عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jan-2017

في وداع باراك أوباما ...* وائل السواح

الحياة-أيام قليلة وتحطّ طائرة مروحية في البيت البيض لتقل الرئيس «السابق» باراك أوباما وعائلته إلى مكان ما من العالم. سيتذكره الأميركيون وغيرهم من شعوب بمشاعر متضاربة جداً.
 
معظم الأميركيين سيتذكرون رئيسهم «السابق» بالخير، وسيذكرون أن الاقتصاد تعافى من الهزة العنيفة التي حدثت في 2008، وأن الوظائف في أميركا كانت في تصاعد مستمر ومن دون أي توقف لمدة 57 شهراً. سيتذكرون أنه منذ أوائل 2010 تم إيجاد نحو 16 مليون وظيفة جديدة، وارتفعت الأجور بنسبة 3 بالمئة هذا العام عن العام الفائت.
 
نحو 20 مليون أميركي، بينهم العبد الفقير، سيشعرون بالامتنان لأوباما بسبب خطته الصحية، «أوباما كير» التي ساعدتهم على الحصول على تأمين صحي بمبالغ يقدرون عليها، وأنقذت كثيرين منهم من آلام وأمراض، بل حافظت على حياة بعضهم من المصابين بأمراض خطيرة، ما كانوا يحلمون بمعالجتها من دون خطة أوباما الصحية.
 
وسيتذكر الليبراليون الأميركيون، بفخر ربما، أنهم هم من انتخب أول رئيس أسود في تاريخ البلاد، وكذلك سيشعر الأميركيون الأفارقة واللاتينيون والمسلمون. ستتذكر النساء أن أوباما حصّن لهن مواقعهن في العمل وصان الحق في الإجهاض، وسيتذكر الليبراليون بفخر التسهيلات التي حصلت عليها الفئات المهمشة والمثليون الجنسيون في عهد الرئيس «السابق». أما الأميركيون المسلمون فيتذكرون أن أوباما كان يدافع عنهم وعن دينهم في كل مرة يخلط فيها المتطرفون بين الإرهاب والإسلام ويربطون بين الإرهابيين والمسلمين في شكل تلقائي. ولن ينسى الموظفون الحكوميون قرارات أوباما برفع أجورهم لمساواتهم بنظرائهم في القطاع الخاص.
 
بيد أن كثيرين منا في المقابل لن يشعروا بكبير أسف على رحيل باراك أوباما. فالسوريون لن يغفروا له موقفه المتذبذب وغير الواضح من قضيتهم. ولم يغفروا له تسليم بلادهم للروس والإيرانيين لقمة سائغة. وهم يعتقدون أن الرئيس أوباما في أحسن الأحوال رئيس ضعيف لا لون له ولا شخصية، ولكن بعضهم يعتقد أنه شخص شرير ساهم عن عمد في تدمير سورية وتشريد شعبها وإبقاء ديكتاتورها في سدة الحكم.
 
سيتذكر سوريون كثيرون الخطوط الحمر التي رسمها للرئيس بشار الأسد، خطاً بعد خط بعد خط، وهو يراقب الأسد يجتازها واحداً بعد واحد، ليعيد (وهو الذي يحتل أهم منصب في العالم) رسم خط جديد.
 
لكن ليس السوريون وحدهم، فثمة في العالم من يعتقد أن أوباما أول رئيس أميركي يكسر شوكة الولايات المتحدة كأعظم قوة في التاريخ أمام الحكومة الروسية، التي احتلت كل شبر تراجع الأميركيون فيه في غير مكان في العالم وبخاصة سورية وأوكرانيا. وسيرتبط اسمه طويلاً بأنه الرئيس الذي انتهك الروس في عهده خوادم الحزب الديموقراطي وحصلوا على معلومات شديدة الحساسية، مرروها إلى ويكيليكس، ما ساهم في خسارة مرشحة الحزب للرئاسة هيلاري كلينتون.
 
بيد أن أسوأ وداع لأوباما سيكون عندما يحل محله في البيت الأبيض عنصري وكاره للنساء والملونين والمسلمين، يهتم بثروته أكثر من اهتمامه بوطنه، هو دونالد ترامب. وبينما يودع أوباما منصبه بنسبة 57 بالمئة من الشعبية (وهي نسبة كبيرة في بلد ديموقراطي لرئيس مغادر)، يستقبل ترامب المكتب البيضاوي بنسبة 32 بالمئة في أدنى مستوى شعبي له منذ بداية حملته الانتخابية في العام الفائت. ولكن بغض الطرف عن هذه النسبة، فالرجل يأتي وفي قلبه غل على انتصاره الذي يشبه الهزيمة: فهو حصل على ثلاثة ملايين صوت تقريباً أقل من منافسته، وسيأتي إلى البيت البيض وقلة من وسائل الإعلام وقادة الرأي ومؤسسات الحريات المدنية يكنون له احتراماً حقيقياً.
 
سيأتي الرجل وبيده قلم وممحاة. بممحاته يستطيع أن يمحو الكثير من الإرث الذي سيتركه أوباما، وبالقلم سيوقع كثيراً من الأوامر الرئاسية والقوانين التي من شأنها أن تجعل من إصلاحات أوباما الاقتصادية والاجتماعية أثراً بعد عين، كما وعد نائب الرئيس المنتخب قبل فترة.
 
وهو حتى قبل أن يحصل على هذا القلم تغزّل بالعدو وانتقد مبدأ تناقض المصالح وتنمّر على خصومه ورمى بعرض البحر بالنصائح المتوازنة التي قدمها له الموظفون العموميون ورؤساء الأجهزة الأمنية في بلاده. وعين صهره جاريد كوشنر كبير مستشاري البيت البيض، مهملاً قانوناً يتعلق بالمحاباة سُن بعد قيام الرئيس جون كينيدي بتعيين شقيقه روبرت في منصب وزير العدل، يمنع أي رئيس اميركي من تعيين قريب له في منصب بارز. ولا أعلم أي نصيحة سيقدمها مستثمر عقارات شاب لمستثمر عقارات عجوز في شؤون الساسة الداخلية والخارجية ومجلس الأمن والعلاقات مع حلف الناتو.
 
لكن كوشنر ليس استثناء، فوزير خارجية ترامب سيكون أيضاً حوتاً كبيراً، فهو ريكس تيليرسون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إكسون» الأميركية للنفط، والذي تقاضى 180 مليون دولار فقط لإنهاء علاقته المالية بالشركة، لكي يضمن عدم تضارب المصالح بين منصبه الجديد وعمله السابق في الشركة. ومرة أخرى، لا أريد أن أفكر كيف سيقود رجل كتيليرسون الديبلوماسية الدولية.
 
بعد أيام سيغادر البيت البيض رئيس ليبرالي، ليس بقوة روزفلت ولا بدهاء كلينتون، ولكنه رئيس أنقذ اقتصاد بلاده ودفعها خطوات إلى الأمام على الصعيد الاجتماعي. في المقابل، سيدخل البيت البيض رئيس قيل له إن الروس قد قرصنوا معلومات أميركية حساسة، فكان جوابه: «صحيح، لكن ليس الروس وحدهم من يفعل ذلك»!
 
بعد أيام يغادر أوباما، وسيغادر بعده هولاند، وقد سبقه كاميرون، وليس مصير مركل مضموناً بعد. أما في دمشق فلا يزال الديكتاتور قاعداً على براميله، ولا مؤشر على رحيله قريباً.
 
 
 
 
 
* كاتب سوري

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات