عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Apr-2018

بعض التأملات في الصحافة

 الغد-روجر كوهين – (نيويورك تايمز) 30/3/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
عندما كنتُ صغيراً في بوينس آيريس، مدينة الجمال، مدينة الحزن، قالت لي صديقة: "الصحافة عمل غير مُجزٍ بالنسبة لك". لم أسألها أبداً عما قصدته، لكنني لم أنسه أبداً أيضاً. وأعتقد أن ما قصدَته هو أن الصحافة تميل إلى أن تتوقف حيث يبدأ الإبداع الفني، وأنها مملكة الحقائق الأكثر عمقاً.
كانت بوينس آيرس تستيقظ على نطاق من الكابوس الوطني. وبدا أن كل محادثة تنتهي بالدموع، حيث الآباء، المطارَدون بالتخيلات الرهيبة، يتذكرون أبناءهم الذين "اختفوا" على يد الطغمة العكسرية الحاكمة. أما حقيقة أن آلافا عدة من الجُثث كانَت تُرمى من الطائرات في المحيط الأطلسي في الأعوام ما بين 1976 و1983، فلم تكُن قد عُرِفَت بعد.
جلستُ واستمعتُ. هذا ما يفعله الصحفيون: يستمعون خلال جولات الصمت، في انتظارِ دليل مرشِد. كانت الشرطة تستدعي الطلاب للتحقيق ("لن يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة")، ثُم لا يراهم أحد بعد ذلك أبداً. كان الطلبة يُدفعون إلى سيارات "فورد فالكونز" في جادة كورينتس. وكانت النساء الحوامل تُقتَلن مباشرة بعد ولادة الأطفال الذين سيأخذهم الأزواج العسكريون الذين بلا أطفال.
كانت الأرجنتين، الغنية جداً، والمنهوبة جداً، مسكونة بالخوف. وذكَّرتني بوينس آيرس، بأناقتها، بملاحظة فلوبيرت عن الأناقة، بأنها وسيلةٌ "للتخلُّص من جرح أعمق". وقد ألقت المسافة بثقلها على الأرجنتينيين. كان ذلك نوعاً من الإبعاد.
رويت القصة بالطريقة التي بدَت لي أكثر كشفاً: من داخل آلام الناس الذين قابلتهم. وقد شكل التقاطع بين الروح الشخصية والوطنية دائماً أغنى وأعلى نقطة في التحقيق الصحفي بالنسبة لي.
تمسكتُ بما أعرفه. لكن الحقائق يمكن أن تكون غير كافية. أتذكر شخصين، رجلاً وامرأة، جالسَين في مطعم في بيروت التي دمرتها الحرب. كان الندل قد طوَوا المناديل الكتانية بعناية كبيرة، في عمل صغير من التحدي. نعم، كان ذلك شيئاً حِسياً يمكن التحقق منه. ولكن، ما الذي كان يعبر بين الرجل والمرأة؟ ما الذي كان يسكن الفضاء السحري الصغير الذي يفصل بين أطراف أصابعهما، وكيف استطاع أن يتدبر أمر الهروب، لحظياً، من القصف؟
كانت الحرب شيئاً، وزمن الحرب شيئاً آخر. ربما يمكن الجدل حول المكان الذي تقع فيه الحقيقة الكبرى. وكما قال الروائي الإسرائيلي، عاموس عوز، ذات مرة: "الوقائع تصبح في بعض الأحيان أعداء ألداء للحقيقة". ففي حين تقدم لوحة بيكاسو "غويرنيكا"، رواية فقيرة لما حدث في قرية باسكية يوم 26 نيسان (أبريل) 1937، فإنها تقدم تصويراً رائعاً لما حدث في كل قرية تم قصفها في أي حرب. وتشكل تلك اللوحة إرسالية صحفية مثالية، إذا ما قيست بكمّ الحقيقة الكونية المتضمنة فيها.
ومع ذلك، ليس هذا هو ما يكون الصحفيون بصدده معظم الوقت. إن مملكتهم هي الحقائق. الحقائق العنيدة، من النوع الذي يطيح بالحكومات، ويؤذِن بإرسال البرابرة إلى الحساب. إننا نعيش إزهاراً صحفياً عظيماً، يستفزه ازدراء الحقيقة، وفي كثير من الأحيان ازدراء الدستور، وبيت دونالد ترامب الأبيض. وفي خضم المهمة غير المنتهية المتمثلة في الحفاظ على "الجمهورية"، أحدَث الصحفيون فرقاً.
ربما تكون هذه هي الخلاصة: إحداث فرق، بطريقة ما صغيرة، لكنها مُهِمة. من المؤكد أن الصحافة يمكن أن تكون "غير مجزية" عندما تكون مهنِّئة للذات، متلصصة، مُعجبَة بنفسها أو ضحلة. ("الأخبار الزائفة" ليست صحافة). إن الصحفي يثير المعاناة ويمضي؛ والمعاناة تميل إلى البقاء.
هناك لحظة في فيلم "غاندي"، عندما يقوم مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" المتخيَّل، فينس ووكر، بإرسال تقريره بالهاتف بعد أن شاهد الهجوم البريطاني الوحشي على مظاهرة أنصار غاندي في أعمال الملح في دازنانا. يتحدث ويغمرُه العرق، تحت الضغط، وعلى وشك البكاء، بينما يملي فقرته الأخيرة: "أيُّ سمو أخلاقي كانَ ينطوي عليه الغرب ضُيِّع هنا اليوم. الهند حرة لأنها تحملت كل ما يستطيع هذا الحديد والوحشية إيقاعه، ولم تستسلم ولم تتراجع".
الأمر كلُّه هناك: العقلُ والقلب اندغما معاً، الواضحُ والعاطفيّ، في وكزة للتاريخ من مراسل صحفي وقف شاهداً. أن تكون هناك على أعتاب التغيير هي هِبة نادرة. كل شيء في الصحافة تغيَّر إلا الأساسي.
عندما كنتُ صغيراً جداً، كنتُ أذهب إلى متنزه كروغر الوطني في جنوب إفريقيا. وبدا لي أن الطبيعة بطيئة، مع انفجارات مفاجئة من التسارع. لم يكن شيء يتحرك بينما تنهض حرارة النهار. ثم يُسرع الهواء. يرتفع نسر، وتندفِع الفيَلة. كانت الحياة حينئذٍ مسألة انتظار وتوقيت فحسب. ربما تبقى خاملة بضع سنين قبل أن تجمع المتعدد في واحد.
الصحافة هي مثل ذلك؛ هدوء وتسارع، أدرينالين واستنطاقٌ مضطرب. ماذا أتذكر؟ العثور على اثنين من أولئك الأولاد الأرجنتيين المسروقين في باراغواني؛ وجودي هناك عند سقوط بينوشيه؛ رواية أحداث حرب البوسنة حتى تدخل الناتو الأخير؛ منحي صوتاً للإيرانيين الشجعان في العام 2009: تلك اللحظات التي تبدو فيها الكلمات حاسمةً.
هذا الأسبوع، بعد محاولة فاشلة لعملية إعدام في الشهر الماضي، توصلَت ولاية ألاباما ومحامو دويل لي هام إلى تسوية خاصة ستُبقي على حياته. وكنتُ قد كتبت مقالاً بعنوان "جنون عقوبة الإعدام في ألاباما". وقال لي بيرنارد هاركورت، محامي مهم: "من دون مقالك، لا أعتقد أننا كنا لنقف حيث نحن اليوم. لقد أحدث ذلك كلَّ الفرق".
لقد تم إنقاذ حياة واحدة، ويبدو هذا كافياً لعُمرٍ كامل، حتى لو أن اللا-مألوف لم يأتِ بعد.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Some Reflections on Journalism
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات