عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Sep-2017

الفلسفة والمجاز في «عشيق المترجم» للسوري جان دوست

 القدس العربي-نسرين بلوط

 
وأنت تقرأ في رواية «عشيق المترجم» للروائي جان دوست، وعلى الرغم من السرد المنساب في المفاصل المهمة فيها، تدرك أنّك تحتاج لقدرٍ كبير من الاستيعاب الباطني حتى تنجرف في تيار الحدث. الحبكة الميتافيزيقية مهندسة بشكل متقن، ولكن صعوبة اللغة وبلاغتها تحول بينها وبين الإدراك السريع، الذي عادة ما يعتبر جسراً مهمّا بين القارئ والكاتب.
تدور الرواية حول مترجم عجوز، يدعم محمد عشيق الدين، يستعين بمساعده الخاص «يونس»، حتى ينقل له ما رسب في ذاكرته من حمم متقدة من الأحداث التي مرّ بها في صباه، في سبعة فصول، بدءاً من عشقه المجنون للبائعة «آستر»، إلى لقاءاتهما المحمومة، والسفر المباغت الذي يفرضه عليه والده التاجر الميسور إلى روما حتى يحقق له حلمه في أن يصبح مترجماً. وفي رحلة تنقسم إلى سبعة فصول، يبحر محمد عشيق، وكان ذلك في القرن الألف ومئة وستة وسبعين، وكان قاصداً روما وقد روعه فراق حبيبته ووطنه، ويندمج في قصص نموذجية من البشر، منهم من اكتوى بالعشق، ومنهم من ذاق الفاقة واليتم، ومنهم من انطوى على سر دفين لا يُطلِع عليه أحدا.
يتوغل الكاتب في وصف مزاجية المترجم، وهو يملي ذكرياته، ويطرق مليّاً إلى المحسوسات الموجودة في الخارج، فيصنف الثلج كضيف خفيف يلوّن الدنيا بوشاحه الأبيض، ويترك أثره في الأشجار وفي الأدغال، وعلى سقوف البيوت، بدون أن يقحم نفسه في عظيم الأثر. وكأنه يريد أن يجعل من بطل روايته فيلسوفاً عركته الحياة فنطق حكماً. كما يفصّل لنا أدق الأشياء المتعلقة به، سواء في الأكل والشراب، ويتوغل في تأملاته الملية في آخر سنين عمره، وقد شاخ وهو يتنقل من مدينة إلى أخرى، يترجم بلسانه ويتكلم بقلبه. 
في البداية ، يقف عند قصة حبه لأستر، وكيف اضطرته الظروف لأن يتركها ويسافر من غير كلمة وداع، بدون أن يغفل من أن يذكر لذة تلك اللقاءات السرية التي كان يجتمع معها فيها، وكأنها محراب عشقه الأبدي، ثم يبدأ في ترتيب رحلة مغادرته نحو روما، وحديثه مع الحوذي الذي أقله، وفلسفة الحوذي في الحب الذي أرهقه وأحاله إلى مجنون، ثم إلى رجل صامت. وبعدها، يبحر على متن سفينة متّجهة إلى روما وقد أحرق قلبه ظمأ الشوق لوطنه وأهله وحبيبته أستر. ثم يطالعه البحر بأسراره العميقة الخطرة، فيكاد يغرق في عاصفة عاتية، ثم ينجو منها بأعجوبة حتى يصل إلى برّ السلام في روما.
الحكاية تحتاج للمزيد من الترغيب في سياق الأحداث، وربما هي رواية فلسفية تجاور فكر الكاتب، الذي سبق أن كتب الروايات التي تتقد بالحكم والمنطق، ولكنه غفل عن مبدأ الرواية الأساسي، وهو التبسيط في الولوج إلى عالم القارئ البسيط، من لغة أو اختصار في تحديد الزمان والمكان وكذلك الأبطال. يمكننا أن نصنّف رواية «عشيق المترجم» إلى سرداب مظلم أناره الكاتب بقنديل الفلسفة، ولكنه لم يجعل رحــــلة محمد عشيق كرحلة ابن بطوطة حافلة بالأحداث الصاخبة، بل آثر أن يتكئ على ذراع المنطق ويتنوّع في اختياره لنوع من الفلسفة اللامحكية. وللرواية جزء ثان ويبدو أنها تكملة لما مرّ على الراوي من أحداث وأنباء.
يحن الكاتب للعشق المجنون الذي أسره في صباه واستحوذ عليه عقله. وحدها اللغة تبقى عائقاً بين المصدر والمتلقي، حيث يستطيع قلة من الناس أن يسبروا أغوارها وبقيت حاجزاً بين الإبداع المفرط، والخط الذي تسير في الرواية. أرهقتنا صفحات هذه الرواية ولكنه كان قلقاً إيجابيّاً خاصة مع الفتى يونس الذي رافق بطل الرواية في كلّ هوامش الذكريات وحتى النهاية.
والحذق الحقيقي الذي طغى على الرواية هو تكاثف التعابير المجازية التي تشعر القارئ بأنّ كل شيء في الكون يتحرك كما الإنسان، روحاً ولساناً وفكراً.
شاعرة لبنانية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات