عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2018

خروج بريطاني وهمي أو لا خروج

 الغد-أناتول كاليتسكي

 
لندن- منذ الاستفتاء الذي أجري على الخروج من الاتحاد الأوروبي في العام الماضي، كانت المملكة المتحدة أشبه بمنتحر يقفز من بناية ارتفاعها 100 طابق، وعند مروره بالطابق الخمسين أثناء سقوطه يصرخ: "حتى الآن، كل شيء على خير ما يرام". والواقع أن هذه المقارنة غير عادلة للمنتحرين. فالرسالة الاقتصادية والسياسية الحقيقية اليوم هي: "حتى الآن، كل شيء في غاية السوء".
جاءت "صفقة" بدء المفاوضات حول هيئة العلاقات بعد خروج بريطانيا، والتي أُعلِن عنها في قمة الاتحاد الأوروبي في الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر)، في أعقاب إذعان رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، لجميع مطالب القادة الأوروبيين: المساهمة في الميزانية بمبلغ 50 مليار يورو (59 مليار دولار أميركي)، وولاية المحكمة الأوروبية على كل ما يتصل بحقوق مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، والحدود المفتوحة دائما مع أيرلندا.
وكان التنازل الأخير مغيراً لكل القواعد. فقد فرضت الحدود المفتوحة في أيرلندا على تيريزا ماي التخلي عن وعد "استعادة السيطرة" من الاتحاد الأوروبي وإطاره التنظيمي، كما أَكَّد بيان القمة: "في غياب حلول متفق عليها، تلتزم المملكة المتحدة بقواعد السوق الداخلية والاتحاد الجمركي، الذي يدعم الآن أو في المستقبل التعاون بين الشمال والجنوب".
وتتلخص نتيجة هذا التنازل الحاسم بشأن أيرلندا في إمكانية استبعاد كل السيناريوهات التي تُقتَرَح عادة لرسم العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي الآن. ففي غياب أغلبية برلمانية لإبطال الاتفاق، لم يعد من الممكن تطبيق سيناريو "الخروج العنيف"؛ حيث تتحرر بريطانيا من القواعد التنظيمية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي وتدير تجارتها على أساس قواعد منظمة التجارة العالمية فقط. كما بات من المستحيل بالقدر نفسه تطبيق "الخروج السلس" الذي يحاول الحفاظ على الفوائد التجارية المستمدة من عضوية الاتحاد الأوروبي من دون التزامات سياسية، لأن قادة الاتحاد الأوروبي يرفضون "انتقاء الشروط المحببة" على هذا النحو -وهم الآن يملكون زمام الأمور.
إذا استبعدنا الخروج العنيف والخروج السلس، فماذا قد يتبقى لدينا من خيارات؟ يتمثل الخيار الواضح الذي ظهر بعد مقامرة الانتخابات الفاشلة التي خاضتها تيريزا ماي في شكل من أشكال عضوية الشراكة في الاتحاد الأوروبي، والتي تشبه النهج المتبع في التعامل مع النرويج. بموجب هذا الخيار تحتفظ بريطانيا بالعديد من امتيازاتها التجارية الحالية، في مقابل الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي وضوابطه التنظيمية، بما في ذلك الانتقال الحر للعمالة، والمساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وقبول الولاية القضائية لقانون الاتحاد الأوروبي. وفي حين رفضت تيريزا ماي بحماقة كل الشروط الثلاثة في وقت سابق من هذا العام، فسوف تكون النتيجة المرجحة للمفاوضات بشأن الخروج البريطاني طمس كل "خطوطها الحمراء" تماما.
في حين قد ترحب الشركات والمستثمرون وخبراء الاقتصاد بهذا "الخروج البريطاني الوهمي" على الطريقة النرويجية، فإنه لا يخلو من تكاليف سياسية ضخمة. فبموجبه تضطر بريطانيا إلى الالتزام بقوانين الاتحاد الأوروبي وضوابطه التنظيمية وأحكامه القانونية، والتي لن يصبح لها أي رأي في تحديدها أو إقرارها. وبدلاً من كونها صانعة للقواعد، تُصبِح المملكة المتحدة "متلقية للقواعد" -أو باللغة الانفعالية التي تبناها مؤخراً المتشددون من أنصار الخروج البريطاني العنيف، سوف تُختَزَل بريطانيا من قوة إمبراطورية إلى "دولة تابعة" أو "مستعمرة" للاتحاد الأوروبي.
هذا الوضع الذي يجعل المملكة المتحدة "متلقية للقواعد" هو ما طلبته المملكة المتحدة بالفعل لفترة انتقالية تمتد لعامين اعتباراً من شهر نيسان (إبريل) 2019. وتزعم تيريزا ماي أن هذا سيكون ترتيباً "محدوداً زمنياً"، بينما تتفاوض على اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي. بيد أن الاتحاد الأوروبي أوضح مراراً وتكراراً أن عامين فترة قصيرة للغاية للتفاوض حتى على اتفاقية تجارة حرة بسيطة، ناهيك عن الاتفاق "المتوهم حسب الطلب" الذي تسعى تيريزا ماي إلى إبرامه.
في حقيقة الأمر، تكاد تكون فرصة بريطانيا للتفاوض على "الشراكة العميقة والخاصة" التي وعدت بها تيريزا ماي منعدمة. فمن غير المعقول ببساطة أن يعرض القادة الأوروبيون على صناعات الخدمات البريطانية القدرة على الوصول إلى سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة دون أن يفرضوا عليها الشروط القانونية وشروط الميزانية التي تقبلها النرويج وسويسرا.
ماذا قد يحدث إذن في نهاية الفترة الانتقالية في نيسان (إبريل) من العام 2021؟ الإجابة الوحيدة المعقولة هي فترة انتقالية أخرى، ولو لمجرد تجنب انقطاع مدمر اقتصادياً للقواعد المنظمة للتجارة قبيل الانتخابات العامة في المملكة المتحدة في العام 2022. وعلى افتراض امتداد الفترة الانتقالية من 2021 إلى 2023 على سبيل المثال، أليس من المحتمل أن نشهد تمديدات أخرى، وهو ما قد يتحول إلى ترتيب شبه دائم؟ فقد كانت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والنرويج عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مصممة كمرحلة انتقالية وجيزة، ولكنها دامت 24 عاماً الآن.
الواقع أن سيناريو "هوتيل كاليفورنيا" هذا، حيث "يمكنك تسوية حسابك لدى الفندق في أي وقت تشاء، استعداداً للمغادرة، ولكنك لا تتمكن من الرحيل أبداً"، من شأنه أن يُغضِب كلاً من أنصار الخروج وأنصار البقاء. ولكن، ما هي الخيارات الأخرى المتاحة؟
إذا كان الخروج العنيف غير مقبول اقتصادياً من منظور الشركات والبرلمان، فإن الخروج السلس غير مقبول سياسياً من جانب قادة الاتحاد الأوروبي، والخروج الوهمي غير مقبول بين الجميع تقريباً، ولا يترك لنا هذا سوى بديل واحد: عدم الخروج.
ولكن، يظل من غير الممكن على الإطلاق التخلي عن الخروج البريطاني بإلغاء إشعار الانسحاب البريطاني بموجب المادة خمسين من معاهدة الاتحاد الأوروبي. إذ يتعين على البرلمان اتخاذ هذا القرار قبل الموعد النهائي المحدد للمعاهدة في التاسع والعشرين من آذار (مارس) 2019، وربما يحتاج التصديق عليه إلى عقد استفتاء آخر.
يتلخص الشرط الضروري لتسلسل الأحداث على هذا النحو في انهيار حكومة تيريزا ماي، ربما بسبب تمرد أنصار الخروج ضد شروط "الدولة التابعة" التي يفرضها الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الانتقالية. وفي مثل هذه الظروف، يكاد يكون من المؤكد أن تنتج أي انتخابات عامة ائتلافا بقيادة حزب العمال على أساس وعد بإعادة النظر في الخروج البريطاني. وكان هذا على جه التحديد السيناريو المقترح في الشهر الماضي من قِبَل أحد القلائل المتبقين الموالين لتيريزا ماي، وهو وزير الصحة جيريمي هنت، الذي أصبح أول مسؤول كبير من حزب المحافظين يعترف علناً بأن الخروج البريطاني قد لا يحدث أبداً إذا تمرد المتعصبون من المشككين في أوروبا على تيريزا ماي.
في الوقت الراهن، كان التهديد المتمثل في قدوم حكومة عمالية كافياً لترويع المتشددين من أنصار الخروج. ولكن حالة السكون القسري التي يعيشها المتشككون في أوروبا تجعل من المؤكد أن تيريزا ماي ستتفاوض على فترة "الدولة التابعة" الانتقالية التي تتطور إلى الكابوس الذي يرعب المتشككين في أوروبا والمتمثل في سيناريو "هوتيل كاليفورنيا" الذي لا يمكن الفرار منه، استناداً إلى النموذج النرويجي.
إلى أن يستوعب المتعصبون للخروج البريطاني هذه المعضلة المنطقة، فإنهم ربما يقررون إسقاط تيريزا ماي والمجازفة بعقد انتخابات عامة بدلاً من التعاون في تنزيل مرتبة بريطانيا إلى مستوى "الدولة التابعة". وحتى الآن، ما يزال القافز المنتحر مستمراً في السقوط، ولن يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كان معلقاً بحبل قفز مطاطي قبل أن يمر بنافذة الطابق الأول.
 
*هو كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك لمؤسسة "غافيكال دراغونوميكس". وهو كاتب عمود سابق في صحيقة "تايمز أوف لندن"، وصحيفة "نيويورك تايمز إنترناشيونال"، و"الفاينانشال تايمز"، وهو مؤلف كتاب "الرأسمالية 4.0، ولادة اقتصاد جديد"، الذي تنبأ فيه بالكثير من تحولات ما بعد الأزمة في الاقتصاد العالمي. وأصبح كتابه المعنون "تكاليف التخلف عن السداد" للعام 1985 مؤشراً مؤثراً لحكومات أميركا اللاتينية وآسيا حول التفاوض بشأن حالات عجز الديون وإعادة الهيكلة مع المصارف وصندوق النقد الدولي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات