عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Feb-2018

علبة ألوان*بروين حبيب

 القدس العربي-بين الممكن واللاممكن يصنع الفن المفاجأة، لأنه يطرح بصِيَغِه العديدة والمختلفة ما لم نألفه، يقلب الطاولة على رؤوسنا دفعة واحدة ويضعنا أمام حالة صادمة. وأعتقد أن هذا ما فعله الرسام السوري محمد العمري حين رسم رؤساء دول على شكل لاجئين، أخرج ذلك الكم من الألوان المتراكمة في داخله وصقلها برؤيته الخاصة، في أوضاع ممكنة وكسر المألوف بتقديمها على ما يجب أن تكون عليه لو أن الأقدار لعبت أدوارا أخرى معهم، برهافة الفنان وحسه الإنساني العالي، لم يكن يفهم لماذا لا يُرى هذا اللاجئ من طرف حكام العالم، ولا لماذا لا تُرى جثث الأطفال المستخرجة من تحت الأنقاض، مع أن كل طفل يحمل ذاكرة وتاريخا، مرتبطين بالفرح الذي ظلّ يشع منه إلى لحظة قتله، لماذا ينام القتلى بحيواتهم الزاخرة في ملفات رجال السياسة على شكل أرقام لا معنى لها حتى حين تكون ضخمة؟ ولماذا لا تتوقف رحى الحرب، وسيول الدماء، وأكوام الجثث، حركة اللاجئين الحثيثة عبر مسالك الأمن الوهمية في العالم؟

صعوبة إيجاد الأجوبة هو ما فجّر تلك الفكرة العظيمة في رأس العمري، ثم في لوحاته، التي لم تبهر جمهورا ألمانيا صغيرا فقط، حيث عرض الرسام لوحاته، بل انتشرت صفعته الفنية تلك لتطال الجميع… ماذا لو تضع نفسك مكانه لترى الحقيقة… ثمة شيء يصيبنا بالقشعريرة المؤلمة إن جرّبنا وضع صور وجوهنا على وجوه بعض اللاجئين، شعرت بذلك حين خطرت لي الفكرة وجربتها…لا أدري لماذا، فالفكرة في مجملها مرعبة في شكلها الافتراضي فما بالك وهي حقيقية على أرض الواقع.
حلّقت لوحات العمري عبر شبكات التواصل الاجتماعي وأوصلت صرخته وصرخات الملايين من اللاجئين والمسحوقين بالحروب إلى أبعد ما يمكن تخيله، أبعد من الجمهور العاشق للفن، والجمهور الذي لا يعنيه الفن، اخترقت لوحاته كل الفئات الحاكمة والمحكومة، الظالمة والمظلومة، القاتلة والمقتولة.
فاقت اللوحات بتأثيراتها الصامتة كل لغات العالم وتخطتها، بسخرية مؤلمة تكاد تلامس حالة من يتناول السكاكر في قلب المجاعة، أو يشرب ماء زلالا بعد صوم طويل في الخلاء.
إنّه سلاح الفن المسالم، الذي يظهر دوره حين تعجز ترسانات الأسلحة عن السيطرة على سعار المقاتلين، وفعل شيء لاستتباب الأمن، إذ يبدو أن علبة الألوان في يد فنان تصنع معجزة يعجز مئات الرجال من عمالقة سياسيي العالم عن الإتيان بمثلها، تجمع الشتات الذي يصنعونه في الغالب بسبب خلافاتهم، ويطوق ما لا يمكن تطويقه على الإطلاق.
شيء يشبه عصا موسى التي تلتهم الأفعى بعد الأفعى، أو خاتم سليمان الذي تخرج منه الأمنيات الجميلة. ينقذ الفن النّفس البشرية من الانهيار والجنون والانتحار، في الغالب إن لم يقدها إلى التوبة، فإنه يهزم جبروت الظلم فيها… هذا هو الفن، وهو بمفهوم مغاير لما ألفناه منتوج إنساني، لكنه يحمل لغزا ربّانيا، فقد مُنِح تعريفات طالت طبقته الرقيقة السطحية، لكنّها أبدا لم تبحث في منابعه الإلهية، أو في تلك الغرابة التي لا نجد لها تفسيرا أحيانا.
لقد رسم الرسام الروسي فاسيلي فاسيليفتش فريشتشاغين لوحته «انتصار الحرب» سنة 1871 وحيكت حولها حكايات وحكايات، بحثا عن تفسير لها، من أين استوحاها؟ من أين استوحى هرم الجماجم في خلاء تحوم حوله الغربان؟ أمما سمعه من قصص عن تيمورلنك الذي كان كلما خرج من مدينة منتصرا ترك فيها أهرامات من جماجم أهلها؟ أم من حكاية أخرى نسبت لحاكم كشغر الذي كان يقتل الهاربين من سجونه ويضع رؤوسهم على الطريق على شكل أهرامات؟ أسالت اللوحة الكثير من الحبر ولا تزال، لا بسبب الأسئلة التي تطرحها حول جوهر موضوعها، بل لعظمة موقف رسامها من الحرب، مع أنه خدم في الجيش متطوعا وقطع تلك الأراضي المؤدية إلى تركستان، ورأى فيها ما رأى من بقايا تلك الانتصارات الوهمية التي تبنى على جماجم القتلى.
إن المرعب في تلك اللوحة ليس قدرة الرسام على إيجاد الألوان الحقيقية للخراب، والجماجم والأشجار المحروقة، بل تلك الصدمة الكبيرة للمشاعر المرتبطة بتاريخ طويل جدا للإنسان، تذهب بنا تلك الجماجم إلى أعنف الحروب التي شهدتها البشرية، في دورة عبثية لا تنتهي، لاعتقاد المحاربين من الطرفين في كل مرة بأنها ستكون الحرب الأخيرة لهم وأنهم سيخرجون منها منتصرين.
سلاح الفنان في موهبته وتعاطفه الفطري مع أخيه الإنسان، لا سلاحا آخر لديه، وحتى حين أُقحِم فنانون في حروب لم تكن تعنيهم، حين جندوا للقتال رغما عن إرادتهم، أو حين ذهبوا إليها متطوعين، عاد النّاجون منها بشجاعة أكثر ليدينوا الحرب.
أشهر الأعمال الفنية التي تناولت الحروب، سجّلت كل المشاعر الإنسانية على اختلافها، وأعتقد أن تلك التفاصيل التي ترمز للهزيمة أو للنصر، ليست أكثر من رموز وهمية لا تغير من المعنى الحقيقي للحرب، أمّا الأهم فهو أنها شهادات ثمينة للأجيال الواعية، رسائل مشفرة تختلف قراءاتها حسب الخلفية الثقافية والأيديولوجية لمتلقيها.
في الأدب اعتقدت دوما أن جورج أورويل أكثر تميزا في وصف الحرب، وأكثر إثارة للحيرة، إذ ما أزال كامرأة لا أفهم كيف يذهب الرجال إلى الحرب عدة مرات، خاصة بعد أن يصابوا بإصابات خطيرة… أما قمّة الذهول فقد انتابتني عند قراءة حياته. وإن كان أوريل يقول بأن الإنسان لا يكون إنسانا إن بلغ المثالية، غير نادم على خياراته خاصة ما تعلّق بالقتال، نجد على سبيل المثال الرسام الألماني أتوديكس، بعد أن التحق بالجيش متطوعا غيرت ويلات الحرب قناعاته، وفتحت بصره وبصيرته على حقائق فظيعة، وحين سجن في منطقة الألزاس في فرنسا قبل إطلاق سراحه وعودته لوطنه، كتب بعد تجربته تلك «كان يجب أن أعرف كل أعماق الحياة لهذا ذهبت للحرب» وكأن طريق المعرفة وفهم المنطق البشري لا يكتمل إلا بخوض تجربة الحرب.
على كل على مدى أزمان طويلة رُبِط شرف الرجل بالحرب، فلاحق العار الهاربين منها، وأظن أن هذا أحد أهم الأسباب لانفجار الحروب، لكن لعلّنا اليوم أكثر استيعابا للفكرة، بعد أن أصبحنا نرى العالم عبر شاشاتنا الصغيرة في البيوت. زاد عدد دعاة السلام والمناهضين للحروب أو «الجريمة المشرعنة»، إن صح التعبير، ليس فقط من الفنانين والمبدعين والكتاب والنخب، بل من الأمهات والآباء الذين يرفضون إرسال أبنائهم للقتال من أجل قضايا لا تتعلّق مباشرة بأوطانهم، وكل الفئات الواعية التي تعرف تماما ألا منتصر في الحرب، ما دامت الهزيمة تقاس بمن يلقي سلاحه أولا. هل على كل جيل أن يختبر الحرب ليرفضها؟
ذلك هو السؤال الذي تكرر كثيرا في الأدب الذي كتب خلال حقبة الحرب العالمية الثانية، كون الحرب العالمية الأولى لقنت دروسا مرعبة لمن عاشوها، وتركت أثرا عميقا في نفوس رعيل « طويل.. عريض» من الكتاب والشعراء، أمّا نحن فحروبنا لا تزال طازجة، ونتاجنا الفنّي يغطي عليه صخب السياسة، لقد كان على العمري أن يقطع هذه الأصقاع لاجئا لنرى فنّه… يا للإرباك لرؤية الأمر.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات