عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Dec-2017

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 

دراسة وإعداد: الدكتورة هند أبو الشعر
تحسين قدري آمرا لمقرّ الجيش الرابع في حلب :
الراي - بعد مشاركته في معارك جبهة أرضروم ، سقط تحسين قدري مريضا بالتيفوس ، وبقى معزولا في إسطبل لمدة أربعين يوما ، حتى شفي ، وسمح له بمخالطة الآخرين ، كان كلّ ما شهد عليه في الجبهة يبعث على الأسى ، لأنه رأى الموت والجثث المتجمدة على أكوام الثلوج التي وصلت إلى أكثر من مترين .. رأى الجوع والخوف والمرض ، وحصل على تكريم لشجاعته وتطوعه بمهمة أنقذت القطاع المنعزل من الجيش العاشر ، وأوصل إليهم في عزّ الليل الأمر بالانسحاب ، فأنقذهم من الموت المحقق ، نتيجة انقطاع الاتصال .. وبعدها نقل تحسين قدري آمرا لمقرّ الجيش الرابع في حلب .
كان مبنى المقرّ في حلب في فندق (اوتيل ) البارون وفي اوتيل ألمان ، ولفندق البارون الذي ما زال قائما في حلب (أو هكذا أفترض حسبما شاهدت في فيلم وثائقي قبل جنون الربيع العربي ) لهذا الفندق أهمية تاريخية في ذاكرة أهالي حلب ، فعندما زار فيصل الأول حلب بعد دخوله دمشق ، وتأسيس الحكومة العربية الفيصلية فيها ، نزل الأمير فيصل فيه أثناء زيارته لحلب ، وتناقلت الصحف صورة الأمير على شرفة الفندق وهو يخطب بأهالي حلب الذين تجمهروا وتابعوا فيصلا يدخل على حصانه العربي ، وينزل في هذا الفندق ، قبل هذا التاريخ ، وفي الزمن العثماني نزله تحسين قدري آمرا لمقرّ الجيش الرابع المعسكر في حلب ، وكان تحت إمرته سريةّ خيالة ، وسريةّ نقل البغالة ، ومعهم سريةّ متطوعين من الشراكسة ، ويبدو أنهم من شراكسة عمانّ ، لأن تحسين قدري يقول بأنهم ( استقرّ فيهم المطاف في الأردن ، ورئيسهم اسمه عرفه ..) .
الأرمن في مذكرات تحسين قدري :
استعاد تحسين قدري ما رآه من أحداث للأرمن في هذه الفترة القلقة ، ومعلوماته على جانب كبير من الأهمية ، ويؤكد فيما أورده بأنه شاهد عيان على حالات الإبادة والشنق التي قام فيها فخري باشا للأرمن أمام الأعين ، وتمّ إنكارها فيما بعد ، لكن أمانة تحسين قدري جعلته يدافع عن العائلات الأرمنية ، ويوصلها إلى برّ الأمان ، حيث تبرع الشريف الحسين بن علي بإرسالهم إلى مصر على حسابه الخاص ، وسنورد حرفيا ما ذكره تحسين قدري في مذكراته بأمانة الرجل النبيل الذي تألم لما رأى من فظائع إنسانية ، يقول : ( كان الأرمن من الذين ثاروا في أورفه والأناضول ، وعينّ فخري باشا لضربهم والتنكيل فيهم ، وطبعا كنت في الأركان الحربية في المقرّ ، وذهبت إلى أورفه مع قوة عسكرية ومدافع ، وقاد فخري باشا بنفسه تطويق الإبادة ، وقاوم الأرمن أكثر من أسبوعين مقاومة بطولية ، كان أحد قادة الأرمن واسمه « يدي قرا شعر « على رأس إخوته السبعة محاصرا في أورفه من كلّ جانب ، ودافع وقاوم لأكثر من خمسة أيام ، ثم حوصروا في الكنيسة ، وبعد قذف الكنيسة بالمدافع ، استسلمت المدينة وقتل يدي قرا شعر ، وكان عنده امرأة جميلة ، وجاءت تتوسل عند فخري باشا ، لعدم قتلها ، وقدمت له جميع ممتلكاتها من الذهب ، والتي تساوي حوالي الألف من الجنيهات الذهبية ، وكان هناك الكثير من الأسرى من الشباب والرجال الأرمن أبيدوا بالسلاح الأبيض ..! أما النساء فحشدوا في معسكرات بصورة تقشعر منها النفوس ، ورأيت بعيني هذه المأساة ، وأذكر الكثيرين من الآباء والأمهات الذين يرجونني أن أخلص لهم أطفالهم ، وخلصت منهم بنتين ، واحدة منهم كانت ابنة « ديشجي بدروس « ، والأخرى كانت إحدى أقاربها ، وجلبتهم إلى دمشق عند شقيقتي عصمت ، والتي عاملتهم معاملة الأخوات ، وبقيتا عندنا في البيت لمدة ثلاث سنوات ، وبعدها حين دخولنا دمشق حضر بعض أقاربهم الذين استلموهم منا ، لقد أثرّ التنكيل بالأرمن في عواطفي ، مما دفعني لإنقاذ ما يزيد على المائتي عائلة من الأسر الأرمنية المنكوبة ، وإرسالهم إلى القاهرة كما سأذكر لاحقا حين الالتحاق بالثورة العربية ..) .
هذه هي شهادة هذا الرجل النبيل حقا ، والذي لم يخفي ما شاهده من بطش وتنكيل وشنق بأهالي أورفه ، ودفعته إنسانيته لإنقاذ فتاتين وحمايتهما في بيت شقيقته عصمت بدمشق لمدة ثلاث سنوات ، ويشير تحسين قدري في أحداث التحاقه بالثورة العربية الكبرى إلى انه قاد قافلة كبيرة من الأسر الأرمنية ، وهؤلاء أرسلوا محفوظين إلى القاهرة ، وكان الشريف الحسين بن علي تبرع بنفقة توصيلهم إلى مصر ، وقد حفظ له الأرمن هذا الجميل ، وعرضوا مساعدتهم عند إعلانه الثورة ضمن الجيش العربي ، وعندما نفي الشريف الحسين بن علي « ملك العرب « إلى قبرص ، كان الأرمن في خدمته ، ردا للجميل ومحبة له ، وفي عمانّ يضع الأرمن في بيوتهم وثيقة بخط يد الشريف الحسين بن علي ، تحض على حمايتهم والحفاظ على حقوقهم ، وهو ما شاهدناه بأم أعيننا ، في إشارة حيةّ لروح الرحمة في نفس هذا الشريف الذي رفض ما قام به الأتراك بحق الأرمن ، وهو ما سجلته مذكرات تحسين قدري كما رأينا ، وقد أضاف لما ذكره ، معلومات تستحق التوقف والقراءة ، يقول : ( احتج الألمان على المعاملة الوحشية للأرمن ، وأرسلوا إلى جمال باشا السفاحّ ، وهذا بدوره أرسل «فالح رفقي « بصفة حقوقي ، لكي يستعلم من فخري باشا ، فاحتضن فخري فالح رفقي ..! وكان هو وأعوانه يجيبون على التهم للتخلص من احتجاج الألمان ومنظمة الهلال الأحمر الدولي ، وهنا أيضا كان فالح رفقي ينظر إلي بحنق ..؟ واختفى هذا الشخص عن عيني إلى سنة 1931 م أو 1932 م ، كما سأشرح في حينها ..) .
وتأكيدا لما ذكره تحسين قدري ، عدنا إلى مذكرات محمد علي العجلوني الذي شهد هو الآخر على محنة الأرمن ، يقول في الصفحة 21) عينت قائدا للمفرزة الخامسة من إحدى عشرة مفرزة التي يديرها الميرالاي عثمان بك .. وكان من الطبيعي أن نجتمع بإخواننا الضباط العرب في طرطوس ..وفي محطة طرطوس كنا نلقى الأسر العربية المبعدة إلى الأناضول ، ونرى الكآبة والحزن يشيعان في نظرات كلّ واحد منهم ، مما زاد في ألمنا ، ولا سيما مرأى الأطفال والنساء ، وليس منهم من يدري أين المصير ..وبينما كانت قوافل المبعدين العرب يذهب بها إلى الشمال ، كانت قوافل الأرمن يذهب بها إلى الجنوب إلى الديار العربية ، وكانت حالة الأرمن هؤلاء أشقى وأتعس ، فالأطفال والنسوة والعجزة يرغمون على السير مشيا وأمتعتهم على ظهورهم ، ويساقون كالأنعام قطيعا يتلو قطيعا في الطريق العام ، بحراسة رجال قساة لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا ، ومن الإنصاف أن أعترف بأن المبعدين من العرب لم يلاقوا العسف إلى هذا الحدّ الذي لاقاه الأرمن .. ) . ويتابع محمد علي العجلوني في مذكراته ، بعد التحاقه بالثورة العربية الكبرى وبجيش فيصل بن الحسين في العقبة ، وفي صفحة 55 ، يذكر جماعات الأرمن الذين هجرهم الأتراك بقوله : ( وكهوف بترا آنئذ مليئة بالمهاجرين الأرمن الذين نفاهم الأتراك إلى الجنوب ، فكنا نختلف إليهم ، ونبتاع منهم البندورة المجففة ، وهم يغسلون ألبستنا ، وكنا نستمع أحيانا إلى الذين يحسنون الموسيقى التركية منهم ، ونعاملهم بالرفق والإنسانية ... ) ويبين العجلوني أن الأرمن في كهوف البتراء كانوا يتعايشون مع جماعات البدول ، ويضيف في الصفحة 56 قائلا : ( وأما الأرمن ، فقد رغب جلالة الملك حسين بنقلهم إلى القاهرة على نفقته ، وفي خلال الثورة جاء وفد منهم من القاهرة بزعامة « قره بيت « رئيس حزب الطاشناق الأرمن ، ليعرض الخدمة المسلحة على فيصل ، ثم أنني رأيت فريقا منهم في قبرص يتقربون من جلالة الملك الحسين في منفاه ، يحاولون ردّ الجميل إليه ، فيزورونه في أيام الجمع وفدا يرأسه الأسقف الأعلى للأرمن في قبرص ، وكان في حاشية جلالته منهم بضعة أشخاص يعتمد عليهم ويثق بهم .. ) .
أما الدكتور أحمد قدري فيذكر في مذكراته انه وشقيقه تحسين ومجموعة من أعضاء جمعية العربية الفتاة ساروا متجهين في أواسط يونيو عام 1918 م إلى جبل الدروز للوصول إلى جيش
الشمال الذي يقوده الأمير فيصل بن الحسين ، وأنهم ساروا من جبل الدروز في قافلة يقودها تحسين قدري ، واستأجروا الأدلاء من عرب السردية ، وسار معهم في القافلة من يرغب بالالتجاء إلى مصر من الأرمن ممن كانوا مختبئين في جبل الدروز ، والذين أعلن فيصل أخذهم تحت حمايته ، وكان بينهم عددا من النساء أيضا ، فسارت القافلة بتنظيم عسكري بطريق البادية ..)
ويبدو من ما وصلنا من مذكرات تصف هذه الأحداث أن الأمير فيصل حمى الأرمن ، وهو ما أكدته برقية نشرتها جريدة « القبلة « أرسلها الأمير فيصل لوالده الشريف حسين وهو في الطفيلة ، بعد معركة الطفيلة وهزيمة « فاتح رومانيا « ومقتله ، يخبره فيها أنه وجد في الطفيلة بعض الأسر الأرمنية المنفية والمبعدة من قبل الأتراك ، وأنهم بحمايته ، وكلها أخبار مترابطة وتؤكد بأن ما شاهده تحسين قدري كان بداية لسلسلة من الإبادة والنفي للأرمن .
سوريا في مذكرات تحسين قدري
، مقدمات الثورة العربية الكبرى :
وفي الوقت الذي كان فيه تحسين قدري في وظيفته بحلب ، كان يتابع ما يجري في دمشق ، باعتباره أحد أعضاء جمعية العربية الفتاة ، وما يرتكبه جمال باشا الذي استحق لقب « السفاح « عن جدارة حقيقية ، يقول تحسين قدري : ( فشلت حملة القنال مما سببّ نقل مركز قيادة الجيش الرابع إلى فلسطين في مدينتي القدس والناصرة ، بعدها بدأ جمال حملات الإبادة والشنق بأمر مباشر منه ، وبدون مصادقة اسطنبول ، ففي 21 أغسطس عام 1915 م حيث شنق من خيرة شباب العرب ، ومنهم عبد الكريم الخليل ، وصالح حيدر ، ومسلم عابدين ، ونايف تللو ، ومحمد ومحمود المحمصاني ، ونور الدين القاضي ، وعلي الأرمنازي ، وكانوا جميعا من اعضاء حزب اللامركزية ، وبالإضافة فإن محمد ومحمود المحمصاني وصالح حيدر كانوا أيضا أعضاء في جمعية العربية الفتاة .
العودة إلى دمشق في الزمن الصعب :
مع شنق أحرار العرب ، وتمادي جمال باشا في تسلطه ، ونفي الأسر الدمشقية بنسائها وأطفالها وشيوخها إلى الأناضول ، في تلك المرحلة الصعبة كانت الحجاز هي الملاذ ، وكانت شخصية الحسين بن علي شريف مكة هي الشخصية الاعتبارية التي تتوجه إليه أنظار العرب في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية ، رغم تعدد القيادات ، لكنها قيادات لا تتمتع بالموقع المعنوي الكبير الذي يمثله شريف مكة ، يقول تحسين قدري : ( كشفت واقعة إعدام جمال باشا السفاح لأحرار العرب عن نواياه ، وآلمت الشريف حسين أمير الحجاز ، الذي كانت بلاده ملاذ المضطهدين من القوميين العرب ، وكان حصار الإنجليز لقناة السويس من ناحية ، واحتياج الأتراك لمؤن وغلال الشام من ناحية أخرى ، قد هددّ الحجاز بالمجاعة ، ووفرّ للشريف حسين الدافع القوي للتعاون مع الحلفاء ، ولكن بالرغم من هذه الضغوط ، لم يرضخ للتفاوض معهم إلاّ على مضض ، واستأذن منه ابنه الشريف فيصل للذهاب إلى اسطنبول لإجراء المحاولة الأخيرة للتفاوض مع الأتراك ، لعله يقنعهم بالتعاون ، فأذن له بذلك )
هذا هو التفسير البسيط المباشر لمجريات الأمور ، هكذا فهمها رجالات المرحلة ، وهكذا كانت ..!
زكي باشا الحلبي قائد الجيش الرابع :
تدرج تحسين قدري في المناصب في هذه الفترة التي عمل فيها في حلب ، يقول : ( تقدمت في المراكز والمسئولية ، فعينت مرافقا حربيا للأركان ، ثم قائدا لمقرّ الفرقة ، لكنّ هذا لم يشغلني عن اهتمامي بمصير البلاد العربية ، وحين أعلنت الحرب العالمية الأولى ، كان القائد العام للجيش الرابع المرابط في الشام هو « زكي باشا الحلبي « الأصل ، وهو رجل ذو خبرة وحصين ، وتطلب إعلان الحرب والنفير العام ، تجنيد كلّ قادر على حمل السلاح ، مما جمع خيرة شباب المناطق العربية على التجمع في دمشق ، من خلال تجنيدهم كضباط احتياط ، وساعد هذا التجمع على نقل بؤرة الوعي العربي القومي ، ومركز جمعية العربية الفتاة إلى دمشق ) .
جمال باشا السفاح يدخل دمشق :
كانت سياسة زكي باشا تميل بوضوح إلى الاعتدال ، وقد لاحظ تحسين قدري بأن هذه السياسة المعتدلة ( شجعت على التعاون مع الأتراك ، لدرجة أن جمعية الفتاة أصدرت إعلانا عن غاية العرب في الاستقلال ، ولكن ليس عداوة بالأتراك ، أكد الإعلان بأن العرب سوف يقفون مع الأتراك لدفع خطر الاستعمار الأوروبي المحتمل من خلال الحرب العالمية ، ولكن بقاء زكي باشا لم يدم طويلا ، فقد عين ممثلا للجيش التركي لدى غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا ، فغادر الشام في 5 ديسمبر عام 1914 م ، ووصل في اليوم نفسه خلفه جمال باشا الذي عرف فيما بعد بالسفاح ..!) . مرحلة جديدة بدأت في سوريا مع قدوم جمال باشا ، مرحلة بشعة وصعبة يملؤها الرعب والتجسس ونفي العائلات وسجن الشباب وتجنيدهم بلا رحمة في الميادين .. والأبشع من كلّ هذا شنق رجالات الفكر وأهل القلم ، وكأنه بذلك يعطي المبررّ القوى للعرب ، ويدفعهم دفعا للثورة ، وهذا ما كان .. لقد أجبر الاتحاديون العرب على الثورة عليهم ، ودفعوهم للجوء إلى الحلفاء دفعا .. فكيف رصد تحسين قدري هذه المرحلة البشعة في تاريخ بلاد الشام ..؟ هل كان منحازا لعروبته وقوميته وأبناء جلدته ..؟
أم انه كان في مذكراته موضوعيا ينقل ما رآه فقط ..؟ صحيح أنه كان عضوا من أعضاء جمعية العربية الفتاة ، لكنه في الوقت نفسه رجل عسكري من رجالات الجيش العثماني ، وقد تابعناه وهو يلتزم بأخلاق الرجل العسكري النبيل ، ويتطوع ّ من غير زملائه الفرسان 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات