عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Feb-2017

في كتاب تناول الاستشراق في فكره: هشام جعيّط «إسلاموي»!

القدس العربي-عبدالدائم السلامي
 
«الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيّط»، (منشورات الجمل 2016) هو الكتاب الثاني الذي يخصّصه التونسي محمد المزوغي لنقد آراء هشام جعيط الفكرية، يُذكر أن المزوغي، وهو باحث في مجال الفلسفة في إحدى جامعات إيطاليا، كان قد أصدر سنة 2014 كتابا بعنوان «منطق المؤرخ: هشام جعيط، الدولة المدنية والصحوة الإسلامية»، تناول فيه بالدرس منهجيّة هشام جعيط في مُقَارَبة التاريخ العربي القديم ومواقفه السياسية منذ سبعينيات القرن الماضي، وصولا إلى أحداث الربيع العربي وما أسفر عنه من صعود الإسلاميين إلى الحكم في كل من تونس ومصر وليبيا والمغرب. وقد خلص المزوغي من كتابه إلى القول إن جعيط «إسلامويّ التفكير والمنحى»، ويشرح ذلك بتأكيد أنه سبق لجعيط أن اهتمّ بعلم التاريخ دون أن يُوفّي شروطه الموضوعية العلمية، حيث زجّ بقناعاته الدينية في المجال الذي يجب أن يكون متعاليا عليها. وقد ذهب هذا الباحث إلى أن موقف جعيّط لم يتغيّر على مرّ الزمن، ومن مظاهر ذلك – على حدّ رأي الكاتب- أنّه مَجّد في الثمانينيات من القرن الماضي الثورة الإيرانية واعتبرها ثورة الإسلام ضد الحداثة المنحرفة، في حين أثبتت الوثائق أنها أمرٌ مدبَّر من قبل مراكز القرار الغربية لخلق حزام إسلامي يتمّ به تطويق الاتحاد السوفييتي وتحطيمه. ويذهب هذا الباحث إلى اعتبار الثورة الإيرانية النسخة الأولى للربيع العربي، سواء من حيث الديناميكا أو من حيث النتائج: فهي تدمير مُمنهج وكاسح للدولة المدنية، وخلق بؤرة دائمة لتفريخ الإرهاب وتصديره إلى أصقاع العالم.
وفي كتاب «الاستشراق والمستشرقون في فكر هشام جعيط» يركّز المزوغي كلّ جهده البحثيّ على تفكيك موقف جعيط من المستشرقين ومن الاستشراق بصفة عامة. وفي هذا الشأن يستغرب الباحث من إشادة المفكّر ماكسيم رودنسون بجعيّط، وكيف يعتبره مثقّفا لامِعا موهوبا ومتخلصا من همومه الدينية، والحال أن جعيط محكوم بثقافته الإسلامية ومؤطر في رحمها لا يحيد عنها بتاتا. والدليل على ذلك أنه انقضّ في ما بعدُ على رودنسون نفسه، واصفا إياه بأنه متخلف وجامد، وبأنه موغل في إشكالات قروسطية معادية لنبي الإسلام، بل ذهب إلى الحطّ من قيمة أعمال هذا المفكّر العلمية، في قوله إنّ كُتُب رودنسون «تُظهر عمى عميقا إزاء خصوصيّة الحركة الدينية النبويّة: وتبقى كلها منغلقة في إشكاليات موروثة عن العصر الغربي الوسيط أو القرون الحديثة الأولى». أما عن المؤرّخة باتريسيا كرونه فقد كال لها جعيط من النعوت ما لا يُتخيّل: فهي مجحفة، شكاكة، مُتطفّلة، غير جدية، نيّتها سيّئة، تروي خرافة ولا تكتب تاريخا.
الأسئلة التي يطرحها المزوغي هي: مَنْ مِنَ الإسلاميين لم يُطلق هذه الأحكام على المستشرقين؟ مَن منهم لم يَنقضّ عليهم بالتّجريح والشّتم دفاعا عن دينه وحماية لمقدساته؟ هل هذا يعني أن جعيط والإسلاميين يَقفان على المستوى الفكري نفسه، ومُتكَاتفان ضدّ عدوّ مشترك؟ وفي إجابة عن هذه الأسئلة يذهب الباحث – وإنْ ببعض الأحكام الإطلاقية- إلى القول بوجود تطابق في المواقف بين جعيط والإسلاميين من حيث مناهضتهما للاستشراق، وأقوى دليل على ذلك هو ما كتبه أحد الإسلاميين المتشددين، محمد أبو ليلة، وهو أستاذ في كلية الشريعة في الأزهر، وخطيب جمعة، إذْ نقل حرفيا من كتاب جعيط «أوروبا والإسلام»، كل تهجماته على الاستشراق وعلى المثقفين الغربيين عموما، ولو لم يكن هناك تناغم بين الطرفين، لما تجرّأ أبو ليلة على الاقتباس من جعيط، ونَقْل صفحات من كتابه تنتقد الغربيين من فولتير إلى رودنسون لأجل مواقفهم الخارجة عن قوالب الدين. وبخصوص فولتير فإن المزوغي خصص ثلاثة فصول من كتابه للدفاع عنه ضد تهجّم جعيط عليه، حيث عمد إلى عرض أفكاره حول الإسلام من خلال مؤلفاته، مشيرا في الآن ذاته إلى أنّ جعيّط ظلّ يتحدث عن فولتير وينقده، من دون أن يرجع إلى كتاب من كتبه، ومن دون أن يستشهد ولو بجملة واحدة منها، ويفسّر الباحث هذا النقص بتساهل جعيط مع منهجيّة البحث الرصين، وكان جديرا به ألاّ يخوض غمار حرب شعواء على المستشرقين، ويُشوّه سمعتهم أمام القرّاء العرب، وإنّما أن يَتأسّى بهم، على الأقل، في ما يخص اطّلاعهم المباشر على النصوص، وإكثارهم من إيراد المراجع الأصلية، وتحرّياتهم المنهجية، واستخدامهم لأدوات الفيلولوجيا والنقد التاريخي. جاءت خاتمة كتاب المزوغي المعنونة بـ»معاداة الاستشراق وصناعة داعش»، في شكل استنتاج عام يغمز به من قناة هشام جعيط وفيه تأكيد على أن معاداة الاستشراق لا تقود إلاّ إلى التطرّف وصناعة الإرهاب المادي والمعنوي
كاتب تونسي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات