عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2018

التعليم في العصر الرقمي

 الغد-كويتشي هامادا

طوكيو- تتميز الثورة الصناعية الرابعة عن سابقاتها بجانب مهم ودقيق، هو أن التكنولوجيا أضحت تحل محل البشر في أماكن العمل، بدلاً من تيسيرها ما يحيط بهم ليستخدموه لمصلحتهم بصورة أكثر فعالية. والسؤال الذي يطرح نفسه: من سيستفيد الآن؟
قد تسهم الخدمات الآلية أو الخدمات المدعمة بالتكنولوجيا في زيادة هوامش الأرباح للشركات، لكونها تقدم للمستخدمين خيارات أرخص وأكثر ملاءمة وجدارة واعتمادية من تلك الخدمات التي يستأثر العنصر البشري بإنتاجها. لكن هذا يأتي بطبيعة الحال بتكلفة عالية على حساب البشر الذين كانوا يقومون بتلك الأدوار سابقاً.
تبنى الناس في أنحاء العالم نظام تقاسم وسائل النقل وخدمات النقل الحديثة الأخرى مثل "أوبر"، مما أضر بسائقي سيارات الأجرة التقليديين. وعندما تصبح السيارات من دون سائق، المدعمة بالذكاء الاصطناعي، وسيلة اقتصادية التكلفة ويمكن التعويل عليها، سيهجر الناس أوبر وسائقي سيارات الأجرة على السواء.
في مجال تداول الأوراق المالية، نجد أن برامج الكمبيوتر تؤدي 79 % من معاملات أسواق المال الآن، وفقاً لفرانك تشانغ، الأستاذ بكلية ييل للإدارة، مما يعكس الأمل في أن تصير الآلات قادرة على تحديد النماذج بصورة أكثر فعالية من البشر -وهو أمل ربما أسهم في التصحيح الذي شهدته سواق أوراق المال مؤخرا. لكن على أي حال، لا يبشر هذا بخير للمتعاملين في الأوراق المالية من البشر.
وقد استطعت أنا شخصياً توفير تكاليف الترجمة منذ إدراكي أن خدمة "غوغل ترانسليت"، أو ترجمة غوغل الآلية، قادرة على تأدية الغرض بشكل مقبول مع شيء من تحرير النصوص وتعديلها، على الرغم من أن هذا يعني فقدان طلاب الدراسات العليا، الذين اعتدت الاستعانة بهم، للدخل الذي كانوا يحصلون عليه لقاء هذه المهمة. وقد يستهزئ المترجمون الفوريون، الذين يمارسون مهنة عالية الأجر، بفكرة تهديد الآلات لوظائفهم في أي وقت في المستقبل القريب، لكن نجاح التعلم الآلي في لعب استراتيجية شديدة التعقيد مثل "جو" يوحي بأن قدرة الآلات على التعلم لا ينبغي الاستهانة بها أو التقليل من شأنها.
أقول باختصار إن الثورة التي يقودها الذكاء الاصطناعي سيتمخض عنها فائزون وخاسرون. ولكي تكون من الفائزين، لا يكفي أن تتحاشى خطر استبدالك بالتقنيات الحديثة، وإنما عليك الاستفادة أيضاً من الفرص الجديدة التي تقدمها هذه التقنيات. وقد يعني هذا الأمر الاستثمار في أحدث مجالات الأعمال مثل أوبر، كما فعل رجل الصناعة الياباني من أصل كوري ماسايوشي سون، أو ربما يعني اكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لضمان وظيفة تستثمر وتستغل هذا الاقتصاد الجديد.
ولا تقتصر فائدة مثل هذه الاستجابات الفعالة على الأفراد فحسب، بل هي جيدة أيضاً للاقتصادات ككل. وفي اليابان مثلاً، تشكل تنمية رأس المال البشري أمراً أساسياً لدعم النمو في ظل تقدم أعمار السكان وانكماشهم. وتبدأ هذه العملية منذ وقت مبكر: كما أوضح عالم الاقتصاد الفائز بجائزة نوبل جيمس هكمان، فإن تعليم الصغار له أثر كبير على الإنتاجية. ولهذا أعلن رئيس الوزراء شينزو آبي أن نصف العوائد الإضافية من الزيادة الكبيرة في ضريبة الاستهلاك، التي ستدخل حيز التنفيذ في العام 2019، سوف تُستثمر في التعليم قبل المدرسي.
ولكي نعطي الشباب الأدوات التي يحتاجونها للتفوق في اقتصاد رقمي متغير، يجب أن يركز مثل هذا الاستثمار على تحسين جودة التعليم. وقد يعني هذا تعديل المناهج بتقليل تركيزها على التعليم القائم على الاستظهار، أو الحساب بطريقة مباشرة، وزيادة التركيز على مهارات مثل التفكير الناقد، ومهارات التواصل والقيادة.
ويشبه التعليم في اليابان اليوم -وربما أيضا في كوريا الجنوبية- لعبة "جيوباردي": بمعنى أن الفوز يكون حليف من يعرف حقائق أكثر. ويمثل ما يعرف بـ"الانحراف القياسي" أشهر وسيلة لتصنيف الطلاب، وهي طريقة تعكس مدى بُعد الدرجات التي يحصل عليها أي طالب عادي بمؤسسة تعليمية معينة في امتحان يركز على معادلات وحقائق تعتمد على الاستظهار من المتوسط الإحصائي.
يتم قبول الطلاب الذين يحرزون نتائج إيجابية أعلى وفقاً لمعيار الانحراف القياسي في مدارس ثانوية وكليات أكثر صرامة، وهناك يجدون في الغالب تشجيعاً على دراسة الطب لمجرد أن امتحان القبول صعب، حتى لو لم يكونوا مهتمين بامتهان الطب، أو يتنافس هؤلاء الطلاب لكي يصبحوا موظفين حكوميين بيروقراطيين في الوزارات الأكثر نفوذا مثل المالية، والاقتصاد، أو الشؤون الخارجية، أو يحاولون سلوك المسار السريع إلى قمة شركات الصفوة مثل تويوتا أو سوني.
وبالتالي تحدد درجات الانحراف المعياري المسارات المهنية بأكملها للأشخاص. ولأن المجاميع العالية تعني حياة رغدة حتى التقاعد، يشعر الطلاب اليابانيون بأنهم تحت وطأة ضغط لاستظهار المعلومات من سن مبكرة، بل ويصل الحال بالآباء إلى الانتقال إلى منطقة تكون رياض الأطفال فيها مرتبطة بجامعة ذائعة الصيت.
لم يكن منشأ هذا النظام في اليابان، بل هو على العكس تطور طبيعي لنظام تقييم وترقية الموظفين البيروقراطيين الصينيين، والذي ساد حتى أوائل القرن العشرين. ورغم كونه شكلا من أشكال الاستحقاقية أو الحكم على أساس المقدرة والعطاء الفردي، وبالتالي هو أسمى من المحسوبية، إلا أنه لا يأخذ في الاعتبار حقيقة أن امتلاك القدرة على التعلم القائم على الاستظهار لا يعني بالضرورة وجود ملكات كالابتكار والإبداع.
وحتى لو كان يعني وجود مثل هذه الملكات، فقد لا نكتشفها، لأن استظهار معلومات كافية لضمان درجات عالية في التقييمات لا يدع وقتا لتعلم التفكير إلا قليلا -كالتفكير لتطوير مهارات أو تعزيز ملكات قد يكون لها إسهام حقيقي ينفع المجتمع والدولة. في الحقيقة، إن نظاما يقوم على طريقة الانحراف القياسي كوسيلة للتقييم يثبط بصورة مؤثرة همم هؤلاء الذين يمتلكون مواهب قيمة عن تطويرها إلى مهارات مفيدة. لكن هذه المواهب والملكات أضحت أكثر قيمة من أي وقت مضى في ظل عصر الذكاء الاصطناعي.
في مرحلة ما، ستشكل الثورة الصناعية الرابعة اختباراً كبيراً لنظام التعليم الياباني الذي يرتكز على سرد الحقائق وأداء العمليات الحسابية القائمة على المعادلات -وهذه تحديداً هي المنطقة التي لا يستطيع فيها الإنسان منافسة الآلات الذكية. لكن مع كل التطورات التكنولوجية التي أُحرزت، يبقى الإبداع والابتكار البشري لا نظير لهما، وينبغي لنا أن نحقق الاستفادة القصوى منهما، وأن نمنح صغارنا الفرصة لاستغلال ما لديهم من ملكات فطرية بأكثر الطرق فعالية وتأثيراً.
 
*أستاذ فخري بجامعة ييل ومستشار خاص لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات