عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

حَدِيثُ «اَلْبُرْجِ» السُّفْلِيِّ

 القدس العربي-أحمد الحجام

بِمَهَارَةِ الصَّيّادينَ
تَلْتَفُّ الزُّقَاقَاتُ حَوْلَ أَكْوَاخِنَا
شَرَكًا يَنْصُبُهُ الفَقْرُ
يَغْرِزُ حِبَالَهُ فِي طَرَاوَةِ جُلُودِنَا 
..وَ يَنْهَشُ أَفْرَاحَنَا العَجْفَاءَ بِخُطّافِهِ الطَّويلِ
 
.. كُنَّا صِغَارًا نَنْمُو بِأُعْجُوبَةِ الإِصْرَارِ
عُيُونُنَا يَمْلَأُهَا الشّغَبُ
.. والصّحْوُ المُكَابِرُ
نَعْدُو كَالنَّبْضِ فِي الشَّرَايِينِ
نُطَاوِلُ بِأَعْنَاقِنَا أَسْوَارَالجِيرَانِ
وَ نَسْتَرِقُ النَّظَرَ
إِلَى شَجَرَاتِ التِّينِ والعِنَبِ
مَتَى تَهَدَّلَتْ مَفَاتِنُهَا بَيْنَ العَرَائِشِ
 
فِي الصَّباحَاتِ نَقْذِفُ بِالحِجَارَةِ
زُجَاجَ السَّمَاءِ 
وعِنْدَ الأَصَائِلِ نَرْتَقِبُ الشمسَ
حتَّى مَا إِذَا لَوَّحَتْ بِعُرْفِهَا الأَحْمَرِ 
مائلة نحو الخم العَظِيمِ
أَلْقَيْنَا إِلَى اللَّيْلِ بِقَمْحِ الأَسْرَارِ
وَتَلَمَّسْنَا بالكَادِ آلامَنَا التَّائِهَةَ
كفراخ تفغر مناقيرها 
لدودة القدر
كُنّا صِغَارًا
نَمْشِي عَلَى هُدي القَصْدِيرِ
وتعاليم الطّينِ.. نَحْتَمِي بِقصب الكتمان
نُآخِي لُعَبًا هَشَّمَهَا الصَّدَأُ
..نُسَمِّيهَا بِأَجْمَلِ الأَسْمَاءِ
مِنْ أَصَابِعِنَا يُبَرْعِمُ الضَّوْءُ
نُبَاهِي بِأَعْوَادِ الثِّقَابِ نُجُومًا فِي السَّمَاءْ
أَبَدًا لَمْ نُبَالِ ..وَ لَمْ نَكُنْ لِنُبَاليَ
لَوْلاَ أنَّ عَاصِفَةً دَاهَمَتْ بَيْتَنَا ذَاتَ مَساءْ
فَاخْتَلَجَ الضَّوْءُ وانْشَقّ الطِّينُ عَلى الجُدْرَانِ
كَانَ قلْبُ أخِي صَغِيرًا بِمَا يَكْفِي لِكَيْ يَنْفَطِرَ
ويَنْطِقَ الحَرْفَ الأَوَّلَ لِلْيُتْمِ 
بَكَى مِثْلَمَا بَكَيْنَا
عِنْدَمَا خَطَفَ العنكبوت لُعْبَتَهُ الوحيدة
كَانَتْ غَزَالاً نحاسيا ِببرِيقٍ عُذْرِيٍّ
و بَهْجَةٍ خَجْلَى 
فَتَوَهَّجَ مُذْ ذَاكَ فِي بَيْتِنَا قِنْدِيلُ الغَسَقِ
يَا لَلْهَوْلِ ! كُنَّا نُحَدِّقُ لاَ نَرَى غَيْرَ أمْسِنَا 
تُبَعْثِرُهُ الزَّفَراتُ .. 
كُنَّا نُحَدِّقُ قَلِيلا أَكْثَرَ
يَشْعَثُّ فِي رُؤُوسِنَا الخَوْفُ
حِينَمَا نَرَى دَرّاجَةَ أَبِي البَاليَه
كَانَ قَدْ أَسْنَدَهَا عَلَى الجِدَارِ ذَاتَ فَجْرٍ بَعِيدٍ
وَبَاغَتَهُ الغِيَابُ
نَافِرَةَ المَكَابِحِ تُشِيرُ إلَينَا بِالبَنَانِ
حَتّى صَفَائِحُ القَصْدِيرِ
صَرَخَتْ لَيْلَتَهَا فَوْقَ السَّطْحِ
وطَارَ اَلدُّورِيُّ الوَحِيدُ ..
هِيَ نَفْسُهَا الصَّفَائِحُ الَّتِي تَتَحَوَّلُ كل صيف
إِلَى مِقْلاةٍ لأَحْلامِنَا
لِحُسْنِ الحَظِّ
أنَّ يَدَيْ جدَّتِي كَانَتَا مِرْوَحَة
و ظلال تينتنا ظلت جنة الخلد
 
لَكِنَّهُ « البُرْجُ « (1)السُّفْلِيُّ لا يَهْدَأُ أَبَدًا 
تَنْغَلُ دِيدَانُهُ فِي المَجَارِي والجَمَاجِمِ
.. فِي عَيْنِ النَّهَارِ وأَظَافِرِ اللَّيْلِ
كُلّ يَوْمٍ حِكَايَة 
تُوَقِّعُ أطْوَارَهَا سَقَّايَةُ « الحَمِيدِيِّينَ «(2)
بِخَرِيرِهَا الأَبَدِيِّ
مَرّةً تُرَاِودُ مَجْذُوبَ الحَيّ ِسَرْدِينَةٌ عَنْ جُوعِهِ
حَتَّى يَمُورُ فِي عُرُوقِهِ البَحْرُ 
فَيُرْدِيِهَا عِنْدَ نَوْبَةَ الجُنُونِ
ومَرَّةً « كَرَّاطُ «(3) يَكْرَعُ مِنْ دِنَانِ الخَيْبَاتِ نَبِيذَهُ
بَيْنَ الجَنَائِنِ يُجَالِدُ الأشبَاحَ 
ويُعْلِنُ عَلَى الذُّبَابِ حَظْرَ التِّجْوَالِ
وَمَرّاتٍ .. تُلَعْلِعُ الإشَاعَةُ
أنَّ دُرُوبَنَا تَحْضُنُهَا فُوْهَةُ بُرْكَانٍ
وَ أَنَّ الرَّمَادَ طَهَارَةُ الحَدَثِ
 
لَكِنَّ عَمِّي عُمَرَ البَقَّالَ هُنَاكَ مَا زَالَ
يَتَرَبَّعُ عَلَى مِصْطَبَةَ الْجَلِيدِ
يَحْرُسُ دُكَّانَهُ المَرْصُودَ
ويطْوِي مَخْرُوطَاتِ البُنِّ والشَّايِ
مِنْ صَفَحَاتِ الإِلْيَاذَةِ والأوديسا
.. وأَوْرَاقِ اللَّيَالِي
تَحْتَ طُرْبُوشِهِ تَنْدَسُّ الأَسْرَارْ
 
هو « البُرْجُ « السُّفْلِيُّ لا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ
تَارَةً يَشِعُّ فِي سَرَادِيبِ الذِّكْرَى مَنَارَةً 
وأخْرَى قَلْعَةً للْعَجَائِبِ يَنْتَصِبُ 
.. حَدَّ الانْهِيَارْ
 
(1) «البُرْج» أو برج مولاي عمر هو أحد الأحياء الهامشية في مدينة مكناس، وكان مصنفا ضمن مدن الصفيح إلى حدود التسعينيات.
(2) الحميديين: إحدى حارات حي البرج.
(3)»كرَّاط» فتوّة كان معروفا بشراسته خلال الستينيات والسبعينيات في حي برج مولاي عمر.
 
٭ شاعر مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات