عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-May-2018

رسائل التنبؤ السينمائي بالشر : «كتلة أكاذيب» صنعتْ فيلما هوليووديا صادقا

 القدس العربي-يوسف المحسن

عندما تجتمع الأكاذيب فلا بدّ أن ترسم ملامح مغايرة، حقيقة يمكن أن تصل لمن شاهَد فيلم «كتلة أكاذيب» للمخرج ريدلي سكوت، الفيلم الأمريكي الذي صُنِّفَ من أفلام حرب العراق صُوّرت مشاهده في الأردن وأماكن من الشرق الأوسط وأوروبا والعاصمة الأمريكية واشنطن، وهو مأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للكاتب ديفيد آر إغناتيوس صاحب الثماني روايات والصحافي والمحرر السياسي وكاتب المقالات ذائع الصيت في صحيفة «واشنطن بوست».
الفيلم كتب السيناريو له وليم موناهان، وهو من أفلام الحركة والجاسوسية والإثارة ويدور حول ملاحقات تقوم بها المخابرات الأمريكية الـ«سي آي أيه» لمخططات إرهابية يجري التحضير لها في العراق وأماكن من الشرق الأدنى (المعروف اصطلاحاً بالشرق الأوسط) تستهدف أوروبا وامريكا، حيث يُعِدُّ العميل روجر فيريس (دي كابريو) والمعين حديثاً كمدير للعمليات في المنطقة، مخططاً يمثل عمليّة تفجير افتراضية تستهدف قاعدة أنجرليك الجوية في تركيا ليستدل من خلالها إلى الخلية المتشددة، فيريس كان قد حصل على المعلومات حول المخطط من وكر داهمه في مدينة تكريت العراقية، دلَّ لإشارات أوليّة وأرقام هواتف وصور ومقاطع فيديو للمتشددين.
البداية كانت من تحليل يقدمه عميل الارتباط في مقر «سي آي أيه» في لانغلي أد هوفمان (راسل كرو) حول تصوراته للأساليب التي يستخدمها المتشددون في التخفي والحيلولة دون اصطيادهم، «الإرهابيون يقاتلون أناساً من المستقبل، لقد عادوا إلى الماضي، رموا هواتفهم وحواسيبهم وحولوا رسائلهم إلى شفهية، ودخلوا بين الناس بلا زي موحد وبلا علامات دالة فكيف يمكن التعرّف عليهم، إنهم لا يريدون التفاوض وإنما إقامة إمارتهم»، وهي توقعات أثبتت صحتها بعد أعوام من إنتاج الفيلم، ويتأكّد ما ذهب اليه أد هوفمان حين تثير مركبات المتشددين دوائر من الغبار حول العميل فيريس قبل أن تختطفه من الصحراء متغلبة على الرقابة الجوية، إذ تتفرق المركبات في اتجاهات عدة لم يتم تحديد مصير فيريس بعدها، ليتم اقتياده إلى مخبأ تحضيراً لإعدامه، العميل هوفمان الذي أدى دوره ببراعة الممثل النيوزيلندي راسل كرو المولود في السابع من أبريل/نيسان عام 1964 والحاصل على الأوسكار بعد أن رُشح لثلاث مرات، وقبلها رشح لجائزة الغولدن كلوب في خمس مناسبات، وهو بطل فيلم «روبن هود» 2010 وفيلم «عقل جميل» 2001، عبّر عن زاوية أخرى من الصراع المبني على سوق الأكاذيب والافتراضات. 
الحوارات هي التي حملت رسائل الفيلم، فلا شيء جديد قدمته الكاميرا أو الموسيقى أو المؤثرات، تأثيث المَشاهد وحركة الكاميرا وإيقاع الفيلم لم يظهر براعةً سينمائية بقدر ما أحال ابتلاع الكم الكبير من الضخ الانفعالي الذي ارتكز عليه كاتب السيناريو في تكوين المشاهد الى جزئيات منفلتة، والأماكن التي تــــوزعت فيها الأحـــداث (واشنطن، تكريت، سامراء، بلد، عمان، امستردام، دير الزور، دبي، أنجرليك، السعيدي ومبروك على الحدود السورية الأردنية، درعا، حماة، السيلية، الخ) تركت اثراً سلبيّاً على الربط الشعوري مع الأحداث، الكاميرا ركّزت على مشاهد البؤس والفقر والخرائب والأزبال وكأن الفيلم يقول إن هذه المشاهد هي رئة يتنفس منها التشدد، فيما المخرج ريدلي سكوت سعى للحصول على فيلم يمكن أن يحصد الجوائز بالدرجة الأولى، فخرج الفيلم مهلهلاً مربكاً اقترب في بنيته من السلسلة التلفازية.
وكابريو الحاصل على جائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في فيلم «العائد» عام 2016 وكان رُشّح لها خمس مرات أخرى، هو «ذئب وول ستريت» 2013، وقبلها برز في فيلم «عصابات نيويورك» 2002، أطلق عليه والداه اسم ليوناردو، لأنه ركل ركلته الأولى لأمّه أثناء حملها به، وهي تُشاهد لوحةً للرسام ليوناردو دافينشي في متحف إيطالي خلال تجوالهما فيه، وسمّاه الامين العام للأمم المتحدة مبعوث سلام لمكافحة التغيير المناخي، حسب ما نقلته صحيفة «لوس أنجليس تايمز» كان مستفزاً في أغلب المشاهد، مثل ماكنة من الشتائم المتحركة، أقرب الى مروّج للسلع او مندوب مبيعات من كونه ضابط مخابرات رفيع المستوى، وهو ما درج عليه في غالبية أدواره السينمائية بداية من عدم الرضا عن كل شيء، ومن ثم التعرض للأذى، حيث يتقن إظهار الألم والتوجّع، فيما كان هاني باشا (مارك سترونج) هادئاً واثقا من نفسه.
العراق كان حاضراً في الفيلم ايضاً كحديقة خلفية للصراع بين «سي آي أيه» وتنظيم ما يعرف بـ«القاعدة»، فالهدف من العمليات هو قتل أكبر عدد من الناس ولي ذراع الأمريكيين في المنطقة وفي أمريكا ذاتها، يقول إد هوفمان في واحدة من حوارات الفيلم «عدوك يتكيف مع الحرمان، الحرب الطويلة تزيده إصراراً، مع كل نبأ للموت، علينا مواجهة تحول الرأي العام من منزعج إلى معارض إلى شديد المعارضة» فالرهان على القتلى وعلى الوقت والتغيير في المزاج العام.
والأكاذيب المتبادلة بين عملاء المخابرات هي المحرّك للأحداث، في ما كان الخيط الرومانسي الذي مثلته قصة الحب المبتسرة بين العميل روجر فيريس وعائشة (غلشيفته فراهاني) الممرضة الإيرانية المقيمة في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في جبل الحسين في عمان مقحماً وزائفاً ومحشوّاً كمثل أحداث أخرى في الفيلم، قصة حب بلا دوافع وغير مبررة لضابط كبير في المخابرات الأمريكية، الأكاذيب جعلت من الجميع هدفاً سهلاً، وما يحسب للفيلم أنه قدّم الممثلة فرهاني كأوّل ايرانية تشارك في إنتاج هوليوودي كبير ساعدها في ذلك اتقانها للغتين الفرنسية والإنكليزية إضافة إلى الموسيقى.
المخرج ريدلي سكوت ليس بالجديد على إيصال رسائل التنبؤ بالشر قبل وقوعه، حين توقع عبر هذا الفيلم 2008 إعلان المتشددين لدولتهم المزعومة، الذي تحقق في عام 2014، فقد سبق وقدم فيلمه المثير للجدل «سقوط البلاك هـوك» الذي يصور عملية تحطم مروحيتين أمريكيتين في الصومال قبيل الهجوم على برجي التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فيما احتوى فيلمه «كتلة أكاذيــب» على عبارتين مثيرتين للجدل يتهــم في الأولى دولة بعينها بتمويل الجماعات المتشددة، ويفضح في الأخرى سرّاً مخابــراتياً لم يتـــم التأكـد من صحته، وهو أن بن لادن «قام بإطعـــام الزرقاوي للكـــلاب حين أصــبح أقوى منه»، وهي معلـــومات تم وصفــها بخواطر للإثارة من قبل متابعين غربيين، لكن من يدرس سيرة الروائي ديفيد آر إغناتيـوس وسيرة كاتب الســيناريو وليم موناهــان لا يجد ضيراً من التفكير بمدى دقتــها، فـ«كتلــة أكاذيب» حاول أن يوجه الأصبع حول نشاطات وفعاليات تقــوم بها أجهـزة مخابراتـية وصلـت لإطــلاق النار في أماكن عامّة وبحضـور مدنيين، وهو بـذلك يكشف الوجه الأكثر قتامة من الحروب، تراكم للأكاذيب يفضح حروباً داخل حــروب، فيما تبقى القيمة الفنية للفيلم مستلّة من كونه عبارة عن معزوفات صورية متفرقة على حائط واحد وإن تعددت الأمكنة.
 
٭ ناقد سينمائي عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات