عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Apr-2018

الروايـــة واللغـة العاميـة

 الدستور-د. محمد عبدالله القواسمة

من المعروف أن الرواية فن لغوي يقوم على السرد والوصف والحوار. وقد درج الروائيون على استخدام اللغة العربية الفصحى في السرد والوصف. لكن بعضهم جنح إلى استخدام اللغة العامية في الحوار، وحجتهم في ذلك أنها أصدق وأكثر واقعية من اللغة الفصحى في بناء الرواية بوصفها الفن الذي يجمع بين التخييل والواقع. وقد انقسم هؤلاء في استخدام العامية؛ فمنهم من اقتصر على استخدامها، ومنهم من زاوج بينها وبين الفصحى، وآخرون اكتفوا باستخدام اللغة العامية في مواضع قليلة من الحوار في رواياتهم.
هكذا تفاوت الروائيون في مواقفهم؛ فمنهم من رفض استخدام العامية في الحوار، مثل: طه حسين في رواياته كلها، وعباس العقاد في روايته الوحيدة «سارة»، ويحيى حقي في روايته «صح النوم»، ومحمد عبد الحليم عبدالله، ونجيب محفوظ في مجمل أعمالهما. ومنهم من استخدمها في الحوار، مثل توفيق الحكيم في «عودة الروح»، و»يوميات نائب في الأرياف»، وعبد الرحمن الشرقاوي في «الأرض»، وغالب هلسا في رواياته السبع، ويوسف السباعي كتب بعض حوار رواياته بالعامية، مثل: أرض النفاق، والسقا مات.. 
لا شك أن استخدام أي من اللغتين الفصحى أو العامية في الحوار الروائي يؤثر ليس في بنية الرواية الفكرية والفنية فقط بل أيضًا في نشرها وتوزيعها وإقبال القراء عليها. ولكن أي اللغتين أفضل لتكون لغة الحوار الروائي؟   
إن استخدام اللغة العربية الفصحى في الرواية يعزز من وجود هذه اللغة التي تحمل هوية الإنسان العربي، وتحافظ على تراثه وثقافته، وتساهم في تعزيز الوحدة بين أبناء العروبة، وتُبقي على الأواصر الثقافية والقومية بينهم بعد أن تخلت السياسة عن دورها في ذلك. كما أن الروائي يستطيع بوساطتها الوصول إلى القراء من مختلف الأقطار العربية؛ مما يضمن لرواياته سعة الانتشار والتوزيع، والبقاء في الزمن. وفي المقابل فإن استخدام اللغة العامية في الرواية يجعلها محصورة في منطقة معينة، لا يفهمها غير قراء محددين، وإذا ما تغيرت طبيعة تلك المنطقة، وتفرق سكانها فإن الرواية تتقلص قيمتها بل ربما يتلاشى وجودها. في حين إن الرواية الفصيحة يمكن أن يقرؤها الناس من أي جيل، وتصلح للقراءة في كل عصر.
وفي رأيي أن بإمكان الروائي أن يستخدم لغة عربية قريبة من لغة الصحافة، أي لغة وسطى بين الفصحى والعامية، لغة تُردّ إلى اللغة الفصيحة، وأن يتجنب استخدام اللغة العامية إلّا في مواقع قليلة من الحوار حيث تكون ضرورية لكشف سلوك الشخوص، وخلفياتهم النفسية، وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية. لقد أثبتت التجربة الروائية لنجيب محفوظ، التي تكللت بنيله جائزة نوبل بأن مثل هذه اللغة قادرة على حمل عالم الرواية بما فيه من مواقف وشخصيات وأحداث.
إنّ اعتماد الكلام العامي في الحوار الروائي يدل دلالة واضحة على فهم غير دقيق لفن الرواية، الذي نجد نموذجه اللغوي المثالي ــ كما أردد دائمًا ــ في قصص «ألف ليلة وليلة»، أو يدل على قصور الروائي في امتلاك ناصية اللغة، وعدم قدرته على الاختيار منها ما يلائم الموقف الذي يرغب في التعبير عنه؛ فحتى المواقف والأحوال والشخصيات الشعبية يمكن التعبير عنها بكلمات ترد على ألسنة العامة مثال الكلمات: راح، شاف، دلق، دهس، خش بمعنى دخل، حاش بمعنى جمع وساق، وغيرها مما ورد في معاجم اللغة كـ»المعجم الوسيط، و»لسان العرب». فاستخدام أمثال هذه الكلمات الفصيحة، القريبة من العامية يبين بطلان رأي من يدعون بأن استخدام اللغة العربية الفصحى في الحوار يبعد الرواية عن مهمتها الأولى، في الإيهام بالواقع.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات