عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-May-2018

خبرة سجين سابق في غوانتانامو: حياة كابوسية

 الغد-سودارسان راغافان* - (الواشنطن بوست) 25/5/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
مدينة آسفي، المغرب - ولت منذ زمن تلك الأيام التي قضاها في الأسر داخل القاعدة البحرية الأميركية في خليج غوانتانامو، كوبا؛ حيث قال إنه تعرض لأشكال مختلفة من التعذيب -غير أن الذكريات لم تفعل!
بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاق سراحه من المعتقل الأميركي، يقول يونس شكوري إنه ما يزال مكبلاً بالكوابيس المستمرة، وهجمة الذكريات العنيدة والأرق. وهو يتناول حبوباً مضادة للقلق، ويقول إنه لم يعثر على عمل بعد. ويبقى مستقبله خالياً من اليقين إلى حد كبير بينما يتشبث به الماضي بشدة ويرفض أن يغادرة، حتى إنه يشعر في كثير من الأحيان بأنه لم يغادر السجن حيث تم احتجازه طوال 14 عاماً.
قال لي شكوري في أحد الأيام مؤخراً في هذه المدينة الساحلية الخلابة: "أنا ما أزال في غوانتانامو".
يجسد شكوري، ومعتقلو غوانتانامو السابقون الآخرون، إرث استخدام الولايات المتحدة التعذيب كأداة لمكافحة الإرهاب بعد الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وقد تم احتجاز الآلاف من المشتبه بأنهم من مقاتلي القاعدة والمتشددين الآخرين في السجون، ومراكز الاعتقال و"المواقع السوداء" الأميركية الأخرى في مختلف أنحاء العالم؛ حيث تقول مجموعات حقوق الإنسان إنهم تعرضوا للتعذيب وإساءة المعاملة بطرق أخرى.
بعد سنوات طويلة من تعرضهم لمختلف صنوف سوء المعاملة في الاعتقال، ما يزال الضحايا يقاسون العذاب بسبب التجربة التي اختبروها على أيدي مستجوبيهم وسجانيهم وحراسهم الأميركان، وفقاً للنشطاء والأخصائيين النفسيين الذين يعملون مع معتقلي غوانتانامو السابقين. وبالإضافة إلى ذلك، يحمل الكثيرون منهم وصمة العار المرتبطة بسجنهم على أنهم إرهابيون مزعومون، ويجدون صعوبة بالغة في محاولة إعادة الاندماج في المجتمعات.
تقول كاتي تايلور، نائبة مدير منظمة "ريبرييف"، وهي مجموعة ناشطة مقرها في بريطانيا وتساعد على إعادة توطين وتأهيل سجناء غوانتانامو السابقين: "تم جيداً توثيق أن الولايات المتحدة كانت تركز فعلياً على العناصر النفسية من التعذيب. ولأنه كان تعذيباً ممنهجاً للغاية، فقد كان له تأثير طويل الأمد على العديد من الرجال الذين خضعوا له".
اتهم المسؤولون الأميركيون شكوري بأنه عضو رفيع في تنظيم القاعدة، ومشارك في تأسيس مجموعة مغربية إسلامية متشددة. لكنهم لم يقوموا بتوجيه الاتهام إليه رسمياً بارتكاب جريمة ولم يقوموا بتقديمه للمحاكمة. وفي نهاية المطاف، لم تعثر ست وكالات أمنية أميركية، بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الأمن الداخلي، أي دليل للإبقاء عليه رهن الاعتقال.
عندما وصل إلى المغرب على متن طائرة عسكرية أميركية في العام 2015، قامت السلطات المغربية هنا بسجنه أيضاً، مرة أخرى بزعم قيامه بتشكيل مجموعة مسلحة متطرفة. وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. لكن سراحه أطلق بعد خمسة أشهر بكفالة. وفي شباط (فبراير) الماضي، تمت تبرئة ساحته من التهم كافة الموجهة إليه في محكمة استئناف مغربية. واليوم، يكافح شكوري من أجل إعادة بناء حياته.
يقول شكوري في مقابلة حديثة: "في بعض الأحيان، عندما يشعر المرء بالعجز الكامل، فإنه يشعر كما لو أنه لا شيء".
سلَّموه إلى القوات الأميركية
كان شكوري مع زوجته الجزائرية، عبلة، في أفغانستان عندما ضربت طائرتان مخطوفتان برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
هرب الزوجان، اللذان قال إنهما كانا هناك يبحثان عن عمل مع وكالة أجنبية للمساعدات، إلى العاصمة كابول، عندما دخلت القوات الأميركية البلد من أجل الإطاحة بنظام طالبان ومطاردة أسامة بن لادن. وبعد أن عبر الزوجان الحدود إلى باكستان، ألقى سكان محليون القبض على شكوري، واعتبروه واحداً من المقاتلين العرب الكثر الذين كانوا قد انضموا إلى تنظيم القاعدة آنذاك. ثم قاموا بتسليمه إلى القوات الأميركية، كما قال شكوري.
من المستحيل التحقق بشكل مستقل من رواية شكوري، وقد حققت مجموعة "ريبرييف" في قصته ووجدت أنه "كان من الواضح تماماً أنه كان مهاجراً اقتصادياً" في أفغانستان، وفقاً لتيلور.
تم أخذ شكوري أولاً إلى مركز احتجاز أميركي في مدينة قندهار الجنوبية في أفغانستان؛ حيث قال إن سجانيه الأميركيين جردوه من ملابسه وتركوه عارياً، ووضعوا كيساً على رأسه وضربوه بشكل متكرر. وأضاف أن بعض الحراس كانوا يمزقون صفحات من مصحفه.
بعد خمسة أشهر من ذلك، وصل إلى غوانتانامو. وهناك، ضربه السجانون على أعضائه التناسلية بأحذيتهم، كما يتذكر. وقد تطلب منه ذلك أن يطلب ملابس داخلية باستمرار لأنه "كان هناك الكثير من الألم الذي شعرت به في أعضائي التناسلية". لكن المحققين كانوا يعرضون عليه منحه ملابس داخلية فقط في مقابل الاعتراف بأنه مشتدد مسلح من تنظيم القاعدة.
يقول شكوري، ويخفت صوته في بعض الأحيان بشكل كبير حتى لا يكاد يُسمع: "جعلني ذلك أريد أن أقتل نفسي".
لم يستجب متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية لطلب بالتعليق على ادعاءات شكوري عن التعذيب. وقال عبد الكريم المنوزي، وهو طبيب في الدار البيضاء يعالج شكوري من مشكلاته النفسية، إن ادعاءاته عن التعذيب "موثوقة للغاية".
وأضاف المنوزي، الرئيس السابق للجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، وهي منظمة مغربية حيث يتلقى شكوري العلاج النفسي: "لا أعتقد أنه سينسى أبداً ما حدث له".
بحالة أفضل، لكنه ما يزال يكافح
ارتدى شكوري، الرجل النحيل ذو البشرة السمراء المسفوعة والعينين البنيتين وأجزاء من لحية، بعمر 50 عاماً، سترة برتقالية وقبعة "كرة قاعدة" زرقاء جعلته يبدو أصغر سناً. وكانت الليلة السابقة، كالعادة، قاسية، قضاها متقلباً وغير قادر على النوم.
استيقظ على الألم وصعوبة في التنفس، كما كان حاله في معظم الصباحات. وهذه كما قال هي الآثار المتبقية من جولات الضرب وإساءة المعاملة الجسدية الأخرى، ونتيجة لإبقائه في ظروف شديدة البرودة لأوقات طويلة بهدف حرمانه من النوم.
يعيش شكوري حياة منعزلة، معظمها في شقة يتقاسمها مع أقاربه فوق زقاق في حي للطبقة العاملة.
وبالنسبة لشكوري، تعمل أخبار التلفاز، المليئة بالعنف في سورية وحادثة إطلاق النار على الطلبة في مدرسة مؤخراً في الولايات المتحدة، على تعزيز إحساسه بأنه سُجِن ظلماً. ويقول شكوري: "عندما يرى المرء أناساً أبرياء وهم يُقتَلون، فإن هذا هو الإرهاب بعينه. إنك لا تستطيع أن تضع رجلاً ببساطة في زنزانة سجن وتصفه بأنه أسوأ الأسوأ".
نادراً ما يناقش شكوري تجربته في غوانتانامو مع أفراد العائلة أو مع الجيران. فهو يخشى أن لا يستطيع السيطرة على عواطفه. وكلما سمع عن غوانتانامو أو رأى صوراً له، فإنه يعاني من هجمة الذكريات العنيدة.
أحد المشاهد المتكررة التي تعاوده هو امرأة أميركية تسمي نفسها آنا. وقد حققت معه على مدى خمس سنوات، وهددته بأنه سوف يُشنَق. وقال: "حتى الآن، ما أزال أراها في كوابيسي".
مرة في الشهر، يذهب شكوري لتلقي العلاج النفسي في الدار البيضاء، على بعد 130 ميلاً إلى الشمال من هنا. ويقول إن بعض أصدقائه أيضاً هم من ضحايا التعذيب الذين يتلقون العناية في المركز. ويسمي من بينهم ستة من المغاربة الذي كانوا سجناء سابقين في غوانتانامو. ويقول الطبيب، المنوزي: "معظمهم ما يزالون يعانون حتى اليوم".
عندما وصل شكوري المركز في العام 2015، كان يعاني من قلق حاد، واكتئاب وخوف من التعذيب، كما يقول المنوزي. واليوم، ما يزال يعاني من الأرق، والكوابيس ووعكات أخرى، لكن حالته "لم تعد سيئة كما كانت في السابق".
ومع ذلك، فإن التغلب على الندوب النفسية والجسدية "يمكن أن يتحقق فقط إذا حصل يونس على المتطلبات الاجتماعية التي تسمح له بالعودة إلى المشاركة في المجتمع"، كما يقول المنوزي. "إنه في حاجة إلى العمل".
حلم يصبح حقيقة
مع ذلك، ما تزال الوظيفة مطلباً بعيد المنال منذ إطلاق سراحه من غوانتانامو قبل ثلاث سنوات.
عندما هبط من الطائرة الأميركية في شمال أفريقيا، وبدل أن يجد الحرية، أخذوه إلى السجن مرة أخرى. وحتى بعد إطلاق سراحه، كما يقول، ظل تحت المراقبة المستمرة للمخابرات وأجهزة الأمن المغربية الأخرى. ولم تستجب وزارة العدل المغربية لطلب بالتعليق على روايته.
يقول خالد الإدريسي، محامي شكوري: "لم يستطع أن يعيش حياة طبيعية بعد إطلاق سراحه من السجن. كان يعيش دائماً تحت الضغط والخوف من احتمال أن يتم اعتقاله مرة أخرى في أي لحظة".
أما الأسوأ، فهو أن زوجته، عبلة، طلقته. قالت لشكوري إنه تغير بينما كان في غوانتانامو، بحيث لم يعد الرجل نفسه الذي أحبته ذات يوم. وكان ذلك بمثابة لطمة مدمِّرة.
عندما كان في غوانتانامو، كان يحاول التسلي بكتابة رسائل الحب لعبلة. وفيها، كما يتذكر شكوري، كان كثيراً ما يتحدث عن ابنة متخيلة، آملاً أن يكسب له ذلك بعض التعاطف من سجانيه الذين كانوا يقرؤون كل رسالة صادرة وواردة. وقد سمى تلك الابنة فاطمة الزهراء.
اليوم، ما يزال شكوري من دون عمل. فكر في أن يصبح تاجر ملابس، لكنه لا يمتلك النقود لبدء تجارته. وبعد إنفاق الكثير من حياته كراشد في السجن، فإن لديه سيرة ذاتية ضئيلة. كما أن الوقت الذي قضاه في غوانتانامو أيضاً ليس نقطة ترويج مشجعة لأرباب العمل المحتملين.
تزوج شكوري قبل عام. وقبل شهر من تبرئته، أصبح لديه سبب إضافي للأمل؛ ولدت زوجته ابنة.
عندما تصبح كبيرة بما يكفي، يقول شكوري، فإنه سيحدثها عن سجنه. سوف يخبرها، كما قال، بأنهم "حاولوا أن يقتلوا إنسانيتي. أن يقتلوا قلبي. لكن العكس هو الذي حصل". ومن خلال ابنته، سيظل شكوري يحمل ذكرى غوانتانامو على الدوام.
سمّاها: فاطمة الزهراء.
 
*مدير مكتب صحيفة "الواشنطن بوست" في القاهرة. كتب تقاريره الصحفية من أكثر من 65 دولة وإقليماً، وعمل في نيروبي وبغداد وكابول وجوهانسبرغ ومدريد. غطى على نطاق واسع الحروب في العراق وأفغانستان ، والحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب العالمي. كما غطى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والثورات العربية في العام 2011 و17 حرباً أفريقية. انضم إلى "الواشنطن بوست" في العام 2005 بعد أن عمل معظم الوقت في أفريقيا لصالح صحف ومجلات "نايت ريدر"، وفيلادلفيا إنكويرر، و"نيوزويك".
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Long after his release, an ex-detainee struggles with Guantanamo’s torturous clutches
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات