عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Sep-2017

مزج السيرة بالتاريخ والمتخيَّل الروائي

 الدستور-د. إبراهيم خليل

بعد رواياته: زمن بين الولادة والحلم (1976) ووردة للوقت المغربي (1985) والجنازة( 2004) و حكاية وهم (1995) وطريق السحاب(1994) ومدينة براقش (1998) والعجب العجاب(1999) والهباء المنثور (2001) وفاس لو عادت إليه (2003) والمخدوعون(2005) ورجال ظهْر المِهْراز(2007) وهموم بطة (2009) وممر الصفصاف (2014) وخمس عشرة مجموعة قصصية الأخيرة منها « طرز الغرزة «(2016) وأحد عشر كتابًا في الرحلات والسيرة،كان آخرها كتاب « خرائط تمشي في رأسي « (2016) وثلاثة دواوين، وستة عشر كتابًا تجمع بين الترجمة والنقد الأدبي، بعد هذا كله تصدُر للكاتب المغربي أحمد المديني رواية جديدة عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء بعنوان ظلُّ الغريب (2017) وهي مغامرته الأولى خارج حدود بلاده، ففيها يتجاوز الساردُ تخومه راويًا وقائع، وحوادث، يمتزج فيها التاريخ المنصرم، بالحاضر القائم، والوجدان المشترك لشعبين شقيقين متجاورين، لم تخل أيامهما - في القديم والحديث- من توتر وملاحاة، ومن نوبات محبة ومؤاخاة.
تبدأ الحكاية التي تروي ما لقيه علي بن زروال من الدار البيضاء من غرائب الأحوال، وعجائب الأهوال، في رحلته القصيرة إلى بلاد  المجاهدين(الجزائر) من منتصف القصة، لا من بدايتها، ففي الاستهلال يقف بنا الراوي بأناة وتؤدة عند الحاجز الذي يقع على الحدود بين البلدين في  الموقع الذي يقال له (جوج(1) بغال) وهي تسمية غريبة يوظفها الراوي - ابن زرْوال - في السخرية من موظفي الحاجز، من شرطة الداخلية، والكومسيارية، ومن رجالات الأمن، والمخبرين، ومن الحدود الجمركية المصطنعة التي تفصل بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه، ومن المسافرين ،الذين يصطفون في طوابير ينتظرون أن تختم جوازات سفرهم، ومن تفتيش يتخلَّلُه عنف تارة، وشتائم تارة أخرى. ومن رجال، ونساء، وصبيةٍ يتدافعون، كلٌ يريد أن ينجو، وينْفَلِت، من ذلك الانتظار الدَبِق، الخانق.
وبعد مروق السهم من الرمية، يخلص ابن زروال من ذلك الانتظار، ليجد نفسه في عربة من عربات القطار، الذي يشق طريقه شقّا نحو الجزائر العاصمة. وتنثال عليه الذكريات مستعيدًا بعض ما جرى قبل سَفره. فيذكرُ، فيما يذكر، مجريات الـ 17 من آب (أغسطس) 1972 أي: الانقلاب الذي قاده بعض العسكريين ضد العاهل الراحل الحسن الثاني، وتعرُّض طائرته القادمة من باريس للاعتداء، إلا أن الأقدارَ شاءت لتلك المحاولة الإخفاق، مما أدى إلى إطلاق يد السلطة، في ذلك الحين، للتنكيل، لا بالانقلابيين الذين قتل زعيمهم الجنرال أوفقير فحسب، وإنما امتد التنكيل ليشمل المعارضين، وفي مقدمتهم زعماء الاتحاد الوطني، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
 دواعٍ وأسباب
تزامن هذا التوتر الأمني مع موقف آخر كانت له علاقة بسفر ابن زروال إلى بلاد المجاهدين. فقبل تلك الحادثة كانت وزارة التربية قد تلقت عرضًا من الحكومة الجزائرية لإرسال مُدرِّسين يدرسون اللغة العربية، والتاريخ، والتربية، والجغرافيا، لأن الحكومة التي يرأسها الهواري بومدين اتخذت قرارًا قاطعًا لا رجعة فيه، وهو تعريب التعليم، وجعل العربية اللغة الأولى بدلا من الفرنسية، ولهذا استقدمت مدرسين من مصر وسورية والأردن والمغرب. وقد نصحه الشرقي- وهو صديق حزبي لابن زروال- أن ينأى بنفسه عن هاتيك الأجواء المتوترة، فيذهب في هذه الإعارة التي كانت قد عُرضت عليه وتردد بين القبول والرفض. فمن حيث المبدأ يستطيع تحسين وضعه المادي، لأنه سيتلقّى راتبين اثنين لا واحدًا، أحدهما من الجزائر، والثاني من المغرب. وثانيًا؛ يستطيع أن يكون في منجاة من الاعتقال والحبس. علاوة على أنه يستطيع – ثالثا- خدمة الحزب وهو في الجزائر، فالكثير من الناشطين يتوافرون هناك، فضلا عن العلاقة الجيدة بين الاتحاد وجبهة التحرير الجزائرية. ودفع إليه قبيل سفره بمغلف بريدي مغلق طالبًا منه تسليمه لأحد الأشخاص، دون أن  يذكر له اسم ذلك الشخص، ولا العنوان، مؤكدا أنَّ صاحب المغلف هو الذي سيبحث عن ابن زروال، ويتصل به لتسلُّمه لا العكس.
 على قَلَقٍ
وفي الجزائر العاصمة ثمة مشكلة في السكن، وأخرى في الفنادق. فاضطر للمبيت في مستودع جمركي تارة، وفي مخفر أمني تارة، وفي سُدّة حمَّام من النوع الذي يتردد إليه المستحمون في مواعيد محددة تارةً، وفي بنسيون تديره جماعة من اليسوعيين تارة أخرى. ذلك أن من المفاجآت الغريبة التي تعترض سبيل ابن زروال التقاؤه المباغت، وجهًا لوجه، صديقا قديمًا هو حميدو. وحميدو هذا أكبر منه سنًا، وهو من رجالات الاتحاد، وكان على صلة مستمرة بالمجاهدين الجزائريين، وبشيخهم عميمور المقيم في الدار البيضاء في بيت على كثب من المقهى التي لا تبثّ الأجهزة فيه إلا أغاني كوكب الشرق. وبعد استقلال الجزائر شد الرحال إلى العاصمة. وقد ظل يذكر ملامح ابن زروال وأبيه لكثرة ما كانت الجماعة تتردد إلى بيت زرْوال الأب، الذي اعتاد أن يولم لهم تشجيعًا منهُ، وتأييدًا، لثوار الجزائر، ويجمع لهم علاوة على ذلك التبرعات. وحميدو هو من وضع حلا مؤقتا لمشكلة ابن زروال في السكن، فقد اصطحبه إلى ذلك النُزل الذي يديره اليسوعيون (من بقايا الفرنسيين) وهو نُزْلٌ تخضع الإقامة فيه لتعليمات صارمة يضيق بها الشاب، مما اضطره إلى النجاة بنفسه بعد أن استضاف، خفيةً، سيدة في النُزل، تضوّعَ شذى عطرها النسائي وانتشر في المكان، وهذا في نظرهم جريمة لا تغتفر، فأن يأتي النزيل بامرأة إلى هذا المكان، فذلك شيء تراق بسببه الدماء، أو يوشى به على أقلِّ تقدير.
بعد أن التحق ابن زروال بعمله مدرسًا في (ليسي لمير(2)) حُلَّت قضية السكن على وفق العقد الذي يَشْترط على الجهة المتعاقدة توفير سكن ملائم للمدرِّس. وهكذا حظي بسكن في حي [تلملي] يحسده عليه الآخرون. وردَّ لحميدو معروفًا بمعروف. إلا أن حميدو سرعان ما اختفى، وقد أوضح بنفسه في مونولوج استغرق صفحات أسباب العزوف عن ملازمة ابن زروال، إذ كان يخشى أن يعرّض هذا الأخير للخطر بملازمته له، ومشاركته المسكن، لا سيما وأن كثيرًا من الجواسيس، والمخبرين، يراقبون حميدو، منهم من يعمل لصالح جبهة التحرير، ومنهم من يعمل لصالح الرباط. 
يذكر الراوي، وهو بطل الرواية مثلما أشرنا، شيئًا عن كراهية ناظر المدرسة لهذا (المرّوكي)، وقد قابله ابن زروال بمثل هذا الشعور، ولكن الناظر تغيَّر فجأة عندما توصَّل ببرقية عاجلة من قيادة الجبهة تطلب منه إنفاذ ابن زروال على الفور لمقابلة أحد المسؤولين الكبار النافذين، وما هي إلا ساعات حتى كانت سيارة ستروين تقفُ أمام الليسي لتقلَّ المدرس ابن زروال، شيء لم يصدقه زملاؤه، فهل هو على هذه الدرجة من الأهمية؟! مفاجأة أخرى تعرض لهذا(المروكي) فقد كانت الغاية من ذلك الاستدعاء تجنيده في معسكر يختصُّ بتدريب الناشطين المعارضين للنظام في المغرب. وعندما وجد نفسه أمام عدد من المتدربين يفوق العشرين، وهم يستعملون السلاح، ويطلقون النار على أهدافٍ وهمية، أبى أن يكون واحدًا من هؤلاء، ورفض حمْلَ السلاح، وقد حاول قائد المعسكر إقناعه بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة، بلا فائدة. وعاد ثانية إلى الليسي ليتابع تدريس التاريخ، وليجدِّد كراهية الناظر له مرة أخرى.
 قصَصُ العشق
ما من شك في أن ابن زروال فتن في أثناء إقامته في الجزائر بأشياء عدة؛ منها الأمكنة، والبلدات التي زارها، أو مر بها، على أن أكثر شيء فتن به هو النساء. وقد روى لنا الراوي شيئا غير قليل عن علاقاته النسائية، بعضها على سبيل الاستعادة لما جرى له في أثناء دراسته في الجامعة بالرباط, وهي علاقة ما تزال تؤثر في نفسه بدليل الرسائل التي يتذكرها مع تلك الطالبة التي خذلته ذات مرة، ولم تقاطع أحد الأنشطة التي قاطعها الاتحاديون. ويروي لنا ما كان بينه وبين مدرِّسة الرياضيات التي كادت علاقته بها تودي بحياته، وحياتها، قبل أن تبدأ. وذلك كله قبل أن يتعرف على سيدة فرنسية (ميشيل) تقيم في الجزائر العاصمة في حين أن زوجها يقيم في مكان عمله عند آبار النفط بعيدًا عنها بعدًا كبيرًا (تيزي وزو) وهي لذلك تجد نفسها حرة، تقيم علاقات سريعة، وعابرة، مع منْ تشتهي، وقد قُدِّر لابن زروال أن يكون واحدًا من هؤلاء، صدفةٌ واتتْه خيرٌ من ميعاد. وأخفق إخفاقا ذريعًا في الاحتفاظ بها. قالت ذات يوم: أنت لا تملكني، ومن حقي أن أعاشر من أشاء، وقتما أشاء، وفي المكان الذي أشاء.
ويحاولُ ابن زروال، بعد أن اختفى حميدو، أن يشغل نفسه بالدراسة، فقرَّر أن يتردَّد إلى الجامعة لنيل شهادة السلك الثالث في التاريخ(3) ، وقد شجَّعه على ذلك قرب الجامعة من مكان إقامته، ومن ليسي لمير. وفي الأثناء يتهيأ ابن زروال لمفاجأة جديدة. فقد سمع عن محاضرة للطفي الخولي صاحب مجلة « الطليعة « فقرر الذهاب إليها، والاستماع للخولي، لا سيما وأن الموضوع شيِّق، فهي عن التحرر الديمقراطي في البدان العربية بعد الاستقلال. وفي الأثناء سمع، بل شاهدَ، أحد الأشخاص يتقدم من المنصة، ويخاطب المحاضر بصوت جهير، وبلكنة عربية فصيحة تلفت الأنظار، وبشعاراتٍ قومية، ملتهبة، رنانة. وعندما اقترب منه رأى فيه صديقا قديمًا عرفه في الدار البيضاء، وتذكر محمّد الباهي حُرْمة - الموريتاني - الذي يصنف نفسه عربيًا رافضًا أن يُنسبَ لأيِّ هوية قطرية أخرى. وعندما تحدث إليه تعارفا فورًا، واستعادا الماضي في المقهى ذاته الذي لا تبث التسجيلات فيه سوى أغاني كوكب الشرق. ووعده الباهي الذي يعمل في جريدة» المجاهد « بمساعدته في العثور على الشخص الذي ينبغي أن يُسلمه المغلف الذي دفع به إليه الشرقي، فهو يخشى أن يفقده فلا يؤدي الأمانة التي عُرضت على الجبال فأبيْنَها، واحتملها ابن زروال للأسف.
 شخصياتٌ حقيقية
تتكرَّر في الرواية بعض الأسماء، فعدا عن اسم الباهي، ولطفي الخولي، وبن بلا، وبومدين، يذكر الراوي اسم المهدي بن بركة، وعبدالله إبراهيم، وعبد الرحيم بوعبيد، ومحمد عزيز لحبابي، أستاذ الفلسفة الذي درس ابن زروال على يديه في الرباط، وها هو ذا في جامعة الجزائر، أستاذا زائرًا. على أن أجواء ابن زروال، كلما اقتربت من الاستقرار والاطمئنان، جدّ ما يعكِّرُ صفوه، ويقلب ظروفه رأسًا على عقْب، فإنَّ جبهة التحرير، بعد أن يئست من تجنيده، شدَّدتْ الرقابة عليه، وتزايدت الاحتمالاتُ بتعرُّضه لإجراءات عقابية: فسخ العقد مثلا، وإعادته للمغرب. تزامن هذا مع قيام بعض المعارضين للنظام المغربي بعملياتٍ عسكرية مسلَّحة، ووُجِّهت أصابع الاتهام فورًا لأولئك الذين يتدربون في الجزائر، ويحظون برعاية الجبْهة، وضاقتْ الأرض بما رحبت على ابن زروال، وغيره. وقد نصحه محمد الباهي، قبيل مغادرته إلى باريس، بالبقاء في حي تلملي بالجزائر، فهو أكثر أمنًا من الدار البيضاء، إذ لا ريب في أنَّ مصيره سيكون كمصير الشرقي، الذي تناقلت الأخبار نبأ اعتقاله، وزجه في السجن مع آخرين من الاتحاديّين. بيْدَ أنّ ابن زروال الذي تمنى الالتزام بما نصحه به الباهي، لا يقرُّ له قرار، ولا يهدأ له بال، لا سيما وأن هذا تزامن مع تخلي الفرنسية(ميشيل) عنه، فشعر بأنه على قلق، وأنه مشتَّت الذهن، وأنه لا يستطيع أن يشرح دروسه للطلاب مثلما ينبغي. وعلى نحو مفاجئ، وفي الصفحة ذات الرقم342 من الشذرة 67 من الفصل التاسع يجد القارئ ابنَ زروال على الحدود بين الجزائر ووَجْدة، والسؤال الذي يُطرح عليه «  واشْ راكْ تخدم؟ « أي: بم تعمل؟ ما هي مهنتُك؟ وتتصل من هذه الصفحة حتى نهاية الرواية ص 406 متوالياتٌ سردية تروي لنا معاناة المغادرين العائدين إلى المغرب برًا، عبر النقطة الحدودية التي ورد ذكرها في بداية القصة (جوج بغال) وما يلقاه المغادرون من متاعب لدى التفتيش، ولدى مصلحة الضرائب، والكومسيارية، والشرطة، وأخيراً، وبعد أن تنفس المغادرون الصعداء، وظنوا أنهم مفارقو الحاجز، إذا بهاتف يهتف:» ما في عبور، عودوا.. أيوا اسمعوا.. را هذيك اللي يسموها الكوليرا ظهرت في البلاد. واحنا ما على بالناشْ. را جاوْنا لي زانستروكنْسيون (4) باش تبقاو هنا.. على خاطر يلزمكم الفاكسيناسيون (5)، ويلزمكم ثمانية أيام هنا حتى تِشْفاوْ.. وإذا شفيتوا تقدروا تذهبوا للمرّوك» .
فقد كُتب عليهم أنْ يجرى لهم فحص، وتلقيح، مع الحجر الصحي لمدة ثمانية أيام للتأكد من أنهم غير مصابين بالكوليرا، فإذا ثبت أنهم كذلك، سُمح لهم باجتياز الحدود، ولو كان الأمر على هذا النحو فقط، لهانَ، واحتُمل،  ولكن اللقاحات غير موجودة، ولا يوجد مركز تلقيح، وليس لدى الجهات المختصة علم بهذه التعليمات، ولا يوجد في المكان من يبيع الطعام أو الشراب، ولا مكانَ للنوم، وهكذا تستمر المعاناة ثمانية أيام بليالها يرى فيها المسافرون نجوم الظُهْر كما يقال. وأخيرًا ها هو أمام حارس الحدود على الجانب المغربي لا الجزائري: « سمعت حارس الحدود كأنما يأتي صوته من قلب مغارة وهو يتفحصُ جوازي: أنت علي بن زروال . هه .. وسمعتني أجيب من القلب نفسه، وأنا لا أفهم: ربما أنا، ربما ليسَ أنا، أنا ولستُ أنا « (ص406) السؤالُ، والجواب عن  السؤال، يدلان على أن ابن زروال مطلوب، وهذا ما تنم عليه نبرة السؤال، ونبرة الجواب أيضًا. وهذه هي آخر الوقائع التي تعترض رحلة ابن زروال المتأوِّدةَ بين الحقيقة والخيال.
 المكان والإنسان
ومن ينعم النظر في رواية المديني يُلاحظ وقوعه تحتَ سحر المكان، وغواية الوصف، فهو لا يدع الفرصة، صغيرة كانت أم كبيرة إلا ويستغلها لوصف ما يقع عليه نظرُ الراوي من أمكنة في الجزائر؛ فهو يصفُ البيوت، وما تختص به من أشكال هندسية، وطلاء أبيض، ونوافذ تغلب عليها الزرقة، ويصف لنا البريد المركزي، ومقار الجبهة، والجامعة، وساحة الأمير عبد القادر الجزائري، الذي غادر إلى دمشق، وجاور قبر الشيخ محيي الدين بن عربي، ويصف لنا التمثال الذي يقع في مركز الساحة، والحصان، والسيف، حتى وجدناه من شدة تعلقه بالأمير يتخيل أنه حيٌ يترجل عن جواده تارة، ويلوح بسيفه الصارم البتار تارة أخرى. ولا تفوته الوقفات عند شاطئ البحر، وهو يركز تركيزًا شديدًا على ما تختلفُ به شواطئ المتوسط عن شواطئ الأطلسي في الدار البيضاء، وعين ذياب.
وفي الأثناء لا يفتأ أيضا يشير لما يختصُّ به الجزائريون من عادات، ومن تقاليد، ومن أعراف لا يجدها لدى المغاربة على اختلاف أصولهم بين عرب، وأمازيغ. ولا يفتأ يسلِّط الضوء على اختلاف الأذواق في الأطعمة، والأشربة، وحتى في النظر إلى الأشياء الأخرى من أثاثٍ، ومن بيوت، ومن ملابس، وأزياء، ومن مظاهر التجميل في الوجوه، فالمغاربة لا يعشقون «تربية» الشوارب، في حين أن الجزائرين يرون الهيبة في الشاربين، فكلما كانا غزيرين كثيفين كان الرجلُ ذا مهابة، ومكانة، يختلف بها عن ذلك الذي لم يُرزق بشاربين كثَّيْن.
ويسلط الضوء أيضا على تحيز بعض الجزائرين للفرْنَسة ضد التعريب، ومن النماذج الجديرة بالانتباه ناظر ليسي لمير، فهو من الذين لا يحبون التعريب، ويخاطب محدثيه بالفرنسية حتى وإن لم يكن يتقن الحديث بها، ومن أمثال هذا الناظر كثيرون، يجدهم في  المؤسسات الرسمية، وفي مخافر الشرطة، ولدى حرس الحدود، وحتى في الليسي، ولدى من يدرِّسون التاريخ والعربية والتربية الإسلامية. ولدى الجزائرين زهوٌ بأن بلدهم قدم الكثير من الشهداء « بلد المليون شهيد أو المليون ونصف « فالشهداء كأنهم يتكاثرون في قبورهم كالأحياء، هكذا يعلق أحد الأشخاص في محاضرة الخولي. ولا يفوت الراوي أيضا أن يلقي بالأضواء على تفشي الرشوة، والوساطة، والانتهازية، والتسلُّق. وهذا يضع العراقيل في وجه التنمية التي شرع لها بومدين الأبواب.
 اللغة واللغيات
على أنَّ قراءة هذه الرواية ذات الـ 406 ص تصطدم بحاجز اللغة لدى القارئ، وهذا أمر طبيعيٌ، فقد اضطرتْ متطلباتُ التشخيص الدقيق الكاتبَ لا ستخدام الدارجة في الحوار من حين لآخر. ولو أنه لم يفعل لكانت روايته للحوادث، واستنطاقه للشخوص، مفتعلا، مملا، لا يقتنع القارئ بجدواه. لذا نجده من وقت لآخر، ومن حوار لآخر، يلجأ إلى اللهجة الجزائرية، وهي لهجة قريبة من المغربية، مع الكثير من استخدام الفرنسية في الحوار: كلمات مفردة تارة، وتارة تراكيب..وتارة جمل تامة.. تضع القارئ الذي لا يعرف الفرنسية في موقف يحتاج معه إلى مترجم، وقد فعل المؤلف هذا بفضل إتقانه الفرنسية، لا بحكم كونه مغربيًا فحسب، وإنما لأنه درس في فرنسا طويلا، وأقام فيها مدة من الزمن ليست قصيرة. والتنوع اللهجي في الرواية يُضفي على مواقف الشخوص الكثير من الصدق، وينأى بالنسق السردي عن الافتعال، ويقترب به مما سماه ميخائيل باختين المبدأ الحواري. فالقراء لا يسمعون في رواية الكاتب صوت المؤلف وحده، أو كلامه، أو لغته، ولكنهم يسمعون أيضا أصواتا أخرى هي أصوات الشخصيات، فلكل شخصية في الرواية بصْمَتُها اللغوية، ولا مندوحة عن استعمال التعدُّد اللهجي لتمثيل الفروق بين هاتيك الأصوات. ونعتقد بأنَّ المديني نجح في هذا نجاحًا منقطع النظير. كيف نستغرب ذلك، وهو الذي أمضى في الجزائر وقتا كافيا في صباه زوده بالخبرة التي تمكنه من فهم الإنسان، والمكان، في بلاد المجاهدين(الدزائريّين). على أن مما يلفت النظر في رواية المديني هذه ما تجلى في صورة السارد الذي هو سارد مشارك يتكلم بضمير الأنا تارة، وتارة ساردٌ غير مشارك يتكلم بصوت القرين، أو العشير،  مستخدمًا ضمير المخاطَب، على طريقة من أنطقه سوءُ الحال فقال: 
لا خيلَ عندكَ تهديها ولا مالُ/ فليُسعدِ القولُ إنْ لم تسعدِ الحالُ 
واستخدم السارد العليم قليلا، علاوة على الرسائل التي تقوم بدور الوسيط بين ساردٍ راوٍ، ومرويٍّ عليه، لكن الطابع الغالب على الرواية هو النوع الأول الذي يهيمن فيه ضمير المتكلِّم، وهذا يضفى على المرويات طابع السرد الذاتي، ويقربها من السيرة، ويضفي عليها أيضًا مصداقية، تجعل الزمن السردي مواكبًا لزمن وقوع الأحْداث؛ فلا هو قبل وقوعها، ولا هو بعده. ولا نستبعدُ أن يكون في ابن زرْوال شيءٌ من المديني المؤلف، مثلما قيل إنَّ في كمال بن السيد عبد الجواد - أحد شخوص الثلاثية- شيئًا من نجيب محفوظ، ذلك أنَّ من المعروف، عن المؤلف، قضاءَه بعض الوقت عاملا في الجزائر في حقل التعليم قبل مغادرته إلى فرنسا، وقد أشار لشيءٍ من هذا في كتابه شبه السيرة «نصيبي منْ باريس « (ص14- 15). وإذا صح ذلك، ولعله صحيح، تكون ظلُّ الغريب مزيجًا من التاريخ، والسيرة، والمتخيَّل الروائي. 
 الهوامش:
1. لغة في كلمة زوج يجعلون الزاي جيمًا
2. ليسي لمير، أي: ثانوية الأمير، والمقصود الأمير عبد القادر الجزائري. 
3. ما يعادل الدبلوم.
4. تعليمات.
5. تلقيح، أو تطعيم ضد الكوليرا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات