عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Sep-2017

الاستقراء والشبكة العنكبوتية

 القدس العربي-هادي حسن حمودي

 
هذه جمل من كتاب لغوي منشور في الشبكة العنكبوتية نقلها لي من سأل عن مدى صحتها:
* لقد استقرأ الباحث مصادره استقراءًا جيدا. (لاحظ الألف بعد الهمزة)
* علينا أن نستقرئَ آثار الكاتب كي نعرف منهجه.
* استقرأت كلّ ما كتبه (…) استقراء شاملا.
بناء على القوانين اللغوية فإنها جمل غير صحيحة. وربما كان أبرز سبب للخطأ أن الناطقين والكاتبين ظنوا الاستقراء فيها من الفعل قرأ. ولك أن تسأل: إذا لم يكن من الفعل قرأ، فما جذره؟ ثم لماذا يصحّ: قرأ الكتاب قراءة. ولا يصح: استقرأ الكتاب استقراءً؟
للجواب نقوم بجولة في الجذر قرأ، وننظر إن كنا سنحتاج إلى جذر غيره. ولكن قبل أن نتحدث عن هذا يجب أن يدرك الذين يلوذون بالشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، لينسخوا منها رسائل جامعية، أو دراسات لغوية، أن كثيرا من تلك المواقع لم يشرف على مواضيعها لغويون مؤهلون. وكما يجد الناس في المواقع الطبية والدينية، مثلا، كثيرا من الأوهام والأخطاء والخطايا، يجدون الأمر نفسه في المواقع اللغوية. ويجب الانتباه إلى أن بعض كتب الشبكة ضُبطتْ حروفُها بالحركات، وكثير منها لم يسلم من الخطأ. ولكن بعض المتشبّكين يتصورونها قرآن اللغة، على غرار قرآن النحو الذي أطلق على كتاب سيبويه. ولا ينفي هذا إمكانية الاستفادة من المواقع الموثقة، بل إن الاستفادة منها واجبة على أن تكون استفادة قائمة على التفكير والمقارنة والموازنة. وليس من الضروري أن ما يصلح نسخه ولصقه لطلاب المدارس الابتدائية والثانوية، يصلح في البحث والنشر والحجاج اللغوي.
أقول هذا لأن في بعض المواضع والمدونات الشخصية، ومواقع المعجمات الحديثة، وأغلبها تجارية لا علمية، ما يناقض الحقائق اللغوية، ومنها على سبيل المثال الجمل المذكورة في أول الموضوع. وكلها من الخطأ الذي لا ترتضيه اللغة.
ولتوضيحٍ ضروريّ مختصر، تعال معي:
الجذر قرأ دالّ على الجمع وفيه أيضا معنى التتابع. وفي استعمالات العرب جاءت مشتقات الجذر في عدة محاور، أبرزها اثنان:
* محور تسمية القرآن، على رأي بعض اللغويين، حيث التتابع وجمع الآيات معا.
* محور القراءة المعروفة: قرأ فلان الكتاب فهو قارئٌ، وهي قارئة. ومن هذا المحور تقول: أقرأني فلان، أي: حملني على أن أقرأ عليه، بمعنى التتلمذ له. وأما استقرأ فيدل على طلب القراءة، مثل استكتب: طلب الكتابة. ولك أن تقول استقرأت الطالب القصيدة، إذا طلبت منه قراءتها. فإذا أردت أنك قرأت كتابا فلا يحق لك أن تقول استقرأت الكتاب، لأنه يعني أنك طلبت من الكتاب أن يَقرأ. ولذا منعوك من أن تقول: استقرأت الكتاب استقراءً.
فإذا قلت: استقرأت الطالبَ القصيدة، فلك أن تؤكد بالمصدر: استقراءً. أما لماذا أجازوا هذا ومنعوا: استقرأت الكتاب استقراءً؟ فلأنك حين تقول: استقرأت الطالب القصيدة استقراءً، فإن التأكيد هنا على طلب القراءة، لا على دقتها. وقد يستجيب لك الطالب، ولكنه ربما قرأها من غير تدقيق. وأنت تريد بالجملة الثانية أنك قرأت الكتاب قراءة تدقيق واستقصاء وتتبع بدليل استعمالك (استقراء)، لذلك نقلتك اللغة إلى جذر ملائم وهو (قرى). تقول: استقريت الكتاب استقراء، فإن الاهتمام والتأكيد سيكونان منصرفين إلى دقة القراءة، وانقلبت الياء همزة لأنها متطرفة. وهذا الاستعمال من دلالات الجذر (قرى) على التتبع الدقيق ومنه: استقريت الناس: تتبعتهم وراقبتهم بدقة. وفي الحديث: فجعل يستقري الرفاقَ، أي: يتتبع الناس الصالحين. وروى الخليل بن أحمد عن العرب: ما زلت أستقري هذه الأرض قرية قرية. فهم قد قالوا: أستقري لا أستقرئ. فصواب الكلام في الجمل السابقة أن تقول:
* لقد استقرى الباحث مصادره استقراءً جيدا.
* علينا أن نستقريَ آثار الكاتب كي نعرف منهجه.
* استقريت كلّ ما كتبه (….) استقراء شاملا.
والاستقراء المبني على المقارنة والموازنة طريق العلم والمعرفة.
 
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات