عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Apr-2018

إقامة القضية لأحقية العودة الفلسطينية

 الغد-ريتشارد سلفرستاين - (تيكون عولام) 21/1/2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
لفيلم "الدكتور ستراينغلوف" عنوان فرعي: "كيف تعلمتُ التوقف عن القلق وحبَّ القنبلة". وثمة عنوان فرعي بديل، مقوِّض نوعاً ما، لهذه المقالة أيضاً، والذي يمكن أن يكون: "كيف على الإسرائيليين تعلُّم التوقف عن القلق وحب حق العودة".
نشرت "مجلة 279+" مقالاً للكاتب توم بيساح، والذي دافع فيه عن الاعتراف الكامل بحق الفلسطينيين في العودة. ومع أنني لا أجعل من ذلك المقال موضع التركيز الرئيس هنا، فإنني أعتنق موقفاً مشابهاً من حق العودة أنا نفسي.
بسبب الرفض شبه الكوني لحق العودة من جهة الإسرائيليين والناشطين المؤيدين لإسرائيل في كل أنحاء العالم، فإن هذا المفهوم يُقابل على نطاق عريض بالخوف وسوء الفهم والذم الخاطئ. ومن الجدير تناول هذه القضية بُغية تصحيح السجل والدفع ضد اتجاه إشاعة الخوف السائد.
في حين أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل اليهود الإسرائيليين يعارضون حق العودة الفلسطيني، فإن السبب الأساسي يتعلق بـ"الموت" المفترض للدولة اليهودية. وكان أحد المبادئ التأسيسية للصهيونية العمالية، والمنصوص عليه في "إعلان الاستقلال"، أن إسرائيل هي دولة يهودية وديمقراطية معاً. ولم يكن المقصود من هذين المفهومين (نظرياً على الأقل) أن يكونا كما هما اليوم، في حالة حرب مع بعضهما بعضا. وبدلاً من ذلك، كان القصد أن يكمل كل منهما الآخر. وكان أحد المبادئ الرئيسية لهذا الشكل من الصهيونية هو أن الطبيعة اليهودية والطبيعة الديمقراطية لدولة إسرائيل يمكن أن تتعايشا.
ربما كان تحقيق هذا التصور أكثر إمكانية في فترة أبكر، عندما كان يهود إسرائيل علمانيين إلى حد كبير، وكانت العلمانية جزءاً مهيمناً في الخطاب الاجتماعي. لكن ذلك لم يعد ممكناً الآن، حيث ثمة نوع انتقامي من اليهودية المتشددة (أفضل أن أسميه الاستيطانَوية أو اليهودانية، بينما أرفضه أيضاً كشكل تطبيعي من اليهودية)، هو الذي انتشر في داخل إسرائيل. وقد تبنَّت الدولة وقادتها السياسيون نوعاً من اليهودية السياسية، والتي هي أقرب كثيراً إلى ثيوقراطية منها إلى ديمقراطية.
الإسلام السياسي=اليهودية السياسية
من الجدير أن ألاحظ، في استطراد صغير، أنه تماماً كما يشجب المنظرون البارزون لكراهية الإسلام "الإسلام السياسي" وينكرون كون الإسلام ديناً بالمفهوم الغربي، فإن بالوسع الدفع بالأطروحة نفسها عن اليهودية كما تُمارس في إسرائيل اليوم. إن هذا الشكل الديني، كما يعتنقه المستوطنون وأنصارهم في كل أنحاء المجتمع الإسرائيلي هو عقيدة متشددة، عنيفة ومفرطة في القومية؛ في حين أن اليهودية التي تُمارَس في الشتات (باستثناء اليهود الأرثوذكس) تعرض تأكيداً أكثر بكثير على العالمية، والأخلاق النبوية والعدالة الاجتماعية. وقد جادلتُ في كثير من الأحيان بأن النسخة الأولى هي أقرب شبهاً بكثير بالعقائد ذاتها التي ندَّد بها الأنبياء الإسرائيليون التوراتيون وشجبوها؛ سوى أنه بدلاً من بعل والمعابد الوثنية والبغاء المقدس، تتميز العقيدة اليهودية بعبادة أصنام مثل "الحائط الغربي" وأسطورة قومية مختلقة بأن الله منح صكَّ ملكية إلهي للشعب اليهودي قبل 2.000 سنة.
بالعودة إلى موضوعنا، في حين أن إسرائيل هي أكثر قرباً بكثير إلى ثيوقراطية أو إثنوقراطية منها إلى ديمقراطية، يجب أن يصبح واضحاً أن ذلك الفهم المبكر لدولة يهودية وديمقراطية في وقت واحد قد أصبح مفلساً. والصهاينة الليبراليون الذين ينطوون على أوهام يحركها الحنين في هذا الشأن لا يلحقون ضرراً بليغاً بأنفسهم فحسب، وإنما بمستقبل إسرائيل أيضاً برفضهم رؤية الواقع الحالي بما هو عليه.
وهكذا، وبمجرد قبولنا بأن الديمقراطية -لمختلف المقاصد والغايات- لم تعد موجودة الآن (سوى في شكل مشذب كثيراً ولليهود فقط)، وبأن الهوية اليهودية للدولة أصبحت مسمومة هي أيضاً، فأي دولة يهودية هي هذه التي نحميها عندما نرفض حقَّ العودة الفلسطيني؟ هل أن مفهوم إسرائيل كدولة يهودية مقدس إلى هذا الحد حتى أننا نرفض رؤية نوع الدولة اليهودية الذي أصبحت عليه وندير وجوهنا عن هذه النسخة؟
إذا قيِّض لحق العودة الفلسطيني أن يتحقق، فإنني لا أزعم أن الدين لن يكون قوة مهمة في المجتمع الإسرائيلي الذي سينتج عن ذلك. فكل من اليهود الإسرائيليين، والفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، يمارسون أديانهم بتفانٍ كبير. ولا يستطيع أي مجتمع أن يتجاهل ذلك. كما لا يستطيع أي مجتمع أن يقمع مثل هذا التدين. ويجب احترام كل الأديان في هذا المجتمع المستقبلي -ولو أن أي دين لا ينبغي أن يغزو فضاء السياسة والحكم.
يعني ذلك أن إسرائيل، في حال تحقق حق العودة الفلسطيني واعتنقت إسرائيل مبدأ المساواة لكل مواطنيها بغض النظر عن الدين والعرق، سوف تفقد في نهاية المطاف أغلبيتها اليهودية. لكن الدولة الناجمة لن تفقد أو ترفض الهوية الدينية لمواطنيها اليهود. وبدلاً من ذلك، سوف تضيف الهوية الدينية لأعضائها الفلسطينيين إلى المزيج. وسوف يصنع ذلك دولة أكثر تنوعاً وغنى بدل أن تكون دولة فصل وتمييز.
الخوف من العودة مسألة سلطة، وليس مسألة دين
إن ما يعارضه اليهود الإسرائيليون حقاً بشأن عودة الفلسطينيين هو فقدانهم السلطة السياسية؛ فقدانهم الحقوق والمزايا التي تُحرم منها الأقلية الحالية غير اليهودية في إسرائيل إلى حد كبير. وتماماً مثلما رفض البيض في الجنوب الأميركي بعناد منح الحقوق المدنية لأقليتهم السوداء لأن ذلك عنى التخلي عن السلطة والتقاليد العزيزة، فإن اليهود الإسرائيليين يخشون الظاهرة نفسها. ولكن، تماماً كما لم يؤد التحول في المجتمع الأميركي الجنوبي في الخمسينيات والستينيات إلى تدمير الجنوب، وإنما جعله أكثر غنى في واقع الأمر، فكذلك سيعمل الاعتناق الكامل لحق العودة الفلسطيني والمساواة على تحويل إسرائيل إلى مجتمع مختلف، أفضل، وأغنى وأكثر تنوعاً.
إن العالَم يصبح أكثر كونية وعولمَة كل يوم. وتتقاطر الأعمال والتجارة إلى البلدان المستقرة، المتنوعة والمفتوحة على العالم الخارجي. وبذلك، فإن الدول التي تغلق أنفسها عن الخارج، تقمع مواطنيها أنفسهم وتعلن نفسها متجانسة، إنما تتحرك في الاتجاه الخاطئ وبعكس بقية العالم. وعلى الرغم من أن إسرائيل ربما لا تشعر بمثل هذه الآثار بعد، فإنها تقف على الجانب الخطأ من التاريخ ومن اتجاهات الاقتصاد العالمي.
كما يحتج المعارضون لحق العودة الفلسطيني أيضاً بأن الفيضان الناشئ من اللاجئين سوف يدمر الشخصية اليهودية لإسرائيل. وهم يتحدثون عن ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعودون ويغرِقون السكان الحاليين. وهذا الادعاء أيضاً مبالغ فيه إلى حد كبير. ويعتقد الديموغرافيون الذين يعملون على وضع خطط بديلة لمستقبل إسرائيل أن هناك نحو 6 إلى 7 ملايين فلسطيني هم لاجئو النكبة أو نسلهم المباشر. وسوف يعتمد عدد الذين سيختارون منهم العودة الفيزيائة إلى إسرائيل على حزمة التعويضات التي تعرضها إسرائيل والمصادر الغربية. ويقدر الخبراء أن ما بين 400 و600 ألف فلسطيني فقط سيعودون، في حين أن البقية سيقبلون بحزمة مالية جيدة في مقابل التخلي عن حقهم في العودة. ويشكل هذا العدد أقل من 10 % من أولئك الذين سيكونون مؤهلين للعودة. وبالنظر إلى سخاء الحزمة المالية التي يتم تقديمها للعائدين الذين يختارون عدم ممارسة حقهم في العودة إلى إسرائيل، وحقيقة أن جزءاً مهماً من هؤلاء اللاجئين استقروا بنجاح في بلدان ثالثة على مدى السبعين سنة الماضية، فإن هذا الرقم يبدو معقولاً جداً.
يشكل ما بين 400 و600 ألف عائد نحو 5 % من سكان إسرائيل الحاليين. وفي الثمانينيات والتسعينيات، استوعبت إسرائيل مليوناً من المهاجرين الإسرائيليين الفارين من الاتحاد السوفياتي. وفي ذلك الوقت، كان ذلك يشكل أكثر من 15 % من السكان. ومع أن من الصحيح أن اليهود السوفيات كانوا يتميزون بفرق رئيسي عن الفلسطينيين العائدين بكونهم يهوداً، فقد كانت هناك فجوات اجتماعية هائلة أيضاً بين المهاجرين الروس والسكان الإسرائيليين. كان الاتحاد السوفياتي مجتمعاً اشتراكياً استبدادياً غريباً تماماً عن توجه إسرائيل الذي يعتنق النمط الديمقراطي الغربي.
سوف يأتي العائدون الفلسطينيون من العشرات من البلدان. وسوف يأتي الكثيرون منهم من مخيمات اللاجئين التي دُفعوا إليها بسبب التشريد الإسرائيلي. لكن مئات الآلاف سيأتون على الأرجح من البلدان الغربية التي وجدوا فيها منازل أخرى بعد أن طُردوا من إسرائيل. وسوف يكون مدى التكيف الذي سيترتب على هؤلاء الأشخاص المرور به للعيش في المجتمع الإسرائيلي أصغر بكثير من ذلك الذي اختبره أي مهاجر سوفياتي على الإطلاق.
ينطوي الإسرائيليون على خوف من أن العائدين سيسعون إلى القضاء عليهم أو التمييز بحدة ضدهم. ومن المفارقات أنهم يخشون بالتحديد التعرض للمعاملة نفسها التي يعامل بها الآن الإسرائيليون الفلسطينيين. لكن الحقيقة هي أن الفلسطينيين الإسرائيليين لا ينطوون على نوع العدوانية العنيفة نفسه تجاه اليهود الإسرائيليين الذي يؤويه الأخيرون تجاه مواطنيهم الفلسطينيين. إنهم، على النقيض من ذلك، أعضاء موالون في المجتمع. وهم يتماهون مع الإسرائيليين (مع أن هناك بالكاد أي هوية وطنية إسرائيلية منفصلة عن الدين). ولو أنه تم اعتناقهم بالكامل في مجتمع يمنحهم حقوقاً متساوية، فإنهم سيخدمون بالتأكيد في الجيش، بينما يرفضون ذلك إلى حد كبير الآن (الدولة بشكل عام تفضل الأمور على هذا النحو) بالنظر إلى وضعهم كطبقة ثانية. وتشكل الخدمة العسكرية الآن معياراً كبيراً لمدى الاندماج الاجتماعي، وسوف يكون من المهم للمواطنين الفلسطينيين أن يتمتعوا بهذه المزايا أيضاً.
من اللافت أنه عندما يتم الترويج للمعجزة الإسرائيلية، فإن أنصار إسرائيل يقولون إن إسرائيل هي محرك اقتصادي. وهم يصفونها بأنها أمة صاعدة ورائدة. ويتفاخرون بالثروة التي يتم توليدها من صناعات إسرائيل التصديرية الرئيسية (في حين يتجاهلون التباين العريض في الثروة بين القطاعات الغنية والفقيرة من المجتمع الإسرائيلي).
مع ذلك، يتجاهل نفس هؤلاء المشتغلين بترويج إسرائيل وتعزيزها تلك الطفرة الاقتصادية التي يمكن أن تصاحب إعادة توطين نصف مليون من المهاجرين الآخرين. سوف تتدفق المليارات من المساعدات الدولية من الدول العربية والغربية على البلد استجابة لحل نهائي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وسوف يتم استثمار هذه الأموال في بناء مجتمعات جديدة للعائدين وبناء إسكان لهم في داخل المجتمعات القائمة. وسوف يتم إنشاء طرق ومستشفيات ومدارس ومصالح تجارية جديدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عشرات الآلاف من رجال الأعمال، والحِرفيين ورواد الأعمال بينهم سوف يجلبون معهم ثرواتهم الخاصة ليستثمروها في إنشاء مؤسسات جديدة. وسوف يخلق كل هذا النشاط الاقتصادي نمواً هائلاً سيفيد بدوره جميع الإسرائيليين، من اليهود وغير اليهود.
كانت النكبة؛ تشريد نحو مليون مواطن فلسطيني في إسرائيل (أو 80 % من سكانها في العام 1948) هي خطيئة إسرائيل الأساسية. وهي عار أخلاقي أساسي على الدولة. وينبغي التكفير عنها قبل أن يمكن تطبيع الدولة وقبولها بشكل كامل في المسرح العالمي. ويشكل تطبيق حق العودة الطريقة الوحيدة لفعل ذلك.
بدلاً من الخوف، يجب على الإسرائيليين أن يفكروا في رواية مختلفة أكثر تفاؤلاً كإمكانية للمستقبل. وربما لا يعرفون هذا الآن، لكنني أخشى أن هذا هو الطريق الوحيد المتاح لبقاء إسرائيل على المدى الطويل. وسوف يقودها مسارها الحالي إلى طريق مسدود.
قوس العدالة والتاريخ
لا يُقاس تاريخ هذه المنطقة (والشعب اليهودي) بالسنوات أو العقود -أو حتى بالقرون. وقد وُجد الإسرائيليون القدماء في هذه المنطقة منذ آلاف السنين. أما إذا كانوا سيستمرون في الوجود فيها الآن، فهو سؤال مفتوح. هل تتذكرون اليبوسيين، والعماليق والمؤابيين؟ ذهبوا، أبادهم أبناء إسرائيل في غزوهم لأرض إسرائيل.
وبالنسبة لما كُنا عليه، فقد كنا -حسب الرواية التوراتية- عبيداً في أرض مصر لأربعمائة عام قبل تحررنا. وكانت كيفيات وجودنا بعد ذلك مضطربة أيضاً. ثمة معبدٌ دُمر. ودُفع شعبنا إلى المنفى. وتم تدمير معبد ثان، ثم آخر قبل 2.000 سنة من إعلان دولة جديدة.
ليس لدينا أي ضمان للاستمرارية. إننا يمكن أن نذهب بسهولة، بالطريقة نفسها التي ضاعت بها عشرات القبائل قبلنا في مجاهل التاريخ. وسوف يعتمد ما إذا كنا سنعيش ألفية أخرى على كم يمكننا أن نكون مرنين وبراغماتيين كشعب. ولا تعدو فكرة أننا نستطيع أن نفرض نفسنا بقوة الإرادة أو السلاح على الجموع المتجمعة ضدنا كونها تهوراً على المدى الطويل. ومن الأفضل لنا أن نحصل على ما يكفي بدلاً من رغبة الحصول على كل شيء. وربما ينتهي المطاف بأولئك الذين يريدون كل شيء إلى لا شيء على الإطلاق.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Case for Palestinian Return
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات