عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-May-2017

القرّاء ودور النشر ولعبة التسويق: كتب عظيمة مهملة على الرفوف وهامشية تدخل كل بيت

«القدس العربي» من صفاء ذياب: ما زال الكتاب العرب المعروفون يحلمون بأن تصل طبعات كتبهم إلى الثانية أو الثالثة، وهذا الحلم سعت إليه بعض دور النشر المعروفة باستقطاب كتّاب مهمين لهم تاريخهم ونصوصهم، التي أثّرت في أجيال متتالية. ومن أجل الوصول إلى هذا الحلم، اشتغلت بعض الدور على إيجاد بدائل أخرى للترويج لكتاب ما، وهو أنها تعلن عن صدور الطبعة العاشرة أو الخامسة عشرة على غلاف الكتاب، في حين أنك تكتشف في متن الكتاب أنه ما زال في طبعته الأولى أو الثانية، على أحسن تقدير. وحين سألنا بعض خبراء الطباعة عن هذا التلاعب، بيّنوا أن صاحب الدار يطبع المتن بنسخ محدودة، ومن ثمَّ يطبع الغلاف بطبعات عدة ليعلن أن هذا الكتاب وصلت مبيعاته إلى عشرة آلاف أو عشرين ألف نسخة، وفي الواقع أن المبيعات الفعلية من الكتاب لم تتجاوز الألف نسخة.
غير أننا على الجانب الآخر، نجد كتباً بالفعل تجاوزت طبعاتها العشرين أو الثلاثين طبعة، ومن هذا كتاب «زحمة حكي» للإذاعي علي نجم، الذي طبع حتى الآن أكثر من خمس وعشرين طبعة، كذلك كتب أثير عبد الله النشمي التي طبعت من روايتها «أحبك أكثر مما ينبغي» أكثر من عشرين طبعة. وبأخذ آراء أكثر القراء الباحثين عن الأدب الحقيقي، ذي الفنية والأداء المتقن، يؤكدون أن أغلب هذه الكتب بعيدة تماماً عن هذا الأدب الذي يسعى المثقفون للالتقاء من خلاله بثقافة مجتمع أو بلدٍ ما.. لكن ما الذي يحدث بالفعل؟ ولماذا لا تتجاوز مبيعات كتب مهمة في الأدب العربي أو الأجنبي طبعة أو طبعتين على أكثر تقدير؟ غير أننا نرى أن هناك كتباً لا تمت للأدب بصلة تصل مبيعاتها إلى عشرات الآلاف من النسخ. فما الذي تغير في وعي القراءة؟ وكيف يمكن لكتب كهذه أن تجذب قراءً من طبقات مختلفة؟ وهل هؤلاء الكتاب كانوا أكثر قرباً من الجمهور؟
 
خيارات القرّاء
 
تطالب الروائية والقاصة العراقية دنى غالي ببعض الإحصائيات، التي يمكن أن ندرس من خلالها إقبال القراء على كتب بعينها، من أهمها الفئة العمرية وجنس القارئ، وعليه يمكن أن نبني استنتاجات أكثر دقة، مثلاً هل تميل الفتاة إلى نوع محدد من الكتابات، أم الفئة العمرية هي العامل الجامع لكلا الجنسين لخيارات محددة في القراءة. كل ما يطرح من أمثلة يعكس احتياج فئة عمرية محددة لموضوع ما.. ألم يقرأ كتابنا وكاتباتنا في فترات مراهقتهم ما يثير الضحك، أو ما يمنع الحياء من البوح به؟ وقد لا يعني ذلك أن القارئ لا يقرأ إلى جانب ذلك كتبا أخرى مختلفة تماماً. وتقدم غالي مثالاً على ذلك، مثل دانييل ستيل الكاتبة الأمريكية، التي تكتب ثلاث روايات سنوياً، تجاوزت مبيعاتها 500 مليون نسخة للروايات التي تجاوز عددها الـ100 رواية، يكفي أن تقرأ عناوين كتبها لتفهم إنها تصدّر عواطف وقصص حب معروفة، ولكن العالم ما زال يقبل عليها منذ السبعينيات، وذلك يعني أن هناك فئة بحاجة لإشباع هذا الجانب، وحجمها لا يمكن الاستهانة به ولا التوهم باختفائه.
وتضيف: إذن الكتاب سلعة من الجانب الآخر، وهناك من لا يقرأ غير الرواية التاريخية، والآخر بانتظار كل ما يصدر من روايات الجريمة والإثارة أو الخيال العلمي. السوق يطرح ما يحتاجه المستهلكون على اختلافهم. المطارات ملأى بما يسمى روايات السفر والعطل، الهدف منها التسلية، وبالإمكان قراءتها خلال ساعتين، أو يومين ورميها في سلة المهملات، وهو ما يلبي رغبة العوام. الوعي في جزء منه يعني أن نكون ضد الكتب التي تحتكر الحقيقة، ضد الكتب التي تحض على الكراهية والتطرف، ضد الكتب التي تكرّس الجهل والإيمان بالخرافة، ضد العائلة التي تقرر ما يقرأه الأبناء من أدب، مع حرية الخيار، «لست ضد الكتب السيئة أو الرخيصة، أو الهابطة المستوى، هذا أمر نتركه للقارئة وللقارئ».
 
فقاقيع تنتفخ
 
الروائية الكويتية ميس خالد العثمان، تشير إلى أننا قد نتفق بأن هناك دعوات من الأدباء والباحثين الجادين والحقيقيين لتحسين المنتجات المطبوعة وتجويدها، إنما لنقف قليلا أمام دور وتوجهات «دور النشر العربية» من ذلك، فالناشر العربي، للأسف صار ينحى بـ»دكانته/ مكتبته» نحو الكسب السريع والاسترزاق، وصار بعيداً عن دور، دور النشر ـ كما نفهمها ـ وهي توفير كل ما يلامس العقل ويضيئه ويحميه من غبار التخلف والسخف، ولولا هذا «المبدأ» الرخيص للأسف، لما وجدنا على الرفوف البارزة في تلك المكتبات كل تلك «الورقيات»، التي لا يصح بأي حال من الأحوال أن نطلق عليها تصنيفات محددة في السرد أو الشعر أو البحث، بطبعات تفوق العشرين مرة، وإن كان الناشر يمارس خداعه «علينا أو على صاحب العمل» بتمرير خدعه «طبعات متكررة ووصولها لجوائز عالمية.. وغيرها»، ناهيك عن أن الإعلام هو من يحدد «أولويات» الجماهير، فحين تُبرز، كصاحب مكتبة، مثلاً عناوين معينة في رفوف مميزة «وقد تسملت مقابلها مالاً» لإيهام الشريحة الأكبر من المتلقين؛ وهم الشريحة الأبسط في الوعي بطبيعة الحال، فهذا مؤكد يعيد الترويج لورقيات بلا معنى كهذه. وهناك أمر آخر مهم تتحدث عنه العثمان، وهو «اللغة» المكتوبة بها تلك الورقيات؛ هي لغة ركيكة بحيث تناسب أبسط ذهنية متلقية من الجمهور، وهذا بحد ذاته يساهم في نشرها بين أكبر عدد من البشر. «آمل ألا تكون هذه ليست إلا فقاقيع تنتفخ وتلمع ولا تبقى على مر التاريخ الكتابي الإبداعي، ظواهر تطفو وتموت ولو بعد حين، دورنا المستمر هو التوعية، وتقديم جرعات من الفهم للناس، لزيادة الانتباه نحو ما يجب عليهم تعاطيه قرائياً وما يجب تجاوزه، لأنه بلا معنى ويجعلهم يدورون في حلقة مفرغة من الفهم».
 
عقليات بدوية
 
في حين يبين الروائي والمصمم العراقي محمد حياوي، أن انتشار الكتب العادية أو ذات الموضوعات السطحية يعد ظاهرة عالمية، ولا تقتصر على عالمنا العربي أو على العراق، لكن مع اختلاف مستويات الوعي بين جمهور القرّاء هنا وهناك.. ونظراً لانتشار مواقع التواصل الاجتماعي السريع، أصبح الترويج للكتب الهزيلة أسهل من أي وقت مضى، لا سيما للفتيات اللواتي يفكرن بدخول عالم الكتابة، ونظراً للعقلية البدوية التي تسم العقل العربي، يمكن للكاتبة الأنثى أن تقطع نصف الطريق للرواج، لمجرد كونها أنثى.. هذا الخلط في الجنس رافقه خلط من نوع آخر، هو سعي الجميع لكتابة الروايات طمعاً بالجوائز التي باتت تشكل نظاماً مختلاً، سينتج عواقب كارثية على مستقبل الرواية العربية للأسف.. لكن من جهة أخرى أجد أن المعادلة مختلفة نسبياً.. فعلى الرغم من أن كتب الطبخ والأبراج والفضائح أو كتب الإناث الظواهر، تحقق نسبة مبيعات قد تتجاوز آلاف النسخ، إلاً أنّه يرى أن الروايات الجادّة والجيدة التي تنطوي على مقدار كبير من الفن، يمكن أن تحقق هي الأخرى مبيعات جيدة. «أقصد جيدة بمقاييس الروايات النوعية. شخصياً أعدّ بيع ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة من رواية ما في غضون عام واحد، وفي ظل الظروف المخيبة الرائجة الآن في العالم العربي، إنجازاً جيداً في الواقع. وفي المحصلة أرى أن مهمة الكاتب يجب ألا تنتهي عند تسليم المخطوطة للناشر، بل تبدأ بشكل فعلي حال صدور كتابه، لأن ما متوفر من وسائل ترويج وتعريف في عصرنا الراهن، يصب كله لصالح الكاتب النشيط والمدرك لأهمية التواصل، الذي يمتلك القدرة على التعامل مع التقنيات الجديدة.. وربما الأمر نفسه ينطبق على الناشر أيضاً، الذي يتوجب على الكاتب دعمه في مجال حفلات التوقيع والندوات التعريفية والترويج لكتابه في معارض الكتاب العربية».
 
السطحي والعميق
 
وحسب الشاعر والباحث المصري فتحي عبد السميع، فإن انخفاض مقام العظيم وعلو مكانة السطحي والتافه، مظهر عام يتجلى في المجالات كافة، لا مجال الكتابة وحده، وترجع الظاهرة إلى أسباب متعددة ومتداخلة، فمنها الإنساني عموماً، إذ نجد تفاوتاً بين البشر في الاهتمام بالقراءة مثلاً، والغالبية لا تقرأ أساساً. ومنها العصري، حيث نعيش في ظل نظام عالمي يقوم على الاستهلاك السريع، ومنها ما يتعلق بمناخنا العربي وأزمته الحضارية المعاصرة، التي جعلت حياتنا تمتلئ بالأمور الغريبة والمتناقضة.
لهذا، فإن وظيفة الكاتب هي القرب من الكتابة لا القرب من الجمهور، وهذا لا يعني أن الجمهور لا يقيم في قلب العملية الإبداعية، ولكن مسيرة الكتابة لا تتطابق مع مسيرة الجمهور بالضرورة، فالكتابة إبداع مستمر يعتمد على تراكم خبرات كثيرة، والمتلقي قد يبدأ من الصفر، ولدينا في العالم العربي مسافة أليمة بين مسيرة الكتابة ومسيرة الفرد، فالكتابة تنمو وتتطور، والفرد يتقهقر ويتراجع أو يتجمد. الكتابة تتنفس في فضاء الحرية، لأن الكاتب لديه البراح الذي يأتي من الخيال، أو اللغة، أو الوعي الذي يتعمق باستمرار. بينما الفرد العربي يتنفس في فضاء العبودية، العبودية التي تنتج من وعي قاصر ومحدود نولد فيه، ونعيش فيه، وعي مشوه صنعته السلطات المختلفة كي تحبسنا في قيود ناعمة، وتجعلنا مجرد أدوات تستخدمها لصنع المجتمع الذي يحميها، لا المجتمع الذي يتمرد عليها أو يسعى إلى أوضاع جديدة، وهكذا تعمل أدواتها الجبارة ليلاً ونهاراً، لا في بناء الإنسان بناءً سليماً بحيث يتفتح وينطلق، بل في التكريس للنماذج والأنماط السطحية والتافهة وبروزتها، ورفع مكانتها في الواقع، وهكذا صار من المألوف أن تجد قاضياً كبيراً، أو رئيساً للبرلمان يعجز عن نطق جملة بشكل سليم، أو تجد أستاذاً في كلية الآداب عاجزاً عن تذوق قصيدة جيدة، وكل ذلك، وسواه يجعلنا نعيش في حالة عبثية، تصنع التشوهات، وتكرس للمنطق الغريب الذي يرفع شأن السطحي ويخفض مكانة العميق والعظيم.
 
وسائل جديدة
 
وتطرح الشاعرة البحرينية ليلى السيد، مشكلة الكتاب والكاتب والناشر والقارئ، معتبرة إياها مشكلة دائمة ومستمرة، طالما بقي تجاهلها من أطرافها المختلفة، فالكتاب يختلف بصفته الإبداعية والفلسفية والنقدية، ومع هذا الاختلاف تتراوح قابلية شهية القارئ على كتاب دون غيره. أما بالنسبة للكتاب الإبداعي، خاصة الشعر، فترى أنك تجد إقبال دور النشر على طباعته ضعيفة جداً، بحجة ألا سوق له، ناهيك عن تغريم الكاتب ثمن الطباعة أو نصفها، وتجاهل تماما مسألة أن يكون لكاتبه حصة في مدخولاته، اللهم إلا أن يقوم الشاعر بتوقيع كتابه بشكل شخصي… أما إذا تعاون مع الدار فلينسى ذلك… ويجوز أن يختلف الكتاب القصصي قليلاً، لكنه يبقى يدور في المجرة ذاتها. إلا أن الفائز في هذا السباق الرواية التي اكتسحت اشتغالات دور النشر، الكبيرة منها والصغيرة، فالقارئ موجود بشكل أو بآخر.
تبقى مسألة انفتاح الجيل الصغير على أنواع الميديا المختلفة، التي دخل فيها الكاتب والكتاب الضعيف منه والهش، بقوة تسويقية كبرى، كونه ملماً بهذه التكنولوجيا أكثر من كبار الأسماء، التي يوصف دخولها بالخجل والجهل بهذه الوسائل المتعددة.
الآن السؤال الأساسي لمثل هذه الدور هو كم عدد متابعيك في تويتر أو الانستغرام، أو الوسائل الأخرى؟ بل بات السؤال عن الفيسبوك هامشياً… إذن أنت أمام وعي جيل نشأ على مفاهيم قرائية مختلفة، يكون لقيم ما تطرحه الوسائل الإعلامية وتسويق الكتّاب الجدد دور أساسي فيه.
وتضيف السيد لهذا مسألة الجوائز التي انتشرت في بلادنا، والتي باتت معياراً آخر لانتشار كاتب دون آخر، و«لن أضرب في مداخل هذه الجوائز، لكنها أيضاً بشكل أو بآخر شاركت في وعي القارئ واختياراته».
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات