عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Feb-2017

التحالف الأنجلو ـ أمريكي يسعى لكسر إرادة الأمة*د. سعيد الشهابي

الغد-ماذا يخطط الغربيون لمنطقة الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة؟ وما موقف حكومات المنطقة من تلك الخطط؟ وهل تستيقظ شعوبها لتفرض نفسها وتقرر أولوياتها أم تترك الأمور على عواهنها بأيدي القوى الطامعة؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية احتلت قضية فلسطين موقعا مركزيا في الوجدان العربي ـ الإسلامي خصوصا بعد فرض الكيان الإسرائيلي على أرضها فلسطين وتهجير أهلها. وبرغم نضال شعب فلسطين والحروب المتتالية فقد توسعت دائرة الاحتلال والاستيطان بمعدلات غير مسبوقة. وأصبح واضحا أن الغرب يضغط دائما على الجانب العربي ـ الفلسطيني لتقديم المزيد من التنازلات. فبعد أن كان الهدف الأساس محصورا بتحرير تلك الأرض وإقامة حكومة فلسطينية على كامل ترابها، جاءت حرب 67 لتفرض واقعا جديدا بضم الضفة والقطاع إلى المناطق المحتلة. وعلى مدى العقود الأربعة طرحت مبادرات عديدة جوهرها حصر فلسطين بالضفة والقطاع.
ومنذ قيام السلطة الفلسطينية تصاعد بناء المستوطنات في الضفة الغربية، حتى لم يبق منها تحت إدارة السلطة إلا أقل من نصف مساحتها. مع ذلك طرح مبدأ إقامة دولة فلسطينية على تلك المساحات التي تضيق تدريجيا. ومنذ صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية تغير الخطاب كثيرا، وأصبح هناك إعادة رسم لخريطة الوقائع والتحالفات السياسية في المنطقة.
وبرغم استسخاف تصريحات ترامب فإن بعضها يجد طريقه إلى التنفيذ، خصوصا سياساته في الشرق الأوسط وانحيازه للكيان الإسرائيلي. وقد وجد نتنياهو متنفسا واسعا بصعود ترامب إلى الرئاسة. فقد تميزت علاقاته مع الرئيس السابق، باراك اوباما بالفتور بسبب مواقف الأخير السلبية إزاء بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد استغرب الكثيرون من الاحتضان البريطاني للرئيس الأمريكي الجديد وسياساته. ففي لمحة بصر انشقت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وعمدت لتقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وكذلك مع دول الخليج. جاء ذلك بعد أن أعلنت بريطانيا قبل ثلاثة أعوام قرارها بالعودة لممارسة دور جديد في الشرق الأوسط بعد القرار الأمريكي بسحب القوات إلى جنوب شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ.
شهد العقد الأخير تطورات عديدة لامست مصالح الأمة وتسعى لفرض واقع جديد بملامح مختلفة. وفي ضوء التطورات التي شهدتها واشنطن ولندن منذ الصيف الماضي يمكن طرح معالم الوضع ضمن النقاط التالية: الأولى الحفاظ على الأوضاع السياسية الراهنة في الدول العربية، وحماية الأنظمة التي تحكمها ومنع قيام منظومة ديمقراطية حديثة. وقد تضافرت الجهود الرسمية العربية والغربية لضرب مشروع التغيير الثوري الذي تضمنه الربيع العربي، وتم تهميش إرادة الشعوب وإبعادها عن ميادين التغيير.
الثانية: تم التصدي للشعوب وتطلعاتها، وأقصيت عن ميادين الصراع، وهمشت أدوارها في القضايا الكبرى، وتم الاستغناء عنها باستقدام الخبرات والقوات الغربية. الثالثة: تهميش قضية فلسطين وإبعادها عن الاهتمام العام، وتكثيف الحصار على المكونات الفلسطينية لكسر إرادة الصمود لديها ومحاصرة تطلعاتها. الرابعة: إحداث نقلة نوعية في القناعات الفكرية والسياسية لدى الشعوب العربية، فما عادت فلسطين قضية محوية لديها، بل تم تغييبها عن الفضاء العام وحصرت الأزمة بتقديم مساعدات إنسانية محدودة للمحاصرين في غزة والقطاع.
الخامسة: طرحت نظريات جديدة بدعم استخباراتي غربي وإسرائيلي لتفتيت الأمة، تارة بدعم قوى التطرف والإرهاب، وأخرى بالتشطير وفق خطوط التمايز العرقي أو المذهبي. السادسة: تعميق الصراع البيني بين الدول العربية، وإشغالها بقضايا مختلقة كالإرهاب والتوترات المجتمعية الناجمة عن الطروحات المذهبية، وخلق أجواء سياسية وثقافية تسمح بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي واستهداف مجموعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، والسعي المتواصل لشيطنتها لتفقد بريقها وتخسر تأثير خطابها الثوري الذي يؤكد مشروع التحرير.
في افتتاحيتها يوم الجمعة الماضية، حثت صحيفة «التايمز» اللندنية العرب على تشكيل تحالف مع «إسرائيل» لمواجهة إيران، وهي دعوة تنسجم مع الجو العام الذي يسعى التحالف الانجلو ـ أمريكي لفرضه على المنطقة.
وجاءت زيارة نتنياهو لواشنطن ولقاؤه مع ترامب ليؤكد التوجه الجديد للإدارة الأمريكية التي تصرح علنا بعدم حماسها لما يسمى «مشروع الدولتين»، وعزمها على نقل سفارتها من تل ابيب إلى القدس. ولكن حتى مشروع الدولة الواحدة التي تشمل الفلسطينيين ليس مقبولا من قبل قطاعات إسرائيلية وغربية واسعة تعتقد أن تلك الدولة ستؤول للفلسطينيين لأنهم سوف يتفوقون عدديا على الإسرائيليين. هذه الافتتاحية تكشف البدايات الأولى للتحالف بين بريطانيا (التي خرجت من أوروبا) وأمريكا التي أصبحت محكومة برئيس متعصب لديه نرجسية ليس لها نظير، وأفكار تساهم في تفتيت المجتمع الأمريكي بدلا من لم شمله. تقول الصحيفة: «إن محاولات تشكيل تحالف عربي سني بجناح عسكري، مدعوما من الإدارة الأمريكية الجديدة ومزود بالمعلومات الاستخباراتية من إسرائيل يمكن أن يعيد ترتيب الأفكار حول مستقبل هذه المنطقة ومشاكلها. والهدف الأساس لهذا التحالف الذي بدأ في الظهور تدريجيا، احتواء إيران». فهل هذا حقا ما يجب عمله من الجانب العربي؟ أليس من الضرورة بمكان إعادة تقييم الوضع في ضوء التطورات المذكورة ليمكن إعادة الأمور إلى نصابها وإحياء مشاعر المسلمين إزاء فلسطين وغيرها؟ خلال زيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن كانت إيران الموضوع الأساس الذي طرحه مع ترامب، خصوصا حول الاتفاق النووي ودعمها ما يسمى «محور المقاومة». ووفقا لبعض المصادر فإن الرئيس الأمريكي حث الدول العربية على التحالف مع «إسرائيل» وإقامة «محور مواجهة إيران». وترى واشنطن أن هذا المحور سيضم مصر والأردن اللتين تقيمان علاقات دبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي. وتسعى كذلك لضم كل من المملكة العربية والسعودية ودولة الإمارات إلى هذا المحور. ووفقا لتقرير آخر نشرته صحيفة «تايمز» البريطانية يوم الجمعة الماضي فإن البلدين طورا علاقاتهما مع «إسرائيل» ويحصلان على معلومات استخباراتية منها بشكل منتظم، وإن شركات دفاع إسرائيلية تمارس أنشطة تجارية في العالم العربي.
هذا المشهد الكئيب يتأسس على معطيات عديدة في مقدمتها تغييب الوعي الشعبي العربي بحقيقة التحالفات وخلط الأولويات وتشويش المواقف الايديولوجية والترويج لعداوات مفتعلة مع الجيران. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية انشغل الرأي العام بظاهرة الإرهاب الذي تمثله مجموعات التطرف خصوصا القاعدة وتنظيم «الدولة». وتم ترويج المشروع المذهبي لتوسيع التمزق في صفوف الأمة وإشغال الطاقات بقضايا مفتعلة في الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون يعيثون في فلسطين فسادا واحتلالا وبناء مستوطنات وعدوانا مستمرا على قطاع غزة.
السياسة الانجلو ـ أمريكية الجديدة في الشرق الأوسط تسعى لتقوية ما كان يسمى سابقا «محور الاعتدال العربي»، فتسلحه بلا حدود.
الجديد في الأمر إن هذا المحور يراد له أمور ثلاثة: استهداف إيران وما يقال عن توسعها الإقليمي، والتحالف مع الكيان الإسرائيلي ومنع تكرر ظاهرة الربيع العربي وذلك بتقوية أجهزة الأمن والاستخبارات وتقوية جبهة «الثورة المضادة». هذه الطروحات السياسية التي كان لها بعض المصاديق في السنوات الأخيرة، أصبحت مدعومة من التحالف الانجلو – أمريكي الجديد الذي ينطلق في هذه الفترة بهدف استعادة السيطرة على المنطقة وحماية الكيان الإسرائيلي وتفتيت أمة العرب والمسلمين. وبذلك يعتبر تطورا نوعيا في مشروع «الثورة المضادة». وسيكون أخطر كثيرا من كل ما سبقه من تحالفات سابقة. هذه المرة سيضم معه الكيان الإسرائيلي كقوة غاشمة مضادة للتحرر والاستقلال ومعادية للوجود العربي والإسلامي ليس في فلسطين فحسب بل في محيطها أيضا. كما أن هناك تقارير مقلقة بأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تدخلت في بلدان عربية عديدة لقمع التوجهات التحررية وضرب قوى الثورة والتغيير والمقاومة. ومن المؤكد أن مشروع التشطير الطائفي والعرقي من أمضى أسلحتها. وقد أصبح واضحا كذلك أن الرئيس الأمريكي، ومعه المؤسسة البريطانية، يسعون لتوسيع التحالف الذي يقودونه في المنطقة بتشجيع قوى إقليمية أخرى للمشاركة فيه. وكما فعلوا سابقا بالطرح الطائفي كوسيلة جاذبة وسلاح مؤثر في هدم جسور التواصل بين مكونات الأمة، فإن العزف على الوتر الإيراني، هو الآخر، إداة أخرى فاعلة لمنع تكاتف شعوب الأمة وطاقاتها أو توجيهها على طريق تحرر الشعوب وتحرير الأرض.
الغريب في الأمر إن ذلك يتم علنا وفي وضح النهار، تبثه وسائل الإعلام وتكتب التحليلات بشأنه. مع ذلك تبدو النخب العربية والمسلمة غائبة عن السجال الفكري والسياسي الهادف لتوضيح الحقائق للرأي العام العربي والإسلامي. إن من العار والتخلف أن يسمح لهذا المشروع كسر شوكة رواد التغيير ورموز العمل الإسلامي والوطني في المنطقة. فلو كان الأمر سرا لكان ذلك عذرا لمن لا يتصدى له، ولكن ما عذر الصامتين على ما يحدث والقبول بمقولات قوى الثورة المضادة الهادفة لتمزيق الصف وتفريق الأخوة الذين تجمعهم قيم الإنسانية والدين والهوية والوطن؟ إن مشروع قوى الثورة المضادة واضح لمن يريد رؤيته، وهو مؤسس على فكرة كسر إرادة التغيير لدى أمة العرب والمسلمين. فإذا تحالفت تلك القوى مع المحور الانجلو ـ أمريكي الجديد فمن المؤكد أن الشعوب العربية والإسلامية وقضاياها ستكون المتضرر الأول من ذلك التحالف.
 
٭ كاتب بحريني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات