الصغيرة لهذه الأشياء، بكلّ تفاصيلها، تكون تترقّب أن ينفتح الباب ويدخل الزوج الذي إن وجدها هنا، ربما يدفعه الحنين إليها فيعيدها، حسب ما ترغب وتظّن.
ليست القصص نسائية بالخصوص، بل إن التَرْك، أو التطليق، يشمل الرجال أيضا. الانتظار نفسه للعودة، في تلك الأشهر الأولى يعانيه الرجال كما تعانيه النساء. لا فرق في الموقع ولا في المشاعر ولا في قوّة الاحتمال بين هؤلاء وأولئك. إنهم، رجالا ونساء، مجبولون من طينة واحدة. فما ينتظرنه هنّ الضعيفات والـ»ميّتات من الحنين» كما كتب مرّة الشاعر حسن عبدالله، ينتظره الرجال. ولن تحدث مفاجآت، وهذه ليست منتَظرة على أي حال. ذاك أن أبطال القصص ضيَّقوا الحدود على أنفسهم بجعلهم البشر الذين حولهم يائسين مثلهم، وقليلين. لكل منهم، نساء ورجالا، صديقه الوحيد، أو صديقته الوحيدة. أما أن يحتملوا أن تنشأ علاقات عاطفية من الاتصال بالآخرين فأمر صعب ولن يفضي بهم إلى شيء. كأن جدرانا من التعثّر أو اليأس تبقي كل منهم في مكانه حيث هو. أما بين الصديق والصديقة، كما في القصة الأخيرة التي تحمل عنوان المجموعة ذاته، فلن يحدث شيء يبدّل طبيعة العلاقة كأن يتحوّلا إلى عاشقين مثلا. كأنهما، الصديق وصديقته، مقيّدان محبوسان في ما هم فيه. لا يستطيع أيّ منهما أن يتقدّم خطوة نحو الآخر، رغم أن رغبة تعتمل في داخل أحدهما، أو في داخلهما معا.
ما قام به محمد الحاج في قصصه الستّ يبدو كأنه تسجيل عادي لمجريات حياة عادية. لن نقرأ عن حدث استثنائي (طالما أن الطلاق بات من طبيعة الأمور، إلى حدّ أن راقت لإحدى بطلاته المطلّقات فكرةُ أن تكون مصر بلد التسعين مليون مطلّقة)، ولن يكون حدثٌ من هذا النوع الاستثنائي منتظرا في المستقبل القريب أو البعــيد. كل شيء يدلّ على أن الطاقة التي تصنع الحيـــاة توقّفت هنا، وما سيتبع منها ســــيقتصر على الاستسلام للخسارات. 
لا أحد يرثي لقصص المدينة» مجموعة قصصية لمحمد الحاج صدرت في 156 صفحة باشتراك بين «المورد الثقافي» و«دار التنوير»، 2018.
 
٭ روائي لبناني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات