عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Oct-2018

في إمكانية إنقاذ فيديرالية أوروبا*صطفى كركوتي

 الحياة-بعد تطورات سياسية جوهرية في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي، مثل بريكزيت البريطاني ونتائج انتخابات السويد وقبلها إيطاليا وبروز قوي لظاهرة الشعبوية في ثوبيها اليميني واليساري في بلدان أوروبية أخرى (المجر وبولندا والنمسا)، هناك الآن مناقشة جادة حول العمل الفيديرالي في مسعى البحث عن قيادة رشيدة لديها ما يكفي من الوعي والشجاعة للتعامل مع كل الظواهر الجديدة في حياة أوروبا السياسية. والسؤال المطروح بإلحاح راهناً هو حول ما إذا كانت الفيديرالية العابرة لسيادة الدول الأعضاء لا تزال مقبولة، ولدى من؟

 
أوروبا جربت المعاهدات سابقاً في تاريخها الدموي، لا سيّما في الألفية الفائتة إثر حروبها الطائفية (بخاصة بين البروتستانتية والكاثوليكية) في 1555 و1648. لكن تلك المعاهدات لم تُنهِ الحروب أو تقضي على الإمبراطوريات كما أنها لم تنتج ثقافات متينة تضع أسس التعايش بين الطوائف، بل أنتجت عصر الدولة - الأمة الذي بدأته بريطانيا وفرنسا وتلتهما ألمانيا وإيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر قبل ولادة الدول الأصغر في القرن العشرين.
 
وصل ذلك العصر إلى نهايته الدموية مع الحرب الكونية الثانية وبروز النازية الطامحة إلى السيطرة على أوروبا نقية من «الشوائب» العِرقية، وباتت الدولة - الأمة أحد أبرز عوامل نشوب الحرب بدلاً من منعها. لكن الضرورات الاقتصادية ومتطلبات التنمية غلبت على مفهوم «توازن القوى» القديم في أوروبا وحل محله مفهوم الكيان الموحد الذي عبرت عنه أوروبا الفيديرالية الملتزمة بالسلام بتضامن دولها القائم على أسس التعاون والديموقراطية والمساواة وحرية التعبير والسوق المشتركة وحرية الصحافة واحترام المجتمع المدني. إنها نقلة ثورية بكل معنى الكلمة أساسها قيم الليبرالية الغربية كما عرفت منذ منتصف القرن الفائت.
 
 
هذه القيم تعرضت لهزّة لأول مرة في المجر، العضو المنتسب إلى الاتحاد الأوروبي في 2004، إثر وصول حكومة فيكتور أوربان إلى السلطة في 2010 خارقاً قواعد العمل الموحد، لا سيما في مجال التحكيم المستقل وحرية الصحافة واستقلالية التعليم الأكاديمي وانتشار ظواهر الفساد في إدارته، وفقاً لتقرير رفعه في هذا الشأن أحد نواب هولندا في البرلمان الأوروبي. وكرد فعل على هذا السلوك قام البرلمان باتخاذ إجراء غير مسبوق بحرمان المجر من حق التصويت في مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي. أوربان اعتبر ذلك القرار «ابتزازاً» للدولة والشعب من دول فتحت حدودها لأفواج المهاجرين لدخول أوروبا وتُجبر المجر على أن تفعل الشيء ذاته.
 
أوربان طرح بموقفه ذاك تساؤلاً على الأوروبيين: كيف بإمكان رابطة ديموقراطية محدودة مثل الاتحاد الأوروبي أن تكون لها الأسبقية على حكومة منتخبة مثل حكومته؟ أوربان يشعر إثر توسيع قاعدته الشعبية في انتخابات 2018 ودعم الشعبويين أمثاله في بولندا وإيطاليا وأخيراً في السويد، أن بقدرته تحدي قرارات الاتحاد. فهو يعتبر نفسه حامي حمى قيم الكنيسة ورأس حربة المسيحية المهددة بهجوم الهجرة الإسلامية، والتي لم تعد دول غرب أوروبا حريصة على حمايتها.
 
في الغرب الأوروبي، شهدت إحدى دوله البارزة، إيطاليا، تغيراً جوهرياً بقيام ائتلاف حكومي بين حركة النجوم الخمس في جنوبها الفقير وتعهدها وضع حد أدنى للأجور، وبين حزب العصبة اليميني في شمالها الميسور ووعوده بخفض الضرائب. هذا الائتلاف واجه أول اختبار له عندما رفض الاتحاد الأوروبي مسودة الموازنة الإيطالية لـ2019 - وهو قرار غير مسبوق ضد دولة مؤسِّسة لمنطقة اليورو - بحجة العجز المرصود في الموازنة، والذي يعتبره الاتحاد مهدداً استقراره الاقتصادي.
 
هذه أول مواجهة بين دول غرب الاتحاد وائتلاف إيطاليا الشعبوي، ويبدو أن الائتلاف كان يتمنى حدوث ذلك لأن معاداة أوروبا هي التي تبرر وجود الائتلاف كون زعيميه ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو شكلا حكومة تبحث عن خصم ووجدا في الاتحاد الأوروبي هذا العدو. حرب كلامية فايسبوكية أطلقها دي مايو ضد المفوضية الأوروبية، قائلاً أن موازنة إيطاليا المقترحة هي أول موازنة «تكتب في روما وليس في بروكسيل... سنواصل القول للمفوضية أننا نرفض سياسات أوروبا... ورؤوسنا مرفوعة عالياً».
 
أمام واقع بريكزيت البريطاني والمخاوف من تكرار بركزيت في أشكال أوروبية أخرى، كان أول من طرح أفكاراً في هذا الشأن الرئيس إيمانويل ماكرون تحت عنوان: دعونا نر من مع الفيديرالية ومن ضدها؟ الرئيس الفرنسي الذي يدفع باتجاه اتخاذ قرار ما، يقدم في الوقت ذاته طريقاً ثالثة بين الاندماج وخيار بريكزيت. لقد تقدم باقتراح ابتكاري وهو إنشاء نظام الدوائر المركزية داخل الدائرة الكبرى والجامعة، أي تشكيل وحدات متباينة للعمل المشترك حسب رغبة كل مجموعة وحاجاتها على حدة.
 
ويتيح هذا التشكيل المقترح، في رأي ماكرون، قيام مجموعة دول ترى الاتحاد الأوروبي، من ناحية، كدولة فيديرالية لتطوير التعاون في ما بينها في إطار هذه الدولة، فيما تشكل الدول التي تفضل التعاون في ما بينها على أساس ترتيبات التجارة الحرة، المجموعة الأخرى. أي بعبارة أخرى، مجموعة مندمجة وأخرى مرنة. هذا في حد ذاته تحدٍ آخر مطروح أمام الأوروبيين، وإذا ما تم تبنيه فهو يعني إعفاء الاتحاد الأوروبي من سلطته المركزية الملزمة ومهمة البحث عن حل لأزمة المحافظة على اتحاد متماسك أو اتحاد يسمح لدوله بأن تبني علاقاتها في ما بينها على أسس مرنة.
 
مجموعة الدول الراغبة في الخيار الثاني تريد أن تحافظ على السيادة الوطنية كما يبدو الأمر في ضوء نتائج انتخاباتها، مفسحة في المجال لتأكيد أن الاتحاد الأوروبي فشل في إلغاء حالة الدولة -الأمة وفقاً لتصور رواد العمل الأوروبي المشترك في منتصف القرن الفائت الذي تطور إلى الاتحاد القائم راهناً. المناقشة في هذا الصدد مستمرة وقد بدأت تتخذ أشكالاً أخرى من العمل الأوروبي تطفو على السطح وسط خلافات حادة، إذ يقوم أوربان وأمثاله من قادة أوروبا باستغلال حالة الانقسام الواضح في شأن المستقبل. ولكن، في هذه الأثناء حسمت بريكزيت موقف بريطانيا وإن كان الخلاف حول العلاقات مع أوروبا لم ينته بعد، كما يصطف الشعبويون في المجر وبولندا وإيطاليا وإلى حد ما في السويد في معسكر العداء لبروكسيل، في حين لا تزال دول أخرى تسرح في فضاء الغموض.
 
* كاتب وصحافي سوري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات