عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2017

العثمانيون الجدد من أتاتورك إلى أردوغان* مصطفى الفقي

الحياة-راق لي تعبير «العثمانيون الجدد» على وزن «المحافظون الجدد» الذين ورطوا الولايات المتحدة الأميركية بقيادة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في العبث بالمنطقة العربية وتدمير مقدراتها منذ سنوات عدة، فكان ذلك عدواناً دولياً أدى إلى التهاب الأوضاع في الشرق الأوسط، وها هم العثمانيون الجدد بقيادة رجب طيب أردوغان يتجهون إلى عملية إخلال باستقرار المنطقة وكأنما هو عدوان سياسي إقليمي في المشرق العربي نتيجة دورهم المتزايد في سورية والعراق، فضلاً عن العلاقات الاستراتيجية التي استقرت وتحسنت مع إسرائيل. ولا شك في أن ظهور أردوغان على المسرح السياسي أدى إلى تغييرات جذرية في المنطقة وجعل الحسابات مختلفة إلى حد كبير، حتى أننا يمكن أن نتحدث عن ظاهرة أردوغان، لا عن المستوى التركي وحده، ولكن عن المستوى الإقليمي كله. فهو تجسيد للسياسي الشعبوي الذي وظف الاقتصاد لخدمة السياسة، ولا أزعم أن الحال التركية سهلة الدراسة لأنها دولة محورية مهمة في الطرف الشرقي الجنوبي لأوروبا والشمال الغربي للشرق الأوسط، فضلاً عن تاريخ طويل وعريض ساهم في صنع مكونات الشخصية الإقليمية لدول المنطقة، فشعوب الشرق الأوسط وغرب آسيا ومنطقة البلقان تدرك جميعاً أن المكون التركي مؤثر وفاعل على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية للشعوب التي عرفت المظلة العثمانية لأكثر من سبعة قرون، ولكي ندرك الظاهرة الأردوغانية فإننا نستسمح القارئ في التجول عبر الملاحظات الأساسية التالية:
 
أولًا: على رغم أنني لا أتحمس للتفسير التآمري للتاريخ، فإن ذلك لا يحول دون إقراري بوجود المؤامرة في مراحل متعددة من الصراع السياسي على المستويين الدولي والإقليمي، والذين يقولون إن سقوط الخلافة الإسلامية جاء نتيجة مؤامرة لإسقاط الدولة العثمانية والتخلص من تركة (رجل أوروبا المريض) هو تفكير يحمل الغازي مصطفى كمال أتاتورك -ابن إقليم سالونيك- مسؤولية الانتقال من الخلافة العثمانية إلى الجمهورية التركية ومحاولة الخلاص من عبء الإمبراطورية الكبيرة بكل مشكلاتها وصراعاتها، وهنا نزعم أن الأمر مختلف، إذ إن احتضار الدولة العثمانية استمر لقرن كامل على الأقل، ولو كانت دولة قوية راسخة الأركان ما سقطت بفعل جماعة الاتحاد والترقي أو تركيا الفتاة أو جهود العسكريين بقيادة أتاتورك، فالمسألة أعمق وأكبر، والدليل على ذلك أن الشعوب الإسلامية تسابقت على ترشيح بديل للخلافة وانعقدت مؤتمرات إسلامية لهذا الغرض في الهند ومصر ولندن، ولقد حاول عرش أسرة محمد علي ممثلاً بحفيده الملك فؤاد الترويج للحصول على تزكيا إسلامية بنقل الخلافة إلى أحفاد مؤسس مصر الحديثة ذلك الحاكم القومي الذي هدد الخليفة العثماني في النصف الأول من القرن التاسع عشر حتى قامت أوروبا بتحجيم دوره باتفاقية لندن 1840، وسنلاحظ أن سقوط الخلافة العثمانية ترك فراغاً كبيراً في الساحة الدولية عموماً والأوروبية خصوصاً لذلك ظلت تركيا في حالتي صعود وهبوط لما يقرب من قرن كامل، إذ إن معاهدة سيفر هي التي قننت وضع الدولة التركية بعد سقوط الخلافة العثمانية ولم تكن بعض التحولات الاجتماعية كافية لتحديد الهوية التركية الجديدة كاستبدال القبعة بالطربوش والحروف اللاتينية بالحروف العربية لكي نتحدث عن ميلاد دولة جديدة.
 
ثانياً: لقد شهدت الدولة التركية مساراً طويلاً لرؤسائها بعد أتاتورك وعرفنا أسماء مثل عصمت اينونو وعدنان مندريس بمأساته وصولاً إلى مرحلة الانقلاب العسكري الشهير الذي قاده الجنرال كنعان إيفرين حتى جاء تورغوت أوزال الذي وضع اللبنة الأساسية للمعجزة الاقتصادية التركية ثم سليمان ديميرل وصولاً إلى نجم الدين أربكان كأول محاولة لحزب إسلامي يصل إلى السلطة في أنقرة ثم جاء السلطان الكبير رجب طيب أردوغان ليحصد كل إيجابيات سابقيه، خصوصاً في المجال الاقتصادي وليحقق على مستوى الدولة معادلة لم تكن متاحة بالنسبة الى الدخل السنوي للفرد التركي وقد ساعدته ذلك في العلاقة مع المؤسسة العسكرية التركية.
 
ثالثاً: إن المؤسسة العسكرية التركية هي وريثة الأتاتوركية وحامية فكر الغازي مصطفى كمال أتاتورك ومبادئه التي تعتمد بالدرجة الأولى على مبدأ فصل الدين عن الدولة وإقرار النزعة العلمانية في كل المؤسسات التركية، بل إنني أتذكر أن أوزال رئيس الوزراء الراحل ذهب هو وزوجته لأداء العمرة ونشرت له صورة وهو يؤدي المناسك فتعرض لهجوم كاسح من القوى العلمانية، خصوصاً من الجيش التركي، حتى اضطر في الأسبوع نفسه أن يذهب هو وزوجته إلى شاطئ البحر ويجري تصويرهما بلباس السباحة لخلق نوع من التوازن في المعادلة الصعبة لعلمانية الدولة، وقد تنامى دور الجيش التركي وصعد لكي يكون سيد البلاد لسنوات طويلة محافظاً على جمهورية أتاتورك مناهضاً لكل من يعاديها. وظل أمره كذلك إلى أن ظهر الزعيم الأسطوري الذي شغل منصب محافظ إسطنبول بنجاح أعطاه شعبية كبيرة كما استفاد من موجة الحكم الإسلامي التي قادها نجم الدين أربكان والذي لم يتمكن من اختراق القوات المسلحة التركية، ولقد حكى لي أحد رؤساء أركان حرب الجيوش العربية أنه كان في زيارة رسمية لنظيره التركي ثم تقرر أن يلتقي رئيس الوزراء أربكان في حضور مضيفه رئيس الأركان، وقد لاحظ العسكري العربي الكبير أن أربكان كان ينظر إلى رئيس الأركان التركي قبل أن يجيب على أي سؤال وبدا وكأن المسؤول العسكري التركي الكبير هو سيد الجلسة وليس رئيس الوزراء! وهذه القصة -على بساطتها- مؤشر الى السيطرة التي تمتع بها الجيش التركي في كل الظروف حتى وصول أردوغان الذي تمكن من احتواء العسكرية التركية والمضي بها خلفه، وقد تحدث عن انقلاب عسكري منذ سنوات قليلة أطاح فيه عدداً لا باس به من كبار العسكريين وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، ولا شك في أن قدرة أردوغان في السيطرة على المؤسسة العسكرية هي التي مكّنته بعد ذلك من تأكيد سلطته وتكريس حكمه، وقد كنت وما زلت أتساءل كيف لهذا السياسي المدني أن يتمكن من السيطرة على الجيش التركي وينفرد بحكم البلاد ويجري استفتاءً لتحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي لكي يتمتع السلطان الجديد بصلاحيات لم يتمتع بها حاكم تركي من قبل!
 
رابعاً: دعنا نعترف أنه على رغم الغطاء العلماني للدولة التركية، فإن الجذور الإسلامية للمجتمع التركي كانت كامنة تحت السطح وتمكنت دائماً من البقاء من دون أن يتمكن الجيش العلماني أو المثقفون الأتراك ممن ينتسبون إلى فكر أتاتورك من القضاء عليها أو إنهاء وجودها، ولقد كانت تطفو بين حين وآخر نزعات تركية إسلامية ولكن قبضة القوات المسلحة التركية وسيطرة العلمانيين على الحكم كانت تحول دون ذلك، حتى إن المساجد لا تُفتح إلا في مواعيد الصلاة، كما أن التّدين هو شأن شخصي لا ينعكس على الدولة بأي حال من الأحوال، وهنا لا بد من أن نتوقف طويلاً أمام مشروع أردوغان الإسلامي الذي كان يتبنى بعث الخلافة الإسلامية بمنظور جديد يأتي بقيادة تركيا المتمثلة في حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان والذي قفز من منصب رئيس الوزراء إلى منصب رئيس الجمهورية متمتعاً بصلاحيات رئاسية واسعة ومتخلصاً من خصومه ومعارضيه وضارباً عرض الحائط بالحلم التركي التاريخي في الانضمام للاتحاد الأوروبي حتى وجدناه في النهاية يطالب بإعادة عقوبة الإعدام التي ألغتها تركيا من قبل كنوع من المواءمة مع شروط الاتحاد الأوروبي وقوانينه. لقد تحولت تركيا فجأة من القبول بأن تكون في مؤخرة أوروبا إلى التفكير في أن تكون زعيمة العالم الإسلامي ودولة محورية مركزية كبرى في الشرق الأوسط تحاول بعث الإمبراطورية القديمة لكي تستعيد أمجادها تحت مسميات جديدة تواكب العصر وتتماشى معه.
 
خامساً: لقد استند مشروع أردوغان إلى محاولة السيطرة الكاملة على جماعة «الإخوان المسلمين»، وهي جماعة دينية المظهر سياسية الجوهر أسسها الشيخ حسن البنا في مدينة الإسماعيلية في مصر عام 1928 أي بعد سقوط الخلافة العثمانية بأربع سنوات فقط لكي تكون بديلاً شعبياً إسلامياً لسقوط الكيان الإسلامي الرسمي الذي أطاحه أتاتورك ومجموعة الضباط الذين أحاطوا به وتماشوا مع رؤيته للجمهورية التركية الحديثة، لقد حاول أردوغان أن يجد من خلال جماعة «الإخوان المسلمين» غطاءً جديداً للشرعية يؤهل الدولة التركية لاستعادة الزخم الديني الذي استندت إليه واعتمدت عليه، ولكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فقد أسقط الشعب المصري حكم «الإخوان المسلمين» بعد عام واحد وتغيرت الصورة تماماً حتى أجهضت مشروع أردوغان ووأدته في مهده، وهذا يفسر سر غضب أردوغان الدائم وحديثه المستمر عن الانقلاب الذي أطاح حكم الرئيس محمد مرسي صاحب الشرعية على حد تعبير أردوغان وأركان حكمه، وقد أجريت في صيف 2016 محاولة انقلابية ضد أردوغان تشير بعض الدلائل إلا أنها كانت مدبرة ليتخلص بها من خصومه تمهيداً للاستفتاء الذي أجراه وجعله سلطاناً عثمانياً بدرجة رئيس جمهورية.
 
إننا لا نستطيع أن نزعم أن تركيا دولة مستقرة سياسياً، بل إننا نشعر أحياناً أن النار تحت الرماد وأن هناك قوى معارضة لأردوغان، لأن الأتاتوركية لم تمت، كما أن العثمانيين الجدد قد يسيطرون على أجهزة الحكم وحتى القوات المسلحة ولكنهم قد لا يتمكنون من مواصلة هذا الدور لسنوات طويلة، وإذا كانت تركيا دولة عضواً في حلف شمال الأطلنطي كما كان حلمها هو الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تزال محسوبة على العالم الإسلامي وشرق المتوسط، تطل على الأزمة السورية طرفاً فاعلاً وعلى الوضع في العراق متابعاً جيداً، فلقد خدمت أحداث الربيع العربي أردوغان كما لم تخدم غيره لذلك فإننا نتساءل أين يقف العثمانيون الجدد في السنوات المقبلة بين مبادئ أتاتورك وطموحات أردوغان؟ والسؤال الأهم هل سيظل الجيش التركي على ولائه للسيد الجديد الذي لا يحب المعارضة ولا يقبل الاختلاف في الرأي وتطل من أفكاره بعض ملامح الاستبداد والتسلط؟! ... دعنا ننتظر ونراقب وسيأتي المستقبل بإجابات وافية على هذه الأسئلة المشروعة.
 
 
 
 
 
* كاتب مصري.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات