عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jun-2017

ما الذي يحفز الإرهاب (4): التكنولوجيا

الغد-سكوت ستيوارت
 (ستراتفور) 25/5/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
ما الذي يحفز الإرهاب؟ يساعد النظر في القوى التي تؤثر في اتجاهات تكتيكات الإرهاب، وأهدافه وصناعته، في وضع الهجمات الإرهابية في السياق، ويمكِّن المراقبين من توقع التطور التالي في عمليات الإرهاب. وقد نظر الجزء الأول من هذه السلسلة في أهمية أيديولوجية الإرهاب ونظريته. وركز الجزء الثاني على كيفية تأثير التطورات السياسية والاقتصادية على هذه الديناميات. ونظر الجزء الثالث في كيفية ترك جهود مكافحة الإرهاب بصمتها على الإرهابيين التي تحاول هذه الجهود إيقافهم. وتظل هذه العوامل متميزة عن القوى النفسية والاجتماعية التي تقود الفرد إلى أن يصبح متطرفاً، وهو ما لا لن نناقشه في هذا البحث.
لكن ثمة سؤالاً آخر ينبغي طرحه والإجابة عنه، وهو: كيف تؤثر التكنولوجيا في تقدم الإرهاب وتعزيزه؟ وسوف يركز هذا الجزء من السلسلة على تناول هذا العنوان بالتحديد. وبطبيعة الحال، يجب ملاحظة أننا بينما نتفحص العناصر المختلفة كافة التي تحفز الإرهاب على المستوى الفردي، فإن أياً من هذه العناصر لا يعمل وحده. إنها كلها متعالقة، وهي تعمل دائماً تقريباً معاً (أو عند غايات متقاطعة) على تحويل ديناميات الإرهاب.
التكنولوجيا كسلاح
عندما كنت أسافر مع رئيسي السابق مايكل ديل، مؤسس شركة "تقنيات ديل"، كان يقول دائماً إن التكنولوجيا هي أشبه بسلاح موضوع على طاولة. فإما أن تلتقطها الشركة عن الطاولة وتستخدمها، أو أن منافسيها سيفعلون. وفي حين أنه كان يشير إلى الميزة التنافسية التي تقدمها التكنولوجيا للأعمال، فإن هذه المنجزات التقنية مهمة بالمقدار نفسه بالنسبة لمخططي الإرهاب في إطار جهودهم التي لا ترمي فقط إلى التغلب على قوى مكافحة الإرهاب وتجاوزها، وإنما أيضاً إلى توجيه أنواع جديدة من الضربات التي لا تكون أهدافهم مستعدة للتعامل معها.
على سبيل المثال، يمتلئ التاريخ بالمحاولات الناجحة لاستخدام التقنيات الجديدة في تهريب القنابل إلى الطائرات عن طريق التحايل على التدابير الأمنية الموضوعة ضدها. وتستخدم الكثير من تصاميم القنابل الابتكارية مجموعة متنوعة من التقنيات، بما في ذلك توقيت "الخلية الألكترونية"، ومفاتيح التحويل البارومترية، والساعات الرقمية والهواتف المحمولة. كما ساعدت الألكترونيات المصغرة، والأشعة تحت الحمراء، ومجموعة متنوعة من الأنظمة الأخرى في المزيد من تطوير فن صناعة القنابل. ومع ذلك، تتوفر التكنولوجيا المتقدمة لكلا الطرفين: فقد استخدمت السلطات التي تكافح الإرهاب أجهزة القياس المغناطيسية، والماسحات الضوئية المقطعية، وآلات التصوير بالأشعة السينية، وأجهزة الكشف عن المتفجرات والماسحات الضوئية للجسم، لمواجهة التقدم الذي يحرزه الإرهابيون في جهودهم لاستهداف الطائرات.
عندما يأتي الأمر إلى التخطيط لهجوم، يشكل الإنترنت مرة أخرى أداة لا تقدر بثمن. ويمكن أن تكون المعلومات المتاحة على الإنترنت مفيدة جداً في مرحلة اختيار الهدف من مراحل دورة الهجوم الإرهابي، ويمكن أن تساعد مخططي الإرهاب بشكل كبير عندما يشرعون في عمليات المراقبة اللازمة لمرحلة التخطيط من الدورة. وفي حين أن البحث على الإنترنت لا يمكن أن يعوض ببساطة عن المراقبة الحسية قبل تنفيذ العملية، فإنه يمكن أن يزود الفِرق الإرهابية بمقدار كبير من المعلومات التي يمكن أن ترشد وتساعد في اختصار العملية. وقد أصبحت تقنيات الهواتف الذكية بقدرات تصوير الفيديو والصور الثابتة مفيدة بشكل لا يصدق في عمليات المراقبة، وكذلك حال الكاميرات التي تعمل عن بعد، والتي يمكن استخدامها لمراقبة أماكن سكن أو مكاتب الأهداف المحتملة، كل ذلك من دون الاضطرار إلى وضع ناشطين مباشرة في الشوارع. ويمكن رصد الكثير من الكاميرات في الزمن الحقيقي بواسطة الإنترنت.
زحف الدعاية عبر الإنترنت
لكن التكنولوجيا مكنت الأفكار والصناعة الإرهابية أيضاً من الانتشار إلى جمهور أوسع نطاقاً. وكان الإرهابيون دائماً سريعين إلى تبني منجزات التكنولوجيا لنشر أيديولوجيتهم وتجنيد الأتباع الجدد. وفي حين أن الإرهابيين الأوائل اعتبروا هجماتهم نوعاً من الدعاية -ما كانوا يسمونه "دعاية الأفعال"- فإن الإنترنت ومنافد الإعلام الاجتماعي الجديدة تتسم بنفس القوة والحسم في تعزيز جهودهم. وكانت تسجيلات أشرطة الكاسيت طريقة شائعة لنشر الدعاية الإرهابية في السبعينيات والثمانينيات. ولاحقاً، عندما أصبح تسجيل الفيديو المحمول متاحاً، تم توزيع أشرطة الفيديو بنظام VHS والأقراص المدمجة. ثم جاء الإنترنت. وربما لم تكن لأي وسيط نفس التأثير العالمي المباشر الذي جلبه مزيج الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية لدعاية الإرهابيين. وقد تبنى تنظيم "داعش" بشكل خاص هذه الواسطة، وأصبح بارعاً جداً في استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية على نطاق لم يسبق له مثيل، وعلى نحو جعل من الصعب على سلطات مكافحة الإرهاب إيقافه.
حين يتعلق الأمر بتدريس صناعة الإرهاب، يشكل الإنترنت منصة مثالية لتدريب المجندين الجدد على التكتيكات والأساليب، كجزء من التقدم الطبيعي في تاريخ الإرهاب. وفي أواخر القرن التاسع عشر، ضمت صحف الفوضويين مقالات تحتوي على الإرشادات الأساسية لصناعة القنابل من أجل تزويد الأفراد والخلايا الصغيرة بالوسائل لتنفيذ عملياتهم التفجيرية الخاصة وحدهم. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، وفر "كتاب وصفات الفوضوي" دليلاً إرشادياً مطبوعاً لصناعة القنابل وأساليب التخريب. وفي أواخر الثمانينيات، طبع تنظيم القاعدة "موسوعة الجهاد" الخاصة به. ومع قدوم الإنترنت، تبنت المجموعات الإرهابية أسلوب توزيع معرفتها في مجال صناعة القنابل بواسطة الشبكة الألكترونية.
يتسم الإنترنت بأهمية خاصة في تدريب المجندين الجدد، الراغبين في العمل والذين يقيمون في أماكن بعيدة عن خبراء الجماعات المدربين. وهناك فجوة في النوايا والقدرات التي يوفرها الإنترنت للإرهابيين المحتملين، خاصة في نماذج المقاومة بلا قيادة، حيث لا يمتلك الناشطون على المستوى الشعبي الوسائل للاتصال المباشر بالمجموعة الرئيسية من أجل الحصول على التدريب والإرشاد. وفي جهد لجسر هذه الفجوة، نظر أتباع "التفوق الأبيض"، وجبهة تحرير الأرض، وجبهة تحرير الحيوان، والمجموعات الجهادية المختلفة إلى الإنترنت. وربما يكون المثال الأشهر على هذا الاتجاه "مجلة الإلهام" التي يصدرها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والتي تضم تعليمات صناعة القنابل خطوة بخطوة، مع صور مفصلة.
مع ذلك، لم تكن دروس النصوص والصور الفوتوغرافية الثابتة بأي حال من الأحوال نظيراً لكفاءة الفيديو، الذي أصبح يتجاوز سريعاً كل الوسائل الأخرى في توزيع صنعة الإرهاب. وقد أنتج تنظيما القاعدة و"داعش" أشرطة فيديو تفصيلية، والتي تشرح للمشاهدين كيفية توليف الخلائط المتفجرة، ثم كيفية استخدام المتفجرات المصنّعة محلياً، أو غيرها من المركبات المتاحة، لصناعة القنابل.
مع ذلك، حتى هذه الفيديوهات تظل محدودة من حيث قدرتها على توفير إرشادات تفاعلية لصانعي القنابل المتفرجين الذين يفصلهم عن مدربيهم الزمن والمسافة. وفي العالم غير الإرهابي، يتم استخدام تقنيات الاتصالات للتغلب على المسافة. وكان هناك انفجار هائل في التعليم بواسطة الإنترنت، من المدارس الابتدائية إلى الجامعات على الإنترنت، من خلال استخدام برمجيات المؤتمرات عن طريق الفيديو. وسوف تبدأ الجماعات الإرهابية قريباً باستخدام نفس هذه الأدوات لتأسيس "جامعة للجهاد على الإنترنت"، إذا لم تكن قد فعلت ذلك مسبقاً. وسوف تكون تلك بيئة تعلم تفاعلية على ما تدعى "الشبكة العميقة"، حيث يستطيع الإرهابيون المعلمون أن يلتقوا بتلاميذهم من إرهابيي المستوى الشعبي وتعليمهم من خلال خطوط التداول عبر مؤتمرات الفيديو عالية التشفير. وكان يمكن لذلك أن يُحدث فرقاً كبيراً في بعض الحالات السابقة، حيث عانى الجهاديون من المستوى الشعبي في صناعة القنابل. كما يمكن أن يجعل الإرهابيين المستقبليين أكثر استعداداً، وهجماتهم أفضل تخطيطاً بكثير -وأكثر فتكاً.
طريق المستقبل
هل يمكن استخدام الإنترنت في نهاية المطاف لشن هجمات فيزيائية؟ حتى الآن، ركز الجهاديون والآخرون الذين يمارسون "الإرهاب السيبراني" على اقتحام كلمات السر للحسابات على الإنترنت من أجل جمع المعلومات لقوائم الأهداف. وقد تسببت هذه الجهود بقدر كبير من الخوف، وإنما ليس الضرر أو الموت –من فئة ما يمكن أن أعرِّفه على أنه إرهاب سيبراني حقيقي. لكن هذا قادم على الطريق. ويقال إن الولايات المتحدة وإسرائيل تسببتا بضرر فعلي للبرنامج النووي الإيراني عن طريق استخدام البرمجيات الضارة مثل "ستوكسنيت". كما شنت روسيا هجمات سيبرانية ضد أهداف مادية، مثل شبكة الكهرباء الأوكرانية. ومع قيام القراصنة بعكس هندسة "ستوكسنيت"، وجعل أدوات القرصنة الأخرى لوكالة الأمن القومي متاحة من خلال مجموعات مثل "ويكيليكس"، لن يطول الوقت قبل أن يتمكن الجهاديون أو قراصنة الإرهاب الآخرين من التسبب بضرر عالمي حقيقي بمجرد الوصول إلى الإنترنت، ببساطة.
كما أن هناك أدوات تكنولوجية يمكن أن تُستخدم للمراقبة في مرحلة ما قبل العمليات ولأغراض الدعاية والهجوم، والتي أصبحت متاحة أيضاً. وبالنسبة للمجموعات الجهادية في العراق وسورية، تتمثل هذه الأدوات في الطائرات المسيرة التجارية الصغيرة والمتاحة. وقد عُرف الكثير عن التهديد الذي يشكله استخدام الطائرات من دون طيار في شن الهجمات، لكن الضربات بالطائرات المسيرة التي استخدمها "داعش" حتى الآن استخدمت ذخائر تقليدية معدلة، مثل قنابل 40 ميلليمترا أو المتفجرات العسكرية الموضوعة في ذخائر مصنوعة محلياً. وبالمثل، استخدم حزب الله الطائرات المسيرة في هجماته، لكنه اعتمد بشكل مشابه على الذخائر العسكرية التي توفرها له إيران. وبالتالي، حتى لم حاول المتشددون في أماكن أخرى استخدام الطائرات المسيرة، فسيكون من الصعب عليهم إعادة إنتاج هذه الهجمات وتكرارها خارج مناطق الحرب النشطة. إنهم ببساطة لا يمتلكون السلاح. وسوف يبقى استخدام مثل هذه الضربات بالطائرات المسيرة في البيئات المحلية محدوداً من حيث القدرة في الوقت الحالي.
بينما تتقدم التكنولوجيا، سوف يستمر الإرهابيون والقوى التي تكافح الإرهاب في استخدامها لمصلحتهم. وسوف يعتمد الأمر فقط على من هو الذي يلتقطها من على الطاولة أولاً.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What Drives Terrorism Part 4: Technology
*ستراتيجيك فوركاستينغ (بالإنجليزية Strategic Forecasting, Inc)؛ والمعروفة أكثر باسم ستراتفور (بالإنجليزية STRATFOR)، هو مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، يعد إحدى أهم المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، وهو يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسي، ويجسّد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الأميركية الحكومية. تطلق عليه الصحافة الأميركية اسم "وكالة المخابرات المركزية في الظل" أو الوجه المخصخص للسي آي إيه (بالإنجليزية The Private CIA). معظم خبراء مركز ستراتفور ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية.
*نائب رئيس وحدة التحليل التكتيكي في "ستراتفور". ويشرف سكوت ستيوارت على تحليلات المركز لقضايا الإرهاب والأمن. كان قبل انضمامه إلى ستراتفور عميلاً خاصاً لوزارة الخارجية لمدة 10 سنوات، وشارك في مئات التحقيقات عن الإرهاب

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات