عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-May-2018

رسالة ماكرون المهمة

 الغد-آنا بلاثيو

لم يفز ماكرون برئاسة فرنسا من خلال إرسال رسائل قومية شعبوية مستترة، كما فعل مارك روت للتشبث بالسلطة في هولندا، وإنما كسب عن طريق دعمه لبرنامج إيجابي ومتين ومؤيد لأوروبا. ومع دعواته الطموحة إلى الوحدة الأوروبية ودعمه العنيد للديمقراطية الليبرالية، ألهم ماكرون الأمل في أن تكون موجة الشعبوية المناهضة لأوروبا بلغت ذروتها وبدأت بالانحسار، وأن التقدم الحقيقي أصبح يلوح في الأفق.
*   *   *
مدريد - عندما انتُخِب إيمانويل ماكرون رئيسا لفرنسا في العام الماضي، تم تقديمه للناس على أنه مُخَلِّص أوروبا، والشاب العبقري الذي اقتحم المشهد السياسي الفرنسي في الوقت المناسب تماماً. والآن، يتساءل كثيرون في مزيج من الشماتة والانهزامية عما إذا كان نجم ماكرون قد اشتعل أكثر مما ينبغي، بحيث بات محكوما عليه بالتالي أن يواصل احتراقه السريع. غير أن هذا التركيز على سجل ماكرون حتى الآن يهدد بحجب رسالته المهمة حول مستقبل الديمقراطية الأوروبية.
لم يفز ماكرون برئاسة فرنسا من خلال إرسال رسائل قومية شعبوية مستترة، كما فعل مارك روت للتشبث بالسلطة في هولندا، وإنما كسب عن طريق دعمه لبرنامج إيجابي ومتين ومؤيد لأوروبا. ومع دعواته الطموحة إلى الوحدة الأوروبية ودعمه العنيد للديمقراطية الليبرالية، ألهم ماكرون الأمل في أن تكون موجة الشعبوية المناهضة لأوروبا بلغت ذروتها وبدأت بالانحسار، وأن التقدم الحقيقي أصبح يلوح في الأفق.
لكن العام المنصرم أنتج، وفق أفضل تقدير، نتائج مختلطة. فقد منحت الانتخابات الفيدرالية التي جرت في ألمانيا في أيلول (سبتمبر) الماضي تفويضا ضعيفا للمستشارة أنجيلا ميركل، وعملت على ترسيخ حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف كقوة سياسية حقيقية. وفي أعقاب ذلك، جاءت في شهر شباط (فبراير) استقالة كبير المشجعين الأوروبيين، مارتن شولتز، من منصبه كزعيم للديمقراطيين الاجتماعيين.
وفي الانتخابات العامة التي شهدتها إيطاليا في آذار (مارس)، فازت حركة النجوم الخمسة الشعبوية وحزب الرابطة اليميني المتطرف معاً بأكثر من 50 % من الأصوات. وفي المجر في وقت سابق من هذا الشهر، نجح رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الابن المدلل للديمقراطية غير الليبرالية، في تأمين فترة ولاية ثالثة –ومعها الفرصة لإعادة صياغة الدستور- بأغلبية كبيرة. ومن الواضح أن انتصار ماكرون لم يكن علامة على بداية عصر جديد من السياسة الأوروبية بقدر ما كان مؤشراً لفصل آخر في قصة الصراع الجاري على مستقبل أوروبا.
في وقت سابق من هذا الشهر، سلم ماكرون ذات الرسالة أثناء مخاطبته للبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، حيث أعلن أن "الديمقراطية الأوروبية هي أفضل الفرص المتاحة لنا"، ودعا إلى "سيادة أوروبية جديدة" تحمي مواطني الاتحاد الأوروبي وتذود عنهم. كما تناول بشكل مباشر قضية الرضا عن الذات: "لا أريد أن أنتمي إلى جيل من السائرين وهم نيام، والذين نسوا ماضيهم. إنني أريد أن أنتمي إلى جيل قرر الدفاع عن ديمقراطيته بقوة".
كانت الدعوة المثيرة التي أطلقها ماكرون للعمل النشط هي التطور الأحدث في هجوم دبلوماسي شمل الاجتماع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والمناقشات الصريحة حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. والآن يتواصل هذا الجهد، بالتقاء القيادي الطموح ماكرون مع الرئيس المراوغ متقلب المزاج دونالد ترمب في واشنطن مؤخراً. وفي وقت سابق من هذا الشهر، كان الزعيمان -ومعهما رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي- قد أمروا بضرب منشآت عسكرية سورية، في أعقاب هجوم بالأسلحة الكيميائية على منطقة يسيطر عليها متمردون، وهو الهجوم الذي زُعِم أن قوات الرئيس بشار الأسد نفذته.
يزعم بعض المراقبين أن خطاب ماكرون المحلق المؤيد لأوروبا، وشخصيته الدولية الضخمة، ليس أكثر من حلية لتعزيز شعبيته داخل فرنسا؛ خاصة وأن محاولاته لإصلاح الاقتصاد الفرنسي، والقطاع العام، وأسواق العمل -ناهيك عن ذرائعه النخبوية وميوله الإمبراطورية المتصورة- أفضت إلى ردود فعل سلبية سريعة وعنيفة.
يكاد هذا يكون صحيحا بكل تأكيد. ولكن، ماذا في ذلك؟ فعمليا، يحاول كل الساسة الاستفادة من وضعهم الدولي لتعزيز مكانتهم في الداخل. وأياً كانت دوافعه فإن، رسالة ماكرون تظل سليمة.
ولكن، حتى أنصار ماكرون يفشلون في الدفاع عن هذه الرسالة بالقدر الكافي من القوة، ويحصرون أنفسهم بدلاً من ذلك في مواجهة مع التحديات العملية المقبلة. ويقول هذا الجمهور: "صحيح أنه محق بشأن أوروبا، وإنما يتعين عليه أن يصلح الاقتصاد الفرنسي أولاً، وإلا فلن يتسنى له تحقيق النجاح من دون المزيد من الدعم الألماني".
ليست هذه الانتقادات بلا مبرر في واقع الأمر. فحتى يتسنى لفرنسا أن تصبح محرك التغيير في أوروبا، يتعين عليها أن تخضع لتحولات بنيوية عميقة، وهي تحولات بالغة الصعوبة كما تُظهِر الاحتجاجات الطلابية في معهد باريس للدراسات السياسية، وإضرابات السكك الحديدية في مختلف أنحاء فرنسا. ولإصلاح الاتحاد الأوروبي، يحتاج ماكرون إلى دعم ألمانيا، وهو ما قد لا يكون متاحاً في الأفق القريب، نظرا لتحول ائتلاف أنجيلا ميركل الواضح بعيداً عن تعميق التكامل الأوروبي.
مكمن الخطر هنا هو أننا من خلال ربط الرسالة بإحكام شديد بماكرون وإنجازاته، ربما نبخس قيمة الأفكار الأساسية. فربما لا تلملم فرنسا شتات نفسها، وقد لا تقفز ميركل لإصلاح الاتحاد النقدي. لكن هذا لا يغير حقيقة أن أوروبا تحتاج إلى التطور. وفي المقام الأول من الأهمية، تحتاج القارة إلى أفكار جديدة، وروح جديدة.
في خطابه في ستراسبورغ، وضع ماكرون أجندة قوية: يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقنع مواطنيه بأنه يستحق الدعم، من خلال الانخراط معهم بشكل مباشر وتقديم سرد مقنع يؤكد على التزام الاتحاد الثابت بالديمقراطية الليبرالية. لكنه لا يستطيع أن يفعل هذا منفرداً.
بًدلا من التفتيش عن الثغرات في أساليب ماكرون أو ظروفه، ينبغي للأوروبيين أن ينظروا إلى رسالته على أنها تعرض عليهم تحدياً. ويجب أن يتقدم كل من يؤمن بالاتحاد الأوروبي لتعزيزه وتقويته، ليس من خلال تقديم الأفكار فحسب، بل وأيضاً بالقتال من أجل تحقيقها. والزعامة مطلوبة على المستويات كافة.
ربما يكون ماكرون عازفاً منفرداً موهوباً، لكن ما تحتاج إليه أوروبا الآن هو الكورس. ومن المؤسف أن أصواتاً قليلة للغاية رددت أي صدى.
 
*وزيرة خارجية إسبانيا السابقة ونائبة الرئيس السابق للبنك الدولي، وهي عضو في مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورجتاون، وعضو مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الولايات المتحدة. 
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات