عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Apr-2018

لماذا نحتاج إلى النساء في القوات المسلحة؟

 الغد-قرة العين فاطمة

 
لتمكين النساء من تحقيق كامل إمكاناتهن كأصول عسكرية، لا بد من معالجة التمييز المستمر وغير ذلك من التحديات المرتبطة على سبيل المثال بالتحرش الجنسي، والصحة، والتوازن بين العمل والحياة. فقد يكلف التحرش الجنسي المرأة سمعتها، بل وربما حياتها في بعض الأحيان. وفي عموم الأمر، يقوض الفصل بين الجنسين روح الجماعة التي تشكل أهمية بالغة للخدمة العسكرية.
*   *   *
إسلام أباد- حظي القرار الذي اتخذته المملكة العربية السعودية بالسماح للنساء بالخدمة في القوات المسلحة -كجزء من برنامجها للإصلاح الاقتصادي بعنوان رؤية 2030- بالإشادة على نطاق واسع كخطوة إلى الأمام على الطريق نحو تحقيق المساواة بين الجنسين في المملكة التي اشتهرت بغير ذلك. ولكن، بمجرد أن يبدأ تجنيد النساء، سوف تبدأ المعركة من أجل المساواة الحقيقية داخل المؤسسة العسكرية.
فإلى جانب القيود الواضحة المتوقعة -ربما يكون لزاماً على النساء الحصول على موافقة أولياء أمورهن من الذكور، وقد تقتصر مشاركتهن على أدوار غير قتالية- هناك الحاجة إلى تفكيك الأنظمة الأبوية الجامدة في المؤسسة العسكرية. وسوف تكون المهمة صعبة؛ حيث تتطلب التزاماً مستداماً من الحكومة، والتخطيط التنظيمي الفعّال، فضلاً عن قدر كبير من الجَلَد والصبر من قِبَل النساء المجندات.
وأنا أعلم هذا عِلم المجرب. ففي العام 2001، كنت واحدة من أولى النساء اللاتي انضممن إلى القوات الجوية الباكستانية. لكن الطريق لم يكن سهلاً.
وُلِدت لأب من أنصار المساواة بين الجنسين، وقد شجعني على أن أكون ما أريد أن أكون، وكنت أريد أن أصبح ضابطة في القوات الجوية الباكستانية. وأثناء طفولتي، كان ذلك الطموح يبدو مستحيلاً، إذ كان بوسع النساء أن يلتحقن بالقوات المسلحة فقط كطبيبات، وليس لأداء أدوار قتالية بكل تأكيد. لكن كل شيء تغير في العام 1999: فقد فَرَض الرئيس محمد رفيق تارار حصة للنساء في القوات الجوية الباكستانية. وكنت واحدة من ثماني نساء فقط اجتزن اختبار القبول لرتبة ضابط.
كان قبول النساء في القوات المسلحة تجربة قابلة للنجاح أو الفشل، ولم تتقبلها القوات الجوية الباكستانية إلا كارهة وعلى مضض. وكانت مجموعتنا الصغيرة من الطالبات في أكاديمية التدريب التابعة للقوات الجوية الباكستانية مطالبة بالحفاظ على حدود صارمة مع الرجال الذين سنخدم معهم.
قال لنا قائد الدورة التدريبية: "لا يمكننا أن نقبل بأي فضائح هنا. هؤلاء الرجال الشباب لم يروا النساء في الأكاديمية من قَبل قَط. وقد يستغرقون في مغازلتكن". وأضاف مؤكداً: "في مجتمعنا المحافظ، ربما يعني مجرد التلميح إلى فضيحة فشل التجربة، وإغلاق الباب في وجه نساء أخريات يأملن في الالتحاق بالخدمة. والآن تقع المسؤولية عن إنجاح هذا العمل على كاهلكن".
وتحملنا المسؤولية بكل جدية، ولا أعني فقط تجنب "الفضيحة". كنا نعلم أننا يجب أن نثبت قدرتنا على التعامل مع التدريب القاسي. وفي مستهل الأمر، قال الطلاب الذكور إننا لن نستمر أكثر من أسبوع. لكننا بقينا لمدة عام ونصف العام، وتخرجنا مع زملائنا من الذكور لنصبح ضابطات.
منذ ذلك الحين، قطعت القوات الجوية الباكستانية شوطاً طويلاً، حيث ارتفع عدد الضابطات من نحو عشر في العام 2001 إلى ما يقرب من 300 اليوم، وهن يعملن في فروع الدعم الأرضي، والهندسة، والطيران. كما فتح الجيش الباكستاني والبحرية الباكستانية الباب لتجنيد النساء. والآن، لم يعد الناس يحملقون عندما يرون امرأة باكستانية في زيها العسكري.
ساعدت المرافق المنفصلة، وهياكل الإجازات الأفضل، وجداول العمل المعدلة على جعل هذه الكتيبة المتنامية من النساء في القوات المسلحة الباكستانية تشعر بقدر أكبر من الارتياح. كما بدأت الثقافة بالتغير، حيث أصبح الرجال أقل ميلاً إلى التقليل من شأن نظرائهم من الإناث.
ومع ذلك، يظل التمييز قائماً. على سبيل المثال، كثيراً ما يتكرر تجاوز النساء لصالح الرجال في بعثات التدريب في الخارج، ويظل من غير الوارد أن يتقلدن مناصب قيادية. ولا يقتصر هذا الوضع على باكستان: فأغلب الدول التي لا تفرض قيوداً على التحاق النساء بالخدمة العسكرية في الخطوط الأمامية القتالية ما تزال تقع في أوروبا أو المجال الإنجليزي (باستثناء إريتريا، وإسرائيل، وكوريا الشمالية).
من المؤكد أن القوات المسلحة في مختلف أنحاء العالَم أصبحت مفتوحة تدريجياً للنساء. لكن الأعداد تظل منخفضة نسبياً. ففي الولايات المتحدة، تتكون نسبة 15 % من الأفراد العسكريين من الإناث. وفي المملكة المتحدة، تنخفض النسبة إلى 10%. وفي الهند تشكل النساء 5 % فقط من الأفراد العسكرين، و4 % فقط في أفغانستان.
وربما يصبح تعزيز مشاركة النساء أكثر أهمية عندما تتغير طبيعة المهام العسكرية في العديد من المناطق. وفي الفترات الأخيرة، تخوض العديد من الدول حروباً غير متكافئة على نحو متزايد ضد جماعات إرهابية. وهذا يتطلب قدراً أقل من القتال المباشر وقدراً أعظم من جهود حفظ السلام، من خلال عمليات اتخاذ القرار الاستراتيجية، وجمع المعلومات الاستخباراتية. وأغلب السكان المعرضين للخطر في مناطق الصراع هم من النساء والأطفال.
على هذه الخلفية، تصبح مشاركة النساء أكثر قيمة. فالنساء يقدمن منظورات لا تعرفها عادة المنظمات الخاضعة لهيمنة الذكور. وعلاوة على ذلك، وكما أوضحت اللواء كريستين لوند، وهي أول امرأة على الإطلاق تتولى قيادة العمليات الميدانية للأمم المتحدة، فإن الوصول إلى السكان المحليين يشكل أهمية بالغة لدعم عمليات حفظ السلام، والنساء قادرات على الوصول إلى 100 % من السكان مقارنة بنحو 50 % فقط للرجال -وهي ميزة لا تقدر بثمن، ولنقل عندما يتعلق الأمر بجمع المعلومات الاستخباراتية.
لتمكين النساء من تحقيق كامل إمكاناتهن كأصول عسكرية، لا بد من معالجة التمييز المستمر وغير ذلك من التحديات المرتبطة على سبيل المثال بالتحرش الجنسي، والصحة، والتوازن بين العمل والحياة. فقد يكلف التحرش الجنسي المرأة سمعتها، بل وربما حياتها في بعض الأحيان. وفي عموم الأمر، يقوض الفصل بين الجنسين روح الجماعة التي تشكل أهمية بالغة للخدمة العسكرية.
سوف تكون معالجة هذه القضايا مهمة صعبة بشكل خاص في المملكة العربية السعودية، حيث المجتمع الأبوي شديد المحافظة المبني فعلياً حول إقصاء النساء. ولكن هناك خطوات يمكن، بل يجب، اتخاذها للمساعدة في إحداث التغيير المطلوب.
بادئ ذي بدء، يتعين على الحكومات أن تجري تغييرات كبيرة، والكثير منها نفذتها القوات الجوية الباكستانية في نهاية المطاف. وربما تشمل هذه الخطوات استئجار النساء من مؤسسات عسكرية أجنبية لتدريب المجندات الجديدات، والسماح للنساء والذكور بالتفاعل، وتنفيذ تدابير الحماية لتشجيع الإبلاغ عن التحرش الجنسي، وتعديل الهياكل الأبوية للسماح بساعات عمل مرنة، ونشر النساء استراتيجياً، وخاصة في مهام حفظ السلام.
إن السماح للنساء بالالتحاق بالقوات المسلحة السعودية هو خطوة كبرى إلى الأمام -خطوة أسهمت فيها المرأة بشكل كبير. ولكن، بوصفي امرأة سلكت هذا المسار قبل أقل من عشرين عاماً في باكستان، فإنني أعرف أن الطريق ما يزال صعباً وطويلاً.
 
*ممارسة للسياسة تعمل على نطاق واسع في المناطق الريفية والمناطق التي تعاني من الصراعات في باكستان، وتركز على التنمية الشاملة وحفظ السلام. وهي زميلة "آسبن نيو فويسز" للعام 2018.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات