عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jul-2016

ذكريات أول فيلم سينمائي أردني طويل «صراع في جرش» قبل 60 عاماً

 

الراي - أبواب - وليد سليمان - «صراع في جرش « أول محاولة محلية لإنتاج فيلم سينمائي أردني طويل ، حيث تم البدء بتمثيله و إخراجه عام 1957 ، أي قبل نحو «60 « عاماً .
 
وأخرج الفيلم « واصف الشيخ ياسين « إلى جانب قيامه بالتمثيل مع مجموعة أخرى من الممثلين الاردنيين مثل: أحمد القرى، علي أبو سمرة، فائق القبطي، صبحي النجار، غازي هواش، وآمال عزت، وآخرين.
 
ويحكي هذا الفيلم الذي صُورت مشاهده الداخلية في فندق فيلادلفيا في عمان ، عن سائحة تجوب العديد من المناطق السياحية الأردنية بمرافقة رجل أمن، ارتبط بعلاقة صداقة سابقة مع والدها، بينما هناك عصابة تتربص بها، وتتصاعد الأحداث من خلال تلك المطاردة بين السائحة ورجل الأمن من جهة، وأفراد العصابة من جهةْ أخرى عند آثار جرش، بحيث ينتصر فيها « البطل « رجل الأمن على العصابة، ويقتادهم إلى مصيرهم المحتوم السجن، ويتناول الفيلم موضوع تهريب الآثار.
 
وأيضاً فإن الفيلم يوثق للمدن الاردنية والفلسطينية في الخمسينات ، كما أنه تحدث عن قيم الحرية وتحرير الارض المغتصبة.
 
شباب متحمسون
 
ويُعتبر فيلم ( صراع في جرش ) أول خطوة فعلية على طريق تأسيس صناعة سينمائية في الأردن، وكان الفيلم حصيلة جهود شخصية لمجموعة من الشباب الأردنيين الطامحين لعمل أفلام سينمائية على غرار الأفلام المصرية والسورية.
 
وتم التجهيز بإنجاز المعدات اللازمة للتصوير والمونتاج محلياً.
 
ووضع قصة الفيلم سمير مطاوع ، والسيناريو فخري أباظة ، وكان الفيلم يعاني من بعض المشكلات الفنية بسبب ظروف إنتاجه والمعدات المستخدمة، ونقص الخبرات لدى فريق العمل.
 
و فيلم (صراع في جرش) الذي تم عرضه في صالات السينما الاردنية في العام 1957 في سينمات الفيومي وبسمان في عمان، وفي سينمات اربد والزرقاء ، هو اول فيلم اردني يؤرخ لبدء تاريخ ومسيرة السينما الاردنية.. ذلك رغم الامكانيات البسيطة والمتواضعة جداً التي عمل ضمنها أصحاب هذا الفيلم الاردني المحلي.
 
وربما يكون من الظلم عقد مقارنة ما بين إمكانيات هذا الفيلم السينمائي الاردني الاول وبين الامكانات الكبيرة والمتقدمة التي كانت متاحة للافلام المصرية أو الاجنبية الأخرى. وذلك من منطلق ان هذا الفيلم ورعاته من ممثلين ومخرجين وتقنيين لم يكونوا من المحترفين بل أكثرهم من (الهواة) الذين عشقوا هذا الفن السينمائي حد الاندفاع بعمل المستحيل.
 
وحول هذا الموضوع يذكر الناقد السينمائي الاردني»عدنان مدانات « موضحاً ان التجارب الاولى لصناعة وانتاج افلام سينمائية اردنية كانت ذات طابع وطني محلي صرف. وكان لها قيمة خاصة تجعلها تستحق ان تسجل في ذاكرة التاريخ الوطني الاردني .
 
وتلك البدايات نتج عنها بعض الافلام التي قد تكون ضعيفة من الناحية الفنية والتقنية.. لكن من صنعها هم هواة متحمسون أحبوا السينما. مع انهم لم يفهموها كوسيلة ابداعية راقية، لكنهم بالمقابل، لم يكتفوا بصناعة الفيلم بل صمموا وصنعوا التجهيزات والتقنيات التي كانت متوفرة بحوزتهم فقط.
 
فهذا الفيلم الاول في تاريخ السينما الاردنية «صراع في جرش « الذي انتجه واخرجه وصوّره وعمل ومثّل فيه مجموعة من الشباب الاردني كانوا في الاصل إما (عارضي أفلام) في الصالات العامة، او فنيي خراطة وحدادة... وكان من ضمن خبراتهم صيانة وتصليح آلات العرض السينمائية.. لذا فقد استفادوا من خبراتهم الحرفية لتصنيع آلات تحميض وطبع أشرطة الافلام، وطاولة المونتاج، ونظام تطابق الصوت مع الصورة.
 
ويؤكد الناقد السينمائي عدنان مدانات ان فيلم (صراع في جرش) مهم ايضا ليس فقط لمضمونة الوطني بل ايضا لكونه كان مسبوقاً بمقدمة دعائية عرضت في صالات السينما وقت ذلك تتضمن مشاهد ذات طابع وثائقي لمدن الاردن وفلسطين اصبحت الان حافظة مرئية لذاكرة تلك المدن.
 
وكان فيلم صراع في جرش فيلماً وطنياً اردنياً، خصوصاً لأنه كان ممولاً بالكامل بأموال اردنية عبر شركة أسسها صانعو الفيلم وكانت المساهمة المالية لكل واحد منهم (خمسة) دنانير اردنية فقط.
 
ويوضح المصور الفوتوغرافي (محمد الطويل) صاحب ستوديو سبورت الواقع على درج سينما بسمان في عمان، والذي كان مرافقاً لهذا الفيلم عند إنتاجه في الخمسينات قائلاُ : لقد ظهر اسمي على أفيش الفيلم كمصور فوتوغرافي للفيلم. وكانت قصة الفيلم تدور حول سائحة اجنبية تزور الاردن، وفي جرش تحاول عصابة اختطافها والاستيلاء على اموالها، فيصدهم بعض الشباب النشامى (ابطال الفيلم) ويحدث الصراع بين المجموعة الخيرة والمجموعة الشريرة حتى يتم تغلب الخير على الشر.
 
هذا ويُقال ان ابراهيم حسن سرحان هو مخرج سينمائي كان احد الشباب الطموحين في تحقيق سينما اردنية، وساهم بانتاج واخراج فيلم صراع في جرش ووضع اسم (واصف الشيخ ياسين) مخرجاً للفيلم، في حين كان (ابراهيم سرحان) هو المخرج الحقيقي للفيلم، وهو الآن يعيش في لبنان بعيداً عن السينما؟، وان له دور ريادي في البواكير الاولى لصناعة السينما في الاردن وفلسطين››.
 
لكن المصور الطويل يؤكد: ان ابراهيم سرحان هو مصور الفيلم، وان المخرج الحقيقي لهذا الفيلم هو (محمد الهندي).
 
وفي كتابه (البحث عن السينما الاردنية) الصادر في عمان عام (1987) يذكر الناقد السينمائي الراحل حسان ابو غنيمة عن هذا الفيلم قائلا: بعد الهجرة عام (1948) استقر محمد صالح الكيلاني في عمان وأسس استوديو للتصوير الفوتوغرافي (بشارع الرضا) بجانب البنك الاهلي الاردني، ثم اسس فيما بعد استوديو آخر تحت اسم استوديو (سبورت) على درج (سينما بسمان)، ثم اسس استوديو الشرق بجوار (سينما الخيام) وهذا الاستوديو انطلق لتصوير الاشرطة السينمائية الاخبارية للشركات الاخبارية الاجنبية، ثم اصبح في الخمسينات مصوراً سينمائيا ايضاً لأخبار شركة بريطانية ولشركة المانية.
 
وكل ذلك قبل ان تتبلور في ذهنه فكرة تأسيس شركة سينمائية في الاردن بعدما تعرف على مجموعة من الشباب المتحمسين للسينما فأسس (شركة افلام الاردن) برأسمال وهمي قدره (10) آلاف دينار.
 
وهكذا فقد تقرر اخراج فيلم سينمائي اردني طويل لحساب الشركة المؤسسة مع مصطفى صبحي النجار وأحد افراد آل المصري، حيث بدأ الكيلاني معهم وهما ميكانيكيان وضع تصميم لماكينات الطبع والتحميض غير المتوفرة انذاك في الاردن.. وقد استأجر مكتباً في (شارع المحطة) الا ان ماكينة الطبع والتحميض المصممة لم تعط النتائج الفنية المرجوة، مما اسهم في الخلاف بين الشركاء حيث انسحب الكيلاني، واختار حسن سرحان ليكون محله في تصوير الفيلم واخراجه، وهكذا قررت الشركة ان يجمعوا نقوداً من الممثلين، وان يدفع كل ممثل (خمسة) دنانير او (عشرة) للمساهمة في ميزانية هذا الفيلم الذي تغيّر اسمه من (غرام سائحة) الى (صراع في جرش).
 
في عمان واربد
 
كان لعرض هذا الفيلم البدائي اهتماماً كبيراً في صالات السينما في كل من عمان واربد.. اذ ان تذاكر هذا الفيلم قد بيعت في ذلك العام (1957) على طلاب المدارس الكبيرة لحضور الفيلم في عروض خاصة مخفضة لهم.
 
وهكذا فكل بداية غالباً ما تكون صعبة ومتعثرة، ومع كل تلك الهنات لهذا الفيلم فقد كان له قصب السبق في ريادة الفن السينمائي الاردني.
 
وفيلم « صراع في جرش « والذي كانت مدته حوالي ساعة ونصف ، هو محاولة لتقليد الأفلام المصرية التي كانت سائدةً في الخمسينات من القرن الماضي . والدليل على ذلك ان مجموعة الشباب الذين تبرعوا بتمثيل وانتاج هذا الفيلم وبهذا الاسم «صراع في جرش « هو تقليد للفيلم المصري الشهير « صراع في الوادي « من بطولة عمر الشريف وفاتن حمامة وآخرين ... والذي أخرجه يوسف شاهين عام 1954في مصر.
 
وتدور أحداث الفيلم المصري حول أحمد الشاب الذي يعمل كمهندس زراعي، والذي يعود إلى قريته في جنوب الوادي حيث يعمل أبوه كناظر زراعة، فينجح في تحسين سلالة القصب. ثم يحب ابنة الباشا منذ أن كانا صغارًا، ولكن ينافسه في ذلك سكرتير الباشا الذي يطمع في الزواج من نادية.. تزامن هذا مع غضب الباشا عليه لأنه يحتكر تصدير القصب بعد التحسين الذي أجراه عليه، فيستغل الباشا خلافاً ينشأ بين شيخ العزبة والناظر فيطلق سكرتير الباشا النار على الناظر ويلفق التهمة لشيخ العزبة وتبدأ العداوة بين أحمد وابن شيخ العزبة للثأر لوالده.
 
مؤلف قصة الفيلم
 
كان سمير مطاوع قد اصدر كتاباً بعنوان «مشوار» عام 1957 وهو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة التي اطلع عليها الاديب عيسى الناعوري وشجعه على اصدارها.
 
ومن بين هذه القصص قصة بعنوان «غرام سائحة».. وهي القصة التي تحولت الى فيلم سينمائي بعنوان «صراع في جرش» وذلك عام 1957 قبل صدور الكتاب.
 
وعن ذلك يوضح لنا الاعلامي والسفير والوزير سميرمطاوع مستذكراً ما قبل 60 سنة بقوله : ذات يوم وكنت أجلس في محلات القبطي الشهيرة في شارع بسمان عند فائق القبطي ، الذي لم يغنه النجاح في مضمار التجارة عن هواية التمثيل فقال لي : هناك شباب يريدون إنتاج فيلم سينمائي أردني لكنهم يبحثون عن قصة مناسبة لعمل الفيلم؟! فأعطيته ملفاً يتضمن مجموعة من القصص التي أستعد لنشرها ليختاروا القصة التي تعجبهم كي يقوموا بعمل الحوار والسيناريو لها - وقام الصحفي والناقد السينمائي فخري أباظة - بكتابة السيناريو والحوار مع آخرين لإحدى قصصي ( غرام سائحة ) ، وغيروا اسم القصة والفيلم الى (صراع في جرش) من اخراج واصف الشيخ وتمثيل احمد كعوش وعلي ابو سمرة وفائق القبطي وآخرين.. وكنت أتابع احياناً عمليات تجهيز الفيلم المونتاج في استوديو في منطقة المحطة .. وعرض الفيلم في سينما بسمان عام 1958 لفترة قصيرة ولم يحقق النجاح المتوقع .. فأفلس منتجوه ولم يكرروا التجربة فيما أتذكر.
 
وثيقة تاريخية
 
وبعد نحو نصف قرن من اختفاء الفيلم تم العثور على النسخة الأصلية منه ، و بالتالي صار من الممكن مشاهدة الفيلم، أو بتعبير أدق:» إعادة اكتشافه» ومن ثم إعادة الاعتبار له من حيث كونه وثيقة تاريخية وسياحية مرئية باتت تسمح للمشاهد بالتعرف على المكان الأردني في زمن مضى وما طرأ عليه من تغيرات وتطورات . مثلا، آثار «جرش» كانت مجرد أطلال مهملة وصارت الآن معلما سياحيا حضاريا، كذلك البحر الميت : كان فضاءً فارغاً إلا من رمال جرداء وماء .. فصار الآن ينبض بالعمران والحياة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات