عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-May-2017

عبد الله العروي بين التكريم والتجاهل

القدس العربي-صدوق نورالدين
 
1
كتب عبد الله العروي روايته النواة «الغربة» في (1971). ومن قبل نصه المسرحي «رجل الذكرى» الذي رفض نشره حينها في مجلة «دعوة الحق»، ليتحقق في مجلة «أقلام» المغربية المأسوف عليها، من طرف القاص محمد إبراهيم بوعلو. كتبها وقد يكون أدرك لعمق تفكيره، أو أن التأويل يأخذ منحاه، بأن مصائر المثقف في البلد السعيد لا يمكن أن تنتهي سوى إلى الغربة، خاصة لما يكون التوجه المرتسم مغايرا أو بالمعنى الأوضح مضادا، وإلا فـ(من) ينزع للتعبير في مغرب الأمس واليوم فكرا وإبداعا، إن لم يكن التفكير المضاد المعارض للخطط الرسمية التي تروم إفراغ المسألة الثقافية من محتواها الدال والعميق.
2
بيد أن ما طبع/ يطبع مسار عبد الله العروي في الفكر والإبداع: الاستمرارية في العطاء وعلى الإنتاج. هذه التي لم تستطع نخبة من المثقفين المغاربة ملاحقتها ومواكبتها، وإلا فكيف يتأتى لكتابات متأخرة في صحف عربية، ولمناسبة تكريم مستحق، وإن جاء متأخرا، نشر معلومات خاطئة جملة وتفصيلا، إذ لو قيض قراءة ما كتبه العروي في «خواطر الصباح» فقط لاتضح أن جملة من المعطيات المدونة يجدر تصحيحها. والواقع أن الاستمرارية وليدة فكرة المشاريع التي تعد منهجا يعكس النقلة والتحول من تصور إلى آخر، وإن كان الناظم الأساس الحداثة، العقلانية والنزوع إلى التقدم.
3
والواقع أن الاستمرارية إلى التصور المنهجي المعتمد، أفضيا إلى التنويع في الكتابة وعلى الإنتاج. هذا التنويع الذي يعكس صورة عن مثقف كان وما يزال. إنه المثقف الموسوعي المنفتح على تكامل المعارف والحقول، حيث يتضح أن مفهوم الثقافة لا ينحصر، كما هو اليوم، في الخبرة الدقيقة المحددة في مجال بذاته، وإنما التي تشمل المعرفة المؤسسة على معطى التاريخ، كقاعدة نواة وأساس لإعمال النظر والتفكير. ومن ثم، فإن ما خاض فيه عبد الله العروي بالبحث والتمحيص موضوعا ووصفا، لا يمكن تجاوزه فهما وتأويلا، وإنما يظل صورة عن ثابت فكري، يتجدد بالنظر والقراءة والتأويل السليم وليس المغرض. وهو ما يوضح أن قوة المنطلقات وعمق التفكير فيها، تمتلك خاصيات مسايرتها لما يمكن عده أو اعتباره تحولات، وإن مثلت في العمق تحولات إعاقة. وهذا يجعل في الجوهر، التفكير شبه متقدم عن واقع يوهم بالتحديث وليس الحداثة، في ما يغرق في التقليدانية.
فالمغرب اليوم لمن ينظر إليه من بعيد، وبالتالي يتلقى خطابات عنه، يظن أنه يحوز وضعا متقدما عن بقية الدول (أو الأشباه)، فيما تعد قضاياه ومشاكله الدليل على تخلف لا أحد يعرف سبيل الانعتاق منه.
4
اعتبر عبد الله العروي وبناء على التراكم المتحقق، شخصية العام الثقافية. هذا التكريم المحظى به من دولة الإمارات، إلى الاحتفاء بالتفكير العقلاني الجامع، كما تمثل في مساءلة العروي عبر أكثر من منبر، لم يحرك في أهل البلد السعيد أي مبادرة أو خطوة لرد الاعتراف لمن ظل شبه مغترب عن وسط ينتمي إليه. ذلك أن «صناعة التجاهل» أقوى ما يحذقه التوجه الرسمي سياسة وثقافة. فكأن الرجل، هذا المثقف بما راكمه من منجز قوي لا ينتمي للمغرب، فيما تفكير التفاهة يكرس وجوها إعلامية لا تعمل إلا على (لغونة) ما تمنح من معطيات وأضاليل لم تعد تخفى على أبسط عملية في التفكير والتأويل. ولعل الغريب كون هذه الوجوه، وكلما اهتز الحين لحادث، حملت المثقف وزر الصمت وهي التي لا تتابعه وتتواصل مع إنجازاته ومتحققاته.
ختاما، أكان عبد الله العروي يدرك مصائر المثقف وهو يكتب «الغربة». المصائر التي صيغت خيالا، لتغدو واقعا وحقيقة.. قد يكون.
 
٭ كاتب مغربي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات