عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2018

اللون السينمائي… قراءة في التناغم والإيقاع والدلالة

 القدس العربي-يوسف المحسن

لا تقلْ فيلماً ملوّناً وإنّما فيلم بالألوان، ربّما تكون هذه المقولة للمخرج السينمائي وصاحب كتاب «مشاهد الفيلم» سيرجي ميخايلوفيتش أيزنشتاين مدخلاً جيداً للحديث عن اللون واشتغالاته في بنية العرض السينمائي، فبعد بداية بالأبيض والأسود للسينما العالمية جاء استخدام الألوان ليعطي أبعادا دلالية مضافة للأفلام، وفي الوقت ذاته يحوّل هذين اللونين إلى لون واحد استعان به صانعو السينما ومخرجوها، في التذكّر أو الفلاش باك، فيما الألوان الأخرى صارت أداة مضافة للتعبير تحمل معها ملامح القوّة التأثيرية في المتلقّي.
وإذا كانت الاستعانة بالألوان هي نوع من الترف الجمالي في المراحل الأولى كمثل استخدام الموسيقى، فإن توصيف المخرج السينمائي على أّنه فنان يستعين بالصورة، أحال هذه التراكيب اللونية في الأفلام إلى لغة صورية لا تنفصل ولا تبتعد عن أجواء الدلالة والتعبير، حيث تقول ماري ريسك وهي منتجة سينمائية سجلت حضورها السريع من خلال أعمال فيلمية احتفت باللون السينمائي، أن العديد من المخرجين السينمائيين والمصورين استندوا إلى خلفياتهم الإبداعية كفنانين تشكيليين أو بَصَريين في التكوين اللوني للغتهم السينمائية وحققوا نجاحاً باهراً من خلال ذلك.
ويأخذ اللون دوراً مهماً في رؤى المخرجين التي تنعكس على فضاء التلقي، فتأثيث المشهد وتعبئته باللون يبعث بدلالات وإشارات تدخل فــــي جزئيات المشهد الخارجية، حيث نجــــــد أفلاماً عُبئت باللون الذي صار تحدياً معرفياً جديداً يجب اختياره، بما يعمّق الاشتغال الصوري والدلالي والفكري للمشهد، وبالتالي ينحت في جسد الفيلم تعابير مضافة، حيث يشير بيتر مارشال إلى أن جميع الألوان تمثّل رمزاً على المستوى العاطفي، حيث يمكنها إضافة طبقات مرئية وتعبـــيرية للفيلم، كمثل الألوان الباردة وهي، الأزرق والأخضـــر والأبيض، التي تثــير إحساساً بالسكينة لدى المتلقي، والألوان الدافئة مثل البرتقالي والأصفر والأحمر، التي تعكس الحيوية والتمازج، وعلى الرغم من اختلاف الثقافات في تناولها للمدلول اللوني، إلا أن من الواضح قدرة التركيب اللوني على أن يتصاعد ليبقى الأكثر تأثيراً ورسوخاً في الذات الإنسانية.
ويضيف مارشال أن اللون الأحمر يمكن أن يعبّر عن الغضب والرغبة والإثارة والقوة والحرارة والخطر والطاقة، فيما اللون الوردي (الزهري) يعكس الحب والبراءة والسعادة والرومانسية والمرح والأنوثة، أما الأصفر فيشير إلى الحكمة والمعرفة والتفاؤل والخيانة والطمع والخداع، ولا يختلف كثيراً عن البرتقالي الذي يمثّل الفكاهة والتوازن والحيوية والدفء والحماسة، فيما الأخضر يعكس الخصوبة والنشاط والوعي الذاتي بالقدر ذاته الذي يحمله اللون الأزرق من جوانب روحية وسلام وثقة وتفرّد، مارشال مزج أيضاً بين الأرجواني والغموض، وبين الرمادي والمادية، وبين الأسود والعمق وبين الأبيض والطهارة والخشوع.
الكاتبة والمنتجة ماري ريسك ترى أنه يجب على صانعي الأفلام أن يدركوا معايير نظرية اللون، لكن عليهم ألا ينظروا إليها على أنها قيود وقواعد جامدة، مهمة اللون هو تشييد إطار حسي من الانسجام في بنية المشهد، وعليه أيضاً جذب الانتباه إلى المحاور الرئيسية في الفيلم، فاللون يملك ذلك التأثير الخفي والمرتبط بالوعي الداخلي عاطفياً ونفسياً، وحتى جسدياً عندما يتعلّق الموضوع بسرد قصة صورية، ففي فيلم «الحاسة السادسة» للنجم بروس ويليس يستخدم المخرج إم نايت شيامالان اللون الأحمر لتجسيد أجواء الرعب والتحفيز والترقّب، فيما يستعين غاري روس من خلال فيلمه بليزنتفيل باللون الأحمر للإشارة إلى الحب والأمل.
وغالباً ما تكون الألوان الفردية أو التكرارية أكثر وقعاً ودلالة في المشهد السينمائي، إلا أن اللوح الفيلمي المتدرج والمتناسل الألوان يمتلك فضاءً تعبيرياً أكثر انفتاحاً على خبرات المتلقي وأكثر تحفيزاً لوعيه واستنفاراً لمجسّات تذوقه الفني، فالتدرج اللوني يؤكد العلاقات المتناغمة للألوان، والإيقاع اللوني وعلى العكس من الإيقاع الصوتي ليس من الواجب أن يكون متوازناً، لأن الموج اللوني يكمل بعضه بعضاً، حيث أن المخرج ويس أندرسون قد استخدم في فيلمه الحاصل على جائزة الأوسكار كأفضل موسيقى تصويريّة عام 2014 «فندق بودابست الكبير» إيقاعاً لونياً أحادياً اعتمد فيه على اللون الزهري الفاتح، لكنه كان يميل إلى الهبوط به نحو اللون الأرجواني في خلفيات المَشاهد وهو ما حافظ على درجة اللون وسمح بإظهار التباين المطلوب.
وفن توزيع الألوان وإدارتها في المشهد السينمائي، ومثل الفن التشكيلي لا يستهدف بالضرورة التكوين الخارجي للمشهد، فهو يخلق إيقاعاً داخلياً يفضح من خلاله مكامن شعورية قد لا تنجح الحركة والملامح والحوار في إظهارها، وهو بذلك يترك فسحة للتأمّل والانجذاب الوجداني من الخيط الانفعالي والشعوري، وما يمكن تحقيقه من خلال تناغم لوني تقول عنه ماري ريسك بأنه يخلق نوعاً من الوحدة البصرية كما في فيلم «اتّجار» الحاصل على جائزة الأوسكار عام 2001 للمخرج ستيفن سودربرغ، حيث الضربات اللونية في الفيلم لاجتراح علاقة مغايرة من التكامل اللوني حين يظهر مايكل دوغلاس وسط موجة متدرجة من اللون البرتقالي وِفِّقَ فيها سودربرغ بصناعة واحد من أمثلة النجاح اللوني في العرض السينمائي.
وإقحام الرمزية في البناء اللوني للفيلم لا يشترط وجود مستويات متقاربة من التذوق الفني عند الجمهور، فاللون ينسج مدلولاته بالاستناد إلى قدرته على إيقاظ خبرات العين ومديات غورها في تكويناته، ففي فيلم «أقتل بيل» أعطيت البطلة لونها المميز الخاص وهو الأصفر في الوقت الذي صوَّر فيه الفيلم الكثير من الدماء.
وتتداخل عوامل عدة في تأثير اللون وقدرته التعبيرية السينمائية، عوامل تبدأ من اختياره والمدلول القيمي له، ومن ثم درجة تشبعه وتدرجه مروراً بخفوته وبريقه، والأهم هو مدى تباينه وإيقاعه والحيز الذي يشغله بين الألوان داخل المشهد، فيما تبقى عملية تتبع المدلولات التي يطرحها أمام المتلقي مقرونة أيضاً بقدرة هذا اللون على ملء الفراغ في اللقطة السينمائية، ولفت النظر إليه كعكاز جديد قديم يستند إليه المخرجون لإبراز أو تعميق الرؤى التعبيرية للأفلام.
 
٭ كاتب عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات