عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jun-2018

«موت في البندقية» لفيسكونتي: لحظة القبح في أجمل المدن *ابراهيم العريس

 الحياة-ليس صدفة أن النقاد والباحثين في مجال المقارنة بين الفنون والآداب، حين يريدون الحديث عن ندرة الاقتباسات الأدبية التي اشتغلت جيداً على الشاشة الكبيرة، يذكرون في المقام الأول فيلم «الموت في البندقية» المأخوذ عن رواية الكاتب الألماني توماس مان المعروفة بالاسم نفسه. وهم في مجال تأكيد كلامهم يعودون إلى المؤرخين والنقاد السينمائيين الذين غالباً ما يذكرون هذا الفيلم بصفته مندمجاً في سينما فيسكونتي أكثر بكثير مما هو مندمج في أدب مان. بل أن ثمة من بين الباحثين من يقول إن هذه الرواية لدى مان لا تعتبر من أعماله الكبرى مقارنة بـ «آل بودنبروك» أو «الجبل السحري» أو «دكتور فاوستوس»، لكنها إذ صارت فيلماً عند فيسكونتي صار ممكناً تبجيله في شكل خاص، بقوة اعتبار الفيلم واحداً من أهم أفلام فيسكونتي، ناهيك بكونه واحداً من أهم الأفلام في تاريخ السينما وأكثرها دلالة، لا سيما في مجال فكري شغل بال فيسكونتي دائماً فجعله موضوعاً أساسياً في أفلامه الرئيسة: موضوع حلول الأزمان الجديدة بابتذاليتها محل الأزمان القديمة وأخلاقياتها وفنونها الراقية. ونحن نعرف طبعاً أن هذا هو الأساس الفكري في أفلام لفيسكونتي مثل «الفهد»، و «الحس» ولاحقاً «الملعونون» و «لودفيغ» وصولاً إلى «عنف وعاطفة». لكن هذا الأساس لم يكن في أي من أفلام فيسكونتي الأخرى على قوته في «الموت في البندقية»، والحقيقة أن المرء يجد نفسه متسائلاً بالتأكيد، حين يشاهد «الموت في البندقية» ويغوص في معانيه، كيف تمكّن فيسكونتي من العثور على موضوعته هذه في أعمال أدباء آخرين (معظم أفلام فيسكونتي مأخوذة من أعمال أدبية سابقة الوجود على أفلمتها)، ومن ثم تطويعها كي تدخل بقوة في سياق برنامجه الفكري؟

 
> مع هذا، نعرف أن التعديلات التي أدخلها فيسكونتي- وكتّاب السيناريو المشاركون له- على نصّ مان لم تكن كثيرة. وكأن الرواية كانت هناك أصلاً، في انتظاره ليأخذها إلى السينما. كل ما في الأمر أن فيسكونتي بدل شخصية آيشنباخ (التي لعبها بروعة استثنائية ديرك بوغارد) من كاتب إلى موسيقي، علماً أن الشخصية لدى مان، كانت تبدو مستقاة مباشرة من شخصية الموسيقي غوستاف ماهلر، التي ستحضر في الفيلم، كشخصية صديق، كما أن ماهلر سيحضر بدوره من خلال استخدام فيسكونتي موسيقاه (مقاطع من السيمفونيتين الثالثة والخامسة) في بعض أجمل مشاهد الفيلم. أما في ما عدا هذا، فإن السياق هو نفسه والجو نفسه والمدينة نفسها والشخصيات نفسها. فما لدينا هنا، في الفيلم كما في الرواية، المبدع آيشنباخ وهو يزور مدينة البندقية، رمز الجمال المطلق، وقد تقدمت به السن والهموم، وبات يشعر بعدم القدرة على الإبداع، إذ بات يعوزه الإلهام، كما بات حانقاً على الأزمان الجديدة وفنونها الميكانيكية. صحيح أن آيشنباخ يعيش أزمة شخصية وعاطفية، لكنها في نهاية الأمر أزمة إبداع ترتبط بهجمة الفنون الآلية الحديثة والخطر الذي تشكله على الذوق الجمالي القديم. إلى أين تمضي وإلى أين تمضي بنا فنون العصر وابتذاله؟ ذلكم هو السؤال الذي لا ينفك آيشنباخ يطرحه على نفسه، وقد استبد به منذ وصوله إلى البندقية توق قوي لكل ما هو مطلق الجمال وكلاسيكي. والحقيقة أن المدينة لن تخيب أمله كثيراً أول الأمر، لا سيما منذ اللحظة التي تلتقي فيها نظراته بنظرات فتى مراهق هو ابن أسرة بولندية أرستقراطية تقوم برحلة استجمام إلى البندقية. ومن فوره يدرك آيشنباخ، مدى ما في تعابير وجه هذا الفتى من جمال ووسامة وعمق تجعله يبدو بالنسبة إليه كناية عن الجمال المطلق الذي يبحث عنه منذ فترة. ومن هنا يصبح الفتى ونظرته إليه، أملاً للعيش ووسيلة للتمسك بالقيم الجمالية (حتى وإن أثار هذا الجانب الأساسي من الفيلم كل ضروب سوء التفاهم، إذ فُهم طبعاً على أنه رغبة جنسية أو عاطفية مثلية استبدت بالموسيقي إزاء المراهق... قد يكون هذا صحيحاً، ولكن في شكل هامشي للغاية، وفي تأويل ظاهر، أما في عمق الأمور فإن المسألة لا تتعدى التمسك من جانب آيشنباخ، بفكرة الجمال المطلق التي صار الفتى يمثلها بالنسبة إليه).
 
> المهم في الأمر إذاً هو أن صورة الفتى (تادزيو) تتضافر مع جمال المدينة، فيمضي آيشنباخ، وقته على الشاطئ ناظراً إلى الفتى حيناً مترقباً نظرة منه، متذكراً في أحيان أخرى حوارات مع أهله وأصدقائه حول الفن والعصور الحديثة. غير أن المدينة سرعان ما تبدأ بإبراز جانب الموت والقباحة، حين تصاب بداء الكوليرا، ويبدأ الموتى والمرضى يتساقطون يومياً، ما يفقد المدينة كل جمالها. في البداية لا يتنبه آيشنباخ إلى هذا الأمر كثيراً، طالما أن الفتى يبقى أمامه رمزاً لجمال يمكن التمسك به. غير أن الأمور لا تبقى في هذا الإطار، ولعل في وسعنا هنا أن نشير إلى مشهد/ مفتاح في الفيلم، لا يعكس فقط ذهنيته، بل عوالم فيسكونتي الفكرية كلها: ذات لحظة، وفيما كان آيشنباخ يراقب الفتى وهو يلهو على الشاطئ مع رفاقه، وهو كعادته متألق دائماً غامض دائماً، موارب النظرة والفكر، يحدث أن يتغلب واحد من رفاقه عليه في المصارعة: إنها المرة الأولى التي يرى فيها آيشنباخ فتاه مهزوماً أمامه فينظر إليه بخيبة أمل، في اللحظة نفسها التي يسيل فيها على جانبي وجهه صباغ شعره، وكما نفهم بفعل حرارة جسمه الذي، في غفلة منه، كان أصيب بدوره بوباء الكوليرا. هنا، وانطلاقاً من وجهة نظر آيشنباخ المتألم والملتاع تثبت الصورة السينمائية نقاءها على آلة تصوير فوتوغرافية موجودة عند الشاطئ. والمعنى واضح: أن وباء البندقية، وهزيمة نادزيو في المصارعة، ومرض آيشنباخ، ثم موته، إنما هي إشارة إلى حلول الأزمان الحديثة، أزمان الواقع بعيداً من خيالات الجمال المثالية. والكاميرا الفوتوغرافية هي هنا لقول هذا بالتحديد.
 
 
> طبعاً، هذه الكاميرا لا وجود لها على هذه الشاكلة في رواية توماس مان الأصلية، لكن الدلالة حاضرة: الدلالة التي رسمت دائماً «هزيمة» كبار كتّاب الجمال المطلق (من أمثال توماس مان) ومبدعيه (من أمثال فيسكونتي)، أمام هيمنة الحداثة، والميكانيكية منها خصوصاً (ما يحيل طبعاً إلى دراسة شهيرة كتبها والتر بنجامين، في الزمن نفسه الذي كتب فيه مان روايته هذه، حول مصير الفنون والآداب في زمن إعادة الإنتاج الميكانيكية للنتاجات الفنية، ما يجعلها في متناول الجموع بعدما كانت دائماً، فنوناً للخاصة). ونحن نعرف أن لوكينو فيسكونتي إنما عبّر في هذا المشهد بالذات عن تلك الأمور التي دائماً ما شغلت باله، ولكن من دون أي نفحة رومانسية تطالب، ولو رمزياً، بإلغاء الحديث لمصلحة القديم الجميل. إن الواقع يقول لنا إن ليس في وسع أحد إيقاف التقدم. وحتى الفن مهما بلغ به الخيال لا يمكنه هذا، وإلا لأصبح خارج الزمن. فما العمل؟ نصوّر حلول الحديث محل القديم، بجمال مطلق، أي نكيّف الفن المنتمي إلى الزمن الراهن، مع متطلبات هذا الزمن، انطلاقاً من اعتبار القول الفني في هذا المجال، من ناحية، فعل احتجاج، ومن ناحية ثانية فعل أمل. والحقيقة أن هذه الفكرة هي التي هيمنت دائماً على سينما فيسكونتي، وجسّدها بخاصة في هذا الفيلم.
 
> وقد يكون من المفيد هنا أخيراً أن نذكر أن هذه الفكرة ما كان من السهل تقبلها بالنسبة إلى كل الرقابات، ومنها طبعاً الرقابة الأميركية التي كانت على وشك أن تمنع عرض الفيلم، عام إنتاجه (1971)، لولا انه عرض في الوقت نفسه، في لندن تحت رعاية الملكة إليزابيث الثانية، التي صفقت طويلاً للفيلم، فيما كان العارضون يجمعون في الوقت نفسه تبرعات من أجل إعادة ترميم مدينة البندقية نفسها. وهكذا أُسقط في يد الرقابة الأميركية ولم تعد قادرة على منعه.
 
> ولوكينو فيسكونتي (1906- 1976)، كان واحداً من كبار المخرجين الإيطاليين، في السينما وأيضاً في المسرح والأوبرا، وهو من عائلة نبيلة، لم تمنعه أرستقراطيتها من الانخراط باكراً في الفكر الشيوعي. وهو درس السينما في فرنسا على يدي جان رينوار الذي قدمته إليه مصممة الأزياء الشهيرة كوكو شانيل، ثم عاد إلى ايطاليا ليؤسس «واقعية جديدة» سرعان ما تخلى عنها ليحقق أفلاماً قاسية اجتماعياً، مملوءة بالجماليات أخذ معظمها عن أعمال أدبية: «الفهد» عن لمبدوسا، «الغريب» عن ألبير كامو، «الأرض تهتز» عن فيرغا، «الليالي البيضاء» عن دوستويفسكي، إضافة إلى فيلمه الأخير «البريء» عن دانونزيو ونصف دزينة أخرى من تحف سينمائية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات