عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Feb-2018

رواية «1984» لجورج أورويل.. الأخ الأكبر يراقبكم

 القدس العربي-سعدون يخلف

تقدم رواية «1984» للروائي البريطاني جورج أورويل صورة لمجتمع في حالة حرب وتعبئة دائمة، مجتمع فاسد تتحكم فيه الأيديولوجيا الحزبية، ويلغى فيه العقل، ويجرد فيه الإنسان من كل ما هو إنساني، نتيجة الخوف والقهر والتعذيب، الرواية نبوءة مستقبلية لما يؤول إليه العالم عندما تستولي على الحكم أقلية طاغية مستبدة، فتسلب حرية الإنسان، وتفضح خصوصياته، ويصبح محاصراً بوسائل المراقبة والرصد.
تدور أحداث الرواية في المستقبل في مدينة لندن، ومما لا شك فيه أن أورويل توصل إلى نسج نبوءته في مجتمع أوقيانيا من واقع حقيقي هو الاتحاد السوفييتي آنذاك. في مجتمع أوقيانيا يحكم الحزب الأخ الأكبر الذي يستبد استبداداً كبيراً، زارعاً الخوف والرّعب في نفوس الشعب، من خلال شاشات المراقبة، التي يزرعها في كل مكان، فأينما يولّي الفرد وجهه يجد صورة الأخ الأكبر مذيلة بعبارة تقول: «الأخ الأكبر يراقبك»، وإن كان الأخ الأكبر رمزاً للقائد الأعلى، وتجسيداً للحزب، فهناك أعضاء الحزب الذين لا يملكون أي استقلالية أو فضاء للحرية «فمنذ ولادته إلى حين وفاته يعيش عضو الحزب تحت رقابة شرطة الفكر» يرفع الحزب شعارات ملخصة في «الحرب سلام، الحرية عبودية، الجهل قوة» ثلاث جمل مختصرة ومتناقضة، تدل على التفكير المزدوج.
يتألف الجهاز الحكومي من أربع وزارات تتقاسم في ما بينها تسيير شؤون الشعب، وهي وزارة الحقيقة، التي تهتم بالأخبار والتعليم، ولكنها في حقيقة الأمر تشوه الحقائق وتنسج الأكاذيب. الثانية، وزارة السلام التي تهتم بشؤون الحرب والأسلحة، أما وزارة الحب، المرعبة حقاً، فهي تعمل على نشر الكراهية، في حين تسعى وزارة الوفرة إلى تحجيم الموارد وتجويع الشعب.
من بين الشعائر الاحتفالية التي تفرضها الحكومة على الشعب دائماً الاحتفال بـ»دقيقتي الكره»، حتى يتم تفريغ شحنات الغضب، والتقليل من حالات الاستياء وعدم الرضا، كما أنها فرصة لصبّ اللعنات ضد الخائن وعدو الشعب «ايمانويل غولدشتاين». بالإضافة إلى الأخ الأكبر والعدو الوهمي «غولدشتاين»، هناك «ونستون سميث» الشخصية المحورية في الرواية، يمتلك نزعة تمردية ضد سياسات الحزب، نتيجة عمله في وزارة الحقيقة، الذي مكنه من الاطلاع على كيفية تزوير الحقائق وابتداع الأكاذيب، لا يتوقف الأمر على الحاضر فقط، بإخفاء ما جاء في الصحف الأجنبية من حقائق، أو تحريفها، بل يمتد إلى تزوير الماضي، بالعبث بحقائقه، لأن من شأن ذلك التحكم في الحاضر والسيطرة على المستقبل. 
نتيجة لذلك بدأ في طرح الأسئلة ومناقشتها وتدوينها في مذكراته، مفصحاً عن مكنونات شعوره المتمردة، تجاه القائد والحزب، يقوم بكل ذلك سراً حتى لا يفضح أمره، فهو مراقب من كل الجهات، ذلك أن الحزب في كل مكان، والحزب في كل فرد، والحزب مع كل فرد «لا شيء ملكك سوى سنتيمترات مكعبة قليلة داخل جمجمتك» وإذا شاءت الأقدار وانفضح أمره، سيكون مصيره الموت، لأنه اقترف جريمة الفكر، فالتفكير، كما هو معروف، حق من حقوق الأخ الأكبر لا ينازعه فيه أحد «جريمة الفكر لا تستوجب الموت، جريمة الفكر هي الموت عينه».
جوليا هي الأخرى تتقاسم ونستون نزعته التمردية وكراهيته للحزب، ومع أنها عضو في الاتحاد المناهض للجنس الآخر، إلا أن ذلك لم يمنعها من لقاء «ونستون»، حيث كانا يلتقيان سراً، وتكونت بينهما علاقة حب، وعندما كُشف أمرهما أرسلا إلى وزارة الحب، التي تقوم بتأهيلهما من أجل العودة إلى حياة الوحدة دون حب الآخر، إعادة التأهيل تتم عن طريق التعذيب النفسي الرهيب، وعبر فنون قاسية من التعذيب الجسدي، تجعله في الأخير يصرخ طالباً معاقبة حبيبته جوليا وليس هو «إفعل ذلك بجوليا! إفعل ذلك بجوليا! وليس لي» في نظام كهذا، لا يكفي تعذيب المتهم حتى القتل، لأن الغاية من التعذيب ليس القتل «فقبل قتله نجعله واحداً منا» وهذا ما قصده أوبراين، عضو في الحزب الداخلي الذي استدرج ونستون وجوليا إلى الفخ، عندما عرّف السلطة قائلا: «إن السلطة هي تمزيق الفكر البشري إلى قطع يجري تجميعها في ما بعد في أشكال جديدة سبق اختيارها». غير أن السؤال الذي يطرح هنا هو: ما الذي يجعل الإنسان يتكيف مع هذا الوضع المأساوي، ويتقبل العيش في وسطه بدون أدنى مقاومة أو اعتراض؟ لعل ذلك يرجع إلى الأسباب الآتية:
 1- الخوف:
لقد وصف أوبراين العالم الذي يسعى إلى تشييده النظام الشمولي بأوصاف مرعبة من قبيل الخوف والخيانة والألم والكراهية فقال: عالمنا هو «عالم من الخوف والخيانة والعذاب، عالم من ساحقين ومسحوقين، عالم يصبح أكثر قسوة كلما ازداد رقياً، إن التقدم في عالمنا سيكون تقدماً نحو مزيد من الألم، لقد كانت الحضارة تدّعي بأنها قائمة على المحبة والعدل، أما حضارتنا نحن فتقوم على الكراهية».
إن جعل الإنسان يعيش في أجواء الخوف هو أعظم تهديد يواجهه، ومع مرور الوقت، سيؤدي إلى نزع إنسانيته وتدمير ذاته، آثاره لا تتوقف على الفرد فقط، بل ستمتد إلى المجتمع كله، بحيث تنعدم الثقة، ويسود القلق، ويعم الشك، وبالتالي، سيضعف المجتمع، وستتقوض فرص العيش المشترك، ويصبح المجتمع الواحد عبارة عن أفراد عديدين لا يربطهم رابط، ولا يجمعهم جامع، مما يؤدي في النهاية إلى انهياره وسقوطه.
2- تزييف التاريخ
 يقوم نظام مثل هذا على الدعاية والكذب، بتزييف الحقائق، وتزوير الأخبار، وتوجيه بعضها وفق ما يخدم مصالحه، بهذا تتماهى الحقيقة مع الكذب، بحيث يصبح التمييز بينهما ضرباً من الخيال، لأن المطلوب هو «تدمير كل قدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، بين الخيالي والواقعي» فما يراه الحزب حقيقة هو الحقيقة، وما يراه كذبا هو الكذب، فالتزوير بحسب أورويل ضرورة ملحة لاستقرار النظام ودوامه، مثله مثل شرطة القمع وشرطة الفكر، ومثلما لا يستطيع الشعب في ظل هذا النظام أن يصل إلى حقائق الحاضر، كذلك لا يقدر الوصول إلى حقائق الماضي، ولن يتحقق ذلك إلا بتغيير الماضي. إن السبب الرئيسي في هذا التغيير يرجع إلى منع كل عنصر من عناصر المقارنة بين الوضع الحالي والأوضاع السابقة، فعلى هذا الجيل أن يؤمن بأنه أفضل من أسلافه، وأفضل من أقرانه في المجتمعات الأخرى، وأن متوسط الرفاهية المادية في ارتفاع مستمر، ومستوى التعليم عال، وصحة متقدمة بشكل لافت، أما السبب الآخر فيكمن في «الحاجة إلى وقاية عصمة الحزب من الخطأ».
وعندما يصبح الماضي مشطوباً بعد تعديله وإعادة كتابته، وبعد نسيان الشطب، يصبح الكذب هو الحقيقة، ويصير التاريخ الجديد هو الماضي المعترف به، ومن ثم، تتحقق السيطرة الكاملة ليس على الماضي والحاضر وحسب، بل كذلك على المستقبل أيضاً، لأن المنطق السليم يقرر: «من يتحكم بالماضي يتحكم بالمستقبل، من يتحكم بالحاضر يتحكم بالمستقبل».
3- تدمير اللغة
لن يتحقق التحكم في الماضي إلا بتدمير اللغة، بإعادة تركيب كلماتها ومفرداتها، وبتشذيب معانيها وألفاظها، هكذا تتشكل لغة جديدة، مضللة للواقع، خادمة للنظام القائم، بعبارة أوضح «اختراع لغة جديدة، من خلال حذف الكلمات غير المرغوب بها، ووصف مثل هذه الكلمات ببقايا راديكالية، وبقدر الإمكان كل المعاني الثانوية أياً كانت» وبذلك تتوافق نظرة الشعب مع رؤية الحزب، لأن اللغة، كما هو معروف، حاملة لإرث من المعاني، وعلى الشعب أن ينسى تلك اللغة القديمة وما تفرزه من معانٍ، وبنسيانه لذلك يتكيف مع اللغة الجديدة، ويتقبل التفكير المزدوج، فتصبح الحرية في نظره عبودية وخضوعاً، والحقيقة كذباً وزيفاً، والسلام في حقيقة الأمر ما هو إلا حرب ودمار، والحب كره، والجهل قوة.
لا يتوقف تدمير اللغة باعتبارها إرثاً من المعاني المتعددة، باختزال ألفاظها وتشذيب مفرداتها فحسب، بل يتعدى إلى تدمير قدراتها الخلاقة والإبداعية، فتصبح عاجزة عن وصف الواقع وتصوير معاناته، ومن ثم، يظهر خطر آخر، ناتج عن تدمير اللغة ومصادرة معانيها، يتمثل هذا الخطر في إتلاف الثقافة والفكر، بحيث يصعب على الإنسان بعد ذلك أن يمتلك فكراً نقدياً باعتبار أن العلاقة بين اللغة والفكر وثيقة، فعندما «يكون المحيط سيئاً لا بد وأن تعاني اللغة» ما يؤثر سلباً في الفكر والثقافة.
كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات