عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jul-2018

ماذا يحدث لأرواحنا في الليل؟بروين حبيب *

 القدس العربي-هل أعتب على صديقتي رفيعة غباش أم أشكرها حين أخرجتني عنوة يوم العيد من عزلتي، وجرتني بحكمتها الهادئة إلى نقاش حرَثَ في قلبي ومشاعري كما تفعل الشفرة العملاقة بالأرض البور أوائل الخريف؟ هل أعتب عليها لأنّها صغّرت من الغمامة الرمادية التي ألِفتُ ظلالها، أم أشكرها لأنّها حرّكتني قليلا إلى حيث لامستني أشعة الشمس؟ لقد فعلت ذلك، بفتح نقاش طويل ولذيذ عن الشعور بالوحدة، حين تحل علينا الأعياد ونحن في المهجر…

زيارتي المسائية التي دامت حتى الليل، توّجَها مقال صباحي أرسلته لي رفيعة في اليوم التالي لصديقتنا المشتركة منى البحر، بعنوان «أرواحنا في الليل» ولشدة إعجابي وتأثري بقراءتها للفيلم شاهدته، وهنا أدركت مدى أهميته، ومدى أهمية الفرص التي تمنحنا إيّاها السِّينما لنكتشف الأعمال الأدبية التي فاتنا أن نقرأها بلغات أخرى، يعني كنا بموضوع وصرنا بموضوع ثان …
فضولي بعدها هو الذي قادني لكاتب الرواية الذي أخذت منه قصة الفيلم، وهو الكاتب الأمريكي كنت هاروف الذي بدأ حياته في كنف عائلة متدينة لأب قسيس وأم مُدرِّسة، وعاش حياة بسيطة وصعبة في آن، حيث ولد وترعرع في ولاية كولورادو، والذي مارس الأعمال الصعبة في مزرعة لتربية الدجاج، وفي أماكن مختلفة تطلبت الجهد الجسدي، ثم وجد عملا كأمين مكتبة، ثم أصبح مُدرّسا لفيلق السلام في تركيا، قبل أن ينتهي به الأمر مدرسا جامعيا بعد اكتمال تجربته الأكاديمية.
إلى هذه المحطة تبدو حياة الرّجل هادئة وعادية، إذ أن إنجازاته لا تتعدى ثمار اجتهاد عادي لأي شخص من أبناء القرى والأرياف. 
لكن هاروف شغُفَ بالكتابة وتمنى أن يصبح كاتبا، ففكر في الالتحاق بورشة للكتابة في جامعة آيوا، حين انتقل مع أسرته إليها، لكنه لم ينجح في الالتحاق بالورشة، وهذا من غرابة ما يحدث لبعض الكتاب العباقرة، الذين يبدأون حياتهم مباشرة بالرفض… ما لم يقتنع به هاروف هو ذلك التقييم المجحف لموهبته، مع أن المسؤولين على الورشة كتاب لهم شهرتهم، ولعلّ القاعدة التي تقول «انتبه من كاتبك المفضل لأنه سيغدو عدوك الأول في ميدان الأدب « قريبة من الحقيقة، فالأغلب أن موهبته كانت لافتة لذلك أبعد في صمت.
لكن هاروف الذكي التحق بالجامعة كحارس وحضر الورشة بطريقته، واقتحم عالم النشر، ونال بروايته الأولى جائزة ثم تبنته مؤسسة همنغواي، وقدمه الكاتب جون إيرفينغ لوكيل، وزحف إليه النجاح بهدوء وبطء ولكنه تألق وهو في منتصف الخمسينيات من عمره…
أما السبب الذي جعلني أسرد لكم حكايته فلأنه كاتب آخر فاتتني قراءته في حينه، إلى أن سحرني الثنائي روبرت ريدفورد وجين فوندا في فيلم « أرواحنا في الليل» الذي أخذ عن رواية هاروف التي حملت العنوان نفسه…
وهي قصّة تحمل في كل تفصيلاتها بذور الأمل وحب الحياة وجعل الأدب ثمرة طيبة لقارئ يبحث عن نوافذ من نور لحياته، إنّها ليست « أيام زائدة» لحسن داوود، التي تصف نهاياتنا المريرة بين الأهل والأحبة، وليست « حين تترنّح ذاكرة أمي» للطاهر بن جلون التي تصف فعل الزهايمر العجيب على تفكيك الذاكرة وتحويل الشخص إلى كائن لا معنى له، وليست واقعنا الذي نعيشه، حين نزج بكبار السن في سجوننا الصغيرة لنعيش مرتاحي البال، وليست حتى «العاشق الياباني» لإيزابيل الليندي بكل زخمها وكثافة أحداثها…
إذ أن الأمريكان لهم إيقاع آخر في الكتابة والإبداع، إنهم محرضون جيدون على الحياة والانتصار لها، وأدبهم انعكاس لحياتهم…
هم صورة لذلك العجوز الذي صارع البحر وتحدى الحوت حتى وصل، بما تبقى منه، إلى الشاطئ، ذلك هو السر في روح الأدب، حتى وإن أطلق همنغواي رصاصة على رأسه في النهاية، فالانتحار تحت تأثيرات كيمياء المخ، ليس سببا للطعن في قوة الأدب الذي كتبه.
الأرواح في الليل رواية من ذلك النّمط الذي يهمس لنا بالحلول قبل أن يوصلنا للب المعضلة، وفيها خلاصة حياتنا التي نعيشها من دون أن نعرف كيف نُعبِّر عنها أو نعْبُرَها، إنّها الوحشة بما تحمله هذه الكلمة من معان عميقة، الهجوم الغامض للوحدة التي تقضمنا فننتهي ولا ننتهي، نموت ولا نموت تماما، نرحل ونعود، نسافر في المنامات التي تجمعنا بالأحبة، والمسافرين والموتى، وحين نستيقظ نجد الفراغ الذي يذبحنا من القفا بلا رحمة…
تخطو الأرملة العجوز خطوة نحو جارها الأرمل وتدق بابه، وتطلب منه طلبا صادما، إذ تقترح عليه أن يشاركها السرير ليلا، في علاقة خالية من الجنس، تشبه الزواج ولا تشبهه، فقط لتشعر بالأمان الذي كانت تشعر به حين كان زوجها حيا…
يأخذنا الثنائي العظيم جين فوندا وروبرت ريدفورد إلى أعماق الذات الإنسانية الملتاعة من الوحدة، وهناك نرى أنفسنا بعد عشرين عاما، حين تصبح الأجساد مغلفات بدون بريق لأعماق تشع نورا لا تزال نابضة بالحياة، تلك هي الأرواح التي كتبها هاروف، ومنحها فرصة للتعبير عن نفسها، فكثيرا ما حكمت الأجساد على تلك الأرواح بالظلم، فضيّقت الحياة عليها، وسجنتها في قفص لا علاقة له بالطبيعة البشرية.
تلك النّفس التي لا نعرف لها وصفا دقيقا، هي الرابط بين الجسد والروح، وهي المنطقة التي اهتم هاروف بفهمها، إذ أن الترجمة الحقيقية لعنوان روايته لا تعني الأرواح بقدر ما تعني النّفس، وهو المعنى الذي نملك عنه مفهوما عميقا جدا في لغتنا العربية الغنية، لكننا كما دائما نترك تلك المعاني حبيسة القواميس.
الأمريكي المجتهد، الذي ظلّ يدرب نفسه على الكتابة لمدة عشرين عاما، لم يستعجل اعتلاء مسرح الأضواء، لهذا كتب كمن ينقب عن كنز دفين في أعمق أعماق النفس الإنسانية، لهذا كتب رائعته هذه التي ختم بها حياته، ومارس هواية تعاطيه الأدب في شكل تصاعدي ناسب تماما تمكنه الرزين لتسلق سلم النجاح خطوة خطوة.
أمّا عمّا حققه بهذه الرواية بالذات، فهو يضاهي ما يجب أن يحققه روائي عبقري، لم يسند الأدوار لشخصيات تغازل القارئ، بل أسند الدور الرئيسي للنفس التي نشعر بها ولا نراها، في نسيج يكاد يكون ولعًا فوق الطبيعة لعملية الخلق و أُسُسِها ، تماما كما عرفناه في النص القرآني : «يا أيُّها النّاس اتّقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها»…
إن لم تتضح لنا الرؤية بعد قراءة هذه الآية فنحن مغالون في محاربة الطبيعة، والقسوة على أنفسنا، لهذا علينا أن نغمض أعيننا، ونصمت، ثم ننظر عميقا في دواخلنا حيث تقبع تلك النّفس التي تحن إلى نصفها الثاني لتشعر بالطمأنينة، ونواجه أنفسنا بالحقيقة الصادمة، أليس هذا ما نشعر به في لحظات الخلوة التي تزيدها العتمة حِدَّة؟ أليس هذا ما رآه هاروف أيضا خلال رحلته الإبداعية، حين ذهب إلى الكتابة من خلال صومعته الخاصة، في بلدته النائية، وبقبعته التي تغطي عينيه فتحجب عنه الرؤية تماما، في طريقة من أغرب طرق الكتابة والتأليف، حسب ما وجدته في مقالة رائعة للدكتور فتحي عبد العزيز محمد نُشِرت في موقع الأهرام للفنون والآداب والتراث.
ولعلّ طريقة الكاتب هذه هي الأجدى للغوص في الذات بإغلاق كل المنافذ التي تأخذنا بعيدا عنها، لعلّه عاش وحدة قاتلة وإلاّ كيف اهتدى لهذه الطريقة العجيبة لمواساة نفسه بنفسه …
فهذا الشعور الجبّار بالوحدة لا تفسير له، خاصّة حين يرمي بكل مكاسبنا المادية والمعنوية عرض الحائط ، القعر الفارغ في أعماقنا السحيقة لا نعرف أبعاده، لا نعرف طبيعته، ولكنّنا نزداد رهافة كلّما نفث أنفاسه نحو الأعلى متأوها…
ماذا يحدث لأرواحنا في الليل؟ إنّها ترفرف بحثا عن الرفقة التي ضاعت منها في ضجيج النهار، مثل الوطاويط المجنونة التي تخرج في العتمة بحثا عن رزقها، تخبط أجنحتها بقوة وتخرج من أعماقنا المتعبة، تمسح هذا العالم بعينين مجهزتين بنيغاتيف عن ذلك الأنيس الذي لا يتوفَّر إلاّ في « الزوج» المذكور في عملية الخلق الأولى، والذي فقط بعناق هادئ وقليل من الحكايات يزيح كل أوجاعنا إلى الأبد.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات