عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Apr-2018

الواقعية الأسطورية في رواية « شمس بيضاء باردة « لكفى الزعبي

 الدستور-مهدي نصير

رواية كفى الزعبي التي تم منع تداولها في الأردن « شمس بيضاء باردة « ثمَّ تم السماح بتداولها لاحقاً هي روايةٌ جديدةٌ بقراءتها للواقع في عين الأسطورة، حيث تقرأ الرواية كيف انمسخت الأسطورة في تمثلها وحضورها التاريخي، كيف انمسخ جلجامش بصورة والد راعي - بطل الرواية -، وكيف انمسخت البغي المقدسة التي دجَّنت انكيدو لتصبح عائشة المتخلفة عقلياً وعاطفياً، وكيف انمسخ راعي ليصبح تابعاً وبديلاً ساذجاً لأنكيدو الحقيقي، وكيف انمسخت عشتار عبر شخصية زوجة أحمد، وكيف اصبحت ساقية الآلهة في رحلة جلجامش مجرد نادلةٍ بائسةٍ في بارٍ عمانيٍّ بائس.
هذه الرواية هي رواية انمساخ الأسطورة العليا وانهيارها وتحولها لنماذج بشريةٍ تائهةٍ ضائعةٍ وغير قادرة على الفعل وتنتهي شخصياتها الرئيسية : أحمد إلى الانتحار وراعي لمصحٍّ عقلي.
تستحق هذه الرواية العالية أن تُقرأ وتُناقش ويُعقد لها حلقاتٌ نقاشيةٌ تقرأ المناخات الواقعية البائسة للإنسان والمثقف العربي غير القادر على الحضور والتفاعل مع واقعه والتأثير فيه وغير القادر على التماهي مع قيمه الأسطورية الجمعية العالية وارتداده وخيانته لهذه القيم العليا.
هذه الرواية هي الرواية السادسة لكفى الزعبي والتي تأخذنا بها كفى الزعبي بثقافتها العالية ووعيها المتمرد وتعمل عبر صفحات روايتها ال 320 صفحة على بناء شخصيتها الرئيسة « راعي « وصديقه أحمد بصيغتهما الأنكيدوية، وعائشة البلهاء وزوجة أحمد بصيغتها العشتارية أو بصيغة بغي أنكيدو، ووالد راعي ووالدة أحمد بصيغتهما الجلجامشية الضبابية المشوَّهة.
 توهمنا الرواية أنها تعيد قراءة جلجامش المعاصر عبر تغييب جلجامش أو مسخه أحياناً أو عبر التوهم بموت جلجامش وبقاء أنكيدو وحيداً « راعي وأحمد « – في قلبٍ لسردية الأسطورة - دون القدرة على التأقلم أو الفعل دون حضور جلجامش الذي يتم استبداله كبديلٍ سيكولوجي من الشخصيتين الرئيسيتين راعي وأحمد بعشتار « زوجة أحمد « وعدوة جلجامش في الملحمة ؟، هذا التفكيك للأسطورة وتبيئتها عبر شخصياتٍ واقعيةٍ مأزومةٍ وبائسةٍ ومحاولة إعادة بناء الأسطورة من جديد عبر التقاط ركام الأسطورة التاريخي ومزجها من جديد بعيداً عن نسق الملحمة الذي نعرفه كان واحداً من تقنيات هذه الرواية الجديدة في استخدام هذه التقنية التي تعمل على قراءة تحولات الأسطورة التاريخي في الشخصيات الواقعية الحضور.
تبقى كفى الزعبي تراوغنا في تفكيكها للأسطورة ثم بناءها مرحلياً ثم إعادة تفكيكها وهكذا تسير الرواية تفكيك وإعادة بناء ثم تفكيك وإعادة بناء في متتاليةٍ مؤلمةٍ وقاسيةٍ لا تنتهي وكأنها كانت تبحث عن صيغةٍ تُعيد جلجامش وانكيدو بعنفوانهما لا بانهزامهما المعاصر...
وللخروج من هذه الحلقة المفرغة من التفكيك وإعادة البناء العبثي تقودنا كفى الزعبي بثقةٍ وقدرةٍ عاليةٍ على كسر تابوهات أسطورة جلجامش وتجعل من « راعي « شخصيةً أسطوريةً كانت تبيع مناديل الورق على الإشارات الضوئية في بابل وأنه كان « بديل انكيدو « الذي رافق جلجامش في رحلة الخلود وهو الذي سرق « عشبة الخلود « ليخلِّد هذا البؤس الناجم عن عدم القدرة على التماهي مع شخصية أنكيدو الحقيقية والإحساس بالنقص أمامها والخيانة لها، وربما كان هذا الاحساس بالنقص هو محرِّكَ الرواية وخالقَ بؤس ومأساة راعي الذي انتهى بمصحةٍ عقليةٍ مجنوناً.
هذه الرواية العالية تُقرأ بمستويين من القراءة، فهي أوَّلاً روايةٌ واقعيةٌ بشخصياتها التي تعكس واقع الشخصية الشرق أردنية القادمة من الريف إلى عمان أو الزرقاء – راعي نموذجاً -، والشخصية الأردنية القادمة من النزوح الفلسطيني – أحمد وزوجته نموذجاً -، وتقرأ البؤس الاجتماعي والإقتصادي والنبذ الذي تُعاني منه هذه الشخصيات وعدم قدرتها على التكيف والاندماج في واقعٍ مشوَّهٍ متعصِّبٍ ومغلقٍ وعدوانيٍّ تجاه الاختلاف، وترصد الرواية أيضاً جذور التخلف والتسلُّط الأسري الذي يدفع هذه الشخصيات للتمرد الفاشل والناقص وغير القادر على تقديم نموذجه والدفاع عنه مما يسوقها لنهايات مأساويةٍ تؤشِّر لأزمة الإنسان العربي المعاصر الفاقد لنماذجه الأسطورية العليا القادرة على الفعل الإبداعي في اجتراح حلولٍ وجوديةٍ لأزمات هذا الإنسان الذي يتحرك بتسارعٍ مجنونٍ نحو الانهيار.
عبر مسار الرواية وعند مفاصل كثيرة يتداخل سرد الواقع التاريخي اليومي بتناصاتٍ ذاتِ دلالةٍ مع أسطورة جلجامش مما يؤشِّر لقصدية الرواية لقراءة انزياح الأسطورة وعدم قدرتها على الحضور التاريخي وذلك لضعف الإنسان العربي المعاصر غير القادر على حمل روح هذه الشخصيات الأسطورية وتمثلها ابداعياً.
نقرأ هذا المقطع الذي يتداخل فيه السرد بين مستويي القراءة الواقعية والأسطورية وعلى لسان راعي : « أغير ملابسي بسرعةٍ كي أذهب إليها، غير أنني أتوقف فجأة.
إن جسدي الذي يسير معك، ويشاركك الخوف والألم قد « التهمه العثُّ كثوبٍ عتيق «، شرع أحمد يقول لي وأنا ألجُ إلى مكانه الفارغ الذي خلَّفه، والذي أخذت تصفِّرُ في خوائه رياح اليأس، وأشباح العذابات. لا تزال هذه العذابات تُدميني، ويستبدُّ بي الخوف. كيف أهرب منه وقد استفاق في لحظةٍ من موته بحضورها وراح يطاردني « ص 278.
بعد هذه المقدمة لمناخ الرواية الواقعي الأسطوري لا بدَّ من الإشارة لبعض الملاحظات التفصيلية التي تؤشِّر للتحليل الذي تبنته هذه القراءة وكما يلي، الرواية في بنائها العام روايةٌ واقعيةٌ ووجوديةٌ في حركتها العامة – فالهمُّ العام عند راعي تحديداً هو همٌّ وجوديٌّ يضيق بلا جدوى وعبثية هذا العالم، لذلك تنبثُّ في الرواية مقولات نيتشة وفوكو وانكيدو وجلجامش وتموز وابراهيم وبروميثيوس وأوديب وأدونيس وبودلير وبوكوفسكي ودستوفسكي وتيسير سبول وغيرهم، هناك نقدٌ دينيٌّ عميق يتبعه نقدٌ للناس البسطاء وإيمانهم الذي يقتلهم، وفي الرواية هناك قراءةٌ سيكولوجيةٌ معاصرةٌ لقصة فداء اسماعيل بكبشٍ عظيم، والمفارقة أن هذه القراءة يكتبها أحمد وليس راعي، أحمد الذي قتلته عشتار بانتحاره يوم عيد الأضحى كبديلٍ لكبش العيد في قلبٍ مقصودٍ لقصة الفداء التراثية، وراعي الذي هرب منها ودخل في الجنون، أحمد الذي يقابل انكيدو وزوجته التي تقابل عشتار وراعي الذي يقابل صورةً مؤقتةً من جلجامش سرعان ما تتغير لنقرأ أن أحمد وراعي كليهما كانا صورةً مزيفةً ومشوهةً لأنكيدو، جثة العجوز والغرفة التي بلا نافذة، التي شكَّلت سكن راعي في عمَّان والتي تتكرر عبر صفحات الرواية كلازمةٍ ليليةٍ كلما عاد راعي للنوم في هذه الغرفة، إنها الكناية عن الوجود المغلق والتاريخ الذي يتعفَّن فيه، نهاية الرواية بجنون راعي وادعائه بسرقة عشبة الخلود صورةٌ شعريةٌ لخلود الخواء والعبث واللاجدوى، عملت الرواية باحترافٍ عالٍ على نسج الخيوط التي تربط بين الواقع التاريخي المعاش وبين ملحمة جلجامش دون الإخلال بواقعية أحداث الرواية وواقعية شخصياتها، وبذلك تكون هذه الرواية أول رواية عربية تعيد قراءة انهيارات وتحولات جلجامش وانكيدو وعشتار والثور المقدس والفداء بثوبٍ واقعيٍّ أسطوريٍّ عميق، هذه الرواية عملٌ جميلٌ وواعٍ وناقدٌ بعمق عبر استدعائها منظومة الثقافة المرجعية في ثقافتنا من جلجامش وتموز وابراهيم والديانات والشعر ونقد هذه المنظومة نقداً تاريخياً وثقافياً وفلسفياً، علاقة راعي بأبيه ومحاولة قتله والتخلص منه يمكن استيعابها ببساطة : محاولة الحياة قتل الماضي المتخلف الذي يعيد إنتاج ذبائح أناه المرعبة، أحمد وانهزامه وانتحاره يمكن استيعابها عبر تحولات وانمساخ شخصية انكيدو الأسطورية - التي تمثِّل التاريخ والناس البسطاء - وعدم قدرة الواقع المعاصر على توليدها، شخصية زوجة أحمد – عشتار – وموقف راعي الباحث عن صك براءة من دم أحمد، نقرأ هنا صورةً من صور عذابات جلجامش عند موت أنكيدو، حيث يتأرجح راعي بين الموقف الذي اتخذه جلجامش في الملحمة بازدرائه لعشتار وبين عشقه لهذه الأيقونة الخالدة، الذي يسوقه في النهاية لعدم القدرة على التصالح وعدم القدرة أيضاً أن يكون نداً لعشتار الواقعية وهنا تمتزج صورة راعي بصورةٍ مشوهةٍ لجلجامش المهزوم مع صورةٍ معاصرةٍ لأنكيدو القتيل، نهاية الرواية كانت نهايةً مؤلمةً وعبثيةً وتؤكد لاجدوى الأشياء وجنونها \ مع أن جلجامش بعد فشله وسرقة عشبة الخلود منه عاد لأوروك وأقام الليالي المِلاح، وهنا نقرأ انزياحاً واقعياً آخر في قراءة الرواية للعلاقة الملتبسة بين الواقع والأسطورة، العلاقة الفلسفية بين الوعي والبؤس من جهة وبين الغريزية والسعادة من جهةٍ أخرى كان سؤالاً حاضراً وقاسياً في الرواية وفي أذهان أحمد وراعي كشخصيتين قلقتين من شخصيات الرواية، نقرأ على لسان راعي هذا القلق القاتل والذي يسوق باتجاه البحث عن السعادة البهيمية الغرائزية في مقابل الوعي الشقي : « ويجول في بالي خاطرٌ مرٌّ : تُرى لو أنني لم أقرأ كتباً، ولم أختلف عن أبي، وبنيت في جوار بيته، بيتاً صغيراً وتزوجتُ فيه..؟ أجل، أجل ! لو أني تزوجتُ فيه من عائشة، فلم تمت لا هي ولا الجنين الذي زرعتُه فيها، لو تزوجتُ منها وانسجمتُ مع ذلك الحيوان الذي في داخلي، تُرى هل كان ثمة فارق ؟ لعلي كنتُ الآن سعيداً ! لا أدري ما جدوى عذاباتي الآن بعد أن رفضتُ ذلك كله ؟.. « ص 298 هذه ملاحظات أولية حول الرواية والتي استمتعت بقراءةِ واقعيتها الأسطورية بمستوييها الواقعي والأسطوري وامتزاجهما وافتراقهما في جدليةٍ شعريةٍ وسرديةٍ إنسانيةٍ عالية.
أخيراً هذه القراءة قراءةٌ من قراءاتٍ عديدةٍ ممكنةٍ لهذه الرواية الثرية والغزيرة والناضجة، وستعمل القراءات الأخرى على إضاءة جوانب ربما لم توفق هذه القراءة بالدخول إلى بعض مناخاتها الفكرية العالية والمؤلمة والعميقة، وربما فاتتني ملاحظاتٌ أخرى من تزاحم الأفكار التي تحملها وتطرحها هذه الرواية الجديدة في الرواية الأردنية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات